التعليق على مذكرة أصول الفقه 22

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم النسخ في اللغة والشرع

النسخ في اللغة يعني الرفع والإزالة أو النقل، وفي الشرع يعني رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه. النسخ في القرآن جاء بمعاني متعددة تشمل الرفع والإبطال ونسخ الكتاب.

شروط النسخ وحدوده في الشرع

يشترط في النسخ أن يكون الحكم المرفوع ثابتا بخطاب شرعي، ولا يشمل الأحكام الأصلية أو زوال الحكم بسبب الجنون أو نحوه. النسخ لا يكون إلا لحكم شرعي مثبت بخطاب سابق.

آراء الفقهاء والمذاهب في النسخ وحكمة الله منه

يناقش الفقهاء تعريف النسخ ويفرقون بينه وبين التخصيص، وتختلف آراء المذاهب مثل المعتزلة والرافضة في النسخ والبداء. الله يشرع الأحكام وفق علمه المسبق بما يصلح لعباده في كل زمان ومكان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب النسخ. قال: النسخ في اللغة الرفع والإزالة، ومنه نسخت الشمس الظلة، ونسخت الريح الأثر، يعني أزالته. وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقولهم: نسخت الكتاب، يعني نقلت ما فيه، وإلا فأصل الكتاب موجود. قال: معنى كلامه ظاهر، وقوله: ما يشبه النقل، عبر بأنه يشبهه لأنه ليس نقلا حقيقيا؛ لأن ما في الكتاب المنقول منه لم ينقل بالكلية، وإنما نقل صورته منه في الكتاب الثاني. وعلم أن النسخ جاء في القرآن العظيم لثلاثة معاني، وجاء بمعناه اللغوي، وهو الرفع والإبطال من غير تعويض شيء عن المنسوخ. قال: وهذا في قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾ يعني يبطله ويرفعه. قال: وجاء بمعناه الشرعي، وهو رفع حكم شرعي بخطاب جديد، وذلك في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ الآية، ﴿نأتي بخير منها أو مثلها﴾، ما ننسخ يعني ما نرفع من حكم بحكم آخر، أو ننسيها يعني نؤخرها. قال: وجاء بمعنى نسخ الكتاب، أي كتابته، كقوله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ يعني نكتب. وقوله: ﴿وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾. قال المؤلف رحمه الله: فأما النسخ في الشرع، فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير، وحده رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه. قال: ومعنى الرفع الإزالة الحكم على وجه لولاه لبقي ثابتا، يعني هذا الرفع لبقي هذا الحكم الأول ثابتا وموجودا، لكنه رفع وأزيل حكمه. قال: وقوله: بخطاب متقدم، متعلق بالثابت، يعني أنه ثابت بخطاب شرع متقدم، لا بالبراءة الأصلية. يعني قوله: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، قوله: بخطاب متقدم، متعلق بالثابت، يعني رفع الحكم الثابت بخطاب أن يكون الحكم هذا المرفوع الذي أزيل حكمه ونسخ، يكون ثابتا بخطاب شرعي. قال: وقوله: بخطاب متراخ عنه، متعلق برفع الحكم، يعني أنه مرفوع بخطاب متراخ عنه، لا متصل به. وهذا الإخراج التخصيص كما سيأتي. قال: وإضاح تقريره أن النسخ هو أن يرفع بخطاب متراخ حكم ثابت بخطاب متقدم. واحترز بقوله: رفع الحكم، عما لم يرفع أصلا كالأحكام الأصلية كعدم حرمة الربا، وعدم وجوب الصيام والصلاة؛ فإن رفعه ليس بنسخ لأنه كان ثابتا بالبراءة الأصلية لا بخطاب شرعي. قال: واحترز بخطاب ثاني عن زوال الحكم بالجنون ونحوه، فليس بنسخ لأنه لم يرفع بخطاب ثاني. وضعها للأباء، يعني الآن جاء الشرع بحرمة الربا، فالأدلة التي جاءت بتحريم الربا لا تسمى نسخا؛ لأن ثبوت التعامل بالربا لم يكن بدليل من الشرع، إنما كان بالبراءة الأصلية. قال: واحترز بتراخيه عن المتصل بالخطاب الأول، فإنه تخصيص له، ليس بنسخ. إذا كان الخطاب الأول والثاني في خطاب واحد، ليس متراخيا عنه، فهذا ليس بنسخ، وإنما هو تخصيص. قال: كقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فإن بدل البعض من الكل فيه رفع حكم وجوب الحج عن غير المستطيع، ولكنه متصل به، فليس نسخا لأنه لم يتراخ عنه. قال: وقال قوم: إن النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثان. هذا قال به القاضي البيضاوي، واختاره بعض الفقهاء في تعريف النسخ. قال: حاصل هذا القول الأخير أن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم. قالوا: أن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم، يعني مثلا من صام من النهار إلى الليل، هل يكون دخول الليل نسخا لحكم الصيام؟ على قولهم هذا يعتبر نسخ. قال: واعلم أن حد المعتزلة للنسخ باطل. المؤلف ذكر تعريفا للنسخ عند المعتزلة، كما في روضة الناظر، فلا حاجة له. قال: واعلم أن النسخ لا يلزمه البدل، الذي هو الرأي المتجدد البداء. القول بالبداء باطل، قال به بعض اليهود، ووافقهم بعض الرافضة، وهو قول باطل؛ لأن الله عز وجل ينسخ الحكم، وهو يعلم أنه سينسخه في المستقبل، وأن نسخه أفضل وأصلح للعباد من إبقائه. قال: لأن الله يشرع الحكم الأول، ويعلم أنه سينسخه في الوقت الذي تزول مصلحته فيه، وتصير المصلحة في الناسخ، فإذا جاء ذلك الوقت نسخ الحكم الأول، وعوض منه الحكم الناسخ على وفق ما سبق في علمه أنه سيفعله. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.