التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 14

التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 14

الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

اسم الله السميع: معناه وأدلة ثبوته

يتناول المقطع اسم الله السميع الوارد في القرآن نحو خمسين مرة، مبيناً معناه بأنه السميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات والحاجات. يستدل بآيات كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

صفة السمع لله تعالى وتميزها عن سمع المخلوقين

يبيّن المقطع أن سمع الله وسع جميع الأصوات فلا تختلف عليه ولا تختلط، بخلاف سمع المخلوق الضعيف. يستدل بقصة المجادلة ونزول آية ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ مؤكدة أن الله يسمع تحاور الخلائق ويجيب السائلين.

شكوى خولة بنت ثعلبة ونزول آية المجادلة

جاءت خولة تشكو زوجها الذي ظاهر منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات وأنزل آية المجادلة. ويبين المقطع عظمة سمع الله الذي يستمع لجميع الخلائق في آن واحد دون اختلاط.

مراقبة اللسان لعلم العبد بأن الله سميع

يدرك العبد أن الله يسمع كلامه فيحذر من التلفظ بما يغضبه، فيلتزم بالكلام الطيب والمباح ويجتنب المحرمات. خوفاً من مؤاخذة السميع العليم يتجنب الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله السميع: قال: وهو اسم تكرر وروده في القرآن فيما يقرب من خمسين موضعاً، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والسميع هو الذي يسمع جميع الأصوات على اختلاف اللغات وتفنن الحاجات، قد استوى في سمعه سر القول وجهره، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، فهو جل وعلا يسمع ما أظهر وأعلن، وما خفي واستتر. فيسمعه سبحانه وتعالى، قال: «وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ كُلَّهَا فَلَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَصْوَاتُ وَلَا تَشْتَبِهُ، وَلَا يَشْغَلُهُ مِنْهَا سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَلَا يَغْلِطُهُ تَنَوُّعُ الْمَسَائِلِ، وَلَا يُبْرِمُهُ كَثْرَةُ السَّائِلِينَ، فَصِبَ سَمْعُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا»، ليس كسمع المخلوق الضعيف العاجز الذي لا يسمع إلا ما كان قريباً منه، وما بعد لا يسمعه، وإذا اختلطت الأصوات اختلط عليه السمع، فلا يفهم كلام المتكلم، ولا يميز خطاب المخاطب. بخلاف الله سبحانه وتعالى، فله صفة السمع اللائق بجلاله وعظمته، فيسمع جميع الأصوات، ولا تختلف عليه اللغات، ولا تختلط عليه اللهجات، سبحانه وتعالى، يسمع سؤال السائلين ويجيب كلا بما سأل. قال: وروا الإمام أحمد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه، وأنا في ناحية من البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾». وفي رواية قالت: «تبارك الذي وسع سمعه كل شيء». نعم، لما جاءت خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها تشكو زوجها -ابن عمها أوس بن الصامت- لما ظاهر منها، فكانت تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وتشتكي إليه، وعائشة في ناحية من البيت ما سمعت كلامها، وسمع الله عز وجل كلامها من فوق سبع سماوات، فأنزل عز وجل قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. قال: بل لو قام الجن والإنس كلهم من أولهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في صعيد واحد، وسألوا الله جميعاً في لحظة واحدة، وكل يعرض حاجته، وكل يتحدث بلهجته ولغته، لسمعهم أجمعين دون أن يختلط عليه صوت بصوت، أو لغة بلغة، أو حاجة بحاجة، وذلك لعظيم سعة سمعه سبحانه وتعالى. وإذا علم العبد أن الله عز وجل سميع يسمع كلامه، فإنه يحذر أن يتكلم بكلام يغضب الله، ويغضب الجبار سبحانه وتعالى، فيسمعه منه فيؤاخذه عليه، فيحرص أن لا يتكلم إلا بالكلام الطيب، والكلام الحسن، والكلام المباح، وهكذا يتجنب الكلام المحرم، والكلام الخبيث، والكلام الضار الذي يضر صاحبه، من الكذب والغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن والطعن والقذف، إلى آخر ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، لأنه يعلم أن الله جل وعلا هو السميع الذي يسمع كلام العباد، ويسمع كذلك ما يخرج من أفواههم، ولا يخفى عليه شيء من ذلك سبحانه وتعالى. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.