اللذة والنعيم في التفقه في الدين

اللذة والنعيم في التفقه في الدين

المحاضرة بعنوان اللذة والنعيم في التفقه في الدين، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 ذو القعدة 1446هـ الموافق 13 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

اللذة والنعيم في مجالس العلم والذكر

يبيّن هذا المحور أن السعادة الحقيقية والطمأنينة تتحقق بحضور مجالس العلم والذكر، مستدلاً بأحاديث نزول السكينة وغشيان الرحمة وحضور الملائكة. ويشبه هذه المجالس برياض الجنة التي تمنح العبد نعيمًا عاجلاً في الدنيا قبل الآخرة.

تفوق لذة طلب العلم على ملذات الدنيا

يوضح المقطع أن سعادة العالم وطالب العلم بلذة المعرفة ومجالس الذكر أعظم من كل ملذات الدنيا، مستشهداً بقول ابن تيمية عن جنة الدنيا وأبيات شعرية تقارن لذة السهر على العلم بوصال الحسان. وتؤكد قصة الخليفة المنصور وأبيات الإلبيري رفعة قدر العلم فوق المال والجاه.

آثار العلم النافع على القلب وسيرة السلف

يصف هذا المحور كيف يمنح طلب العلم الشرعي صاحبه لذة تنسه الطعام والشراب كما كان حال الإمام الشافعي، ويربي القلب فيزداد صاحبه خشيةً لله وطاعةً وسكينةً دلّت عليها آيات القرآن. وتوضح قصة إبراهيم بن أدهم أن هذا النعيم الحقيقي لا يدركه الملوك وأن طريق السعادة الوحيد هو سلوك درب طلب العلم.

الحث على المواظبة على مجالس العلم

يختتم الدرس بالحث على الحرص على حضور مجالس العلم النافع التي يعقدها المشايخ وطلاب العلم، والاستفادة منها وجعلها جزءاً من الحياة اليومية. ويؤكد أن ذلك هو سبيل العز والراحة واللذة في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، إخواني في الله، كلمتي في هذا المقام بعنوان: "اللذة والنعيم في التفقه في الدين". اللذة والنعيم في التفقه في الدين. كثير من الناس لربما طلب اللذة والسعادة والنعيم في هذه الدنيا بأمور يظن أنها تسعده أو يعيش فيها في حياة طيبة، وكثير منهم أخطأ الطريق وظل السبيل. فليعلم كل من أراد اللذة والسعادة والنعيم في الدنيا وفي الآخرة فعليه بطريق العلم ومجالس العلم، فإن هذا الطريق من أعظم ما يوصل العبد إلى هذا النعيم. ولذلك فإن العلم موصل للذة والراحة والطمأنينة من عدة وجوه. الوجه الأول: لما في مجالسه من نزول السكينة والطمأنينة، فيشعر الجالس في هذه المجالس بالراحة واللذة والسعادة. ومما يدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث حنظلة الأسدي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان من كتاب الوحي، جاء إلى أبي بكر الصديق وقال: "يا أبا بكر، نافق حنظلة". فقال له أبو بكر: "ماذا تقول يا حنظلة؟". فقال حنظلة: "نكون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيذكرنا بالجنة والنار حتى وكأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا النساء والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا". فقال له أبو بكر: "وأنا كذلك أجد ما تجد". فذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له حنظلة: "يا رسول الله، نافق حنظلة". قال: "وماذاك؟". قال: "يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار حتى وكأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا". فحينها قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لو أنكم... قال: والذي نفسي بيده، لو أنكم تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات وعلى فرشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة". الشاهد من هذا الحديث أن حنظلة وهكذا أبو بكر وجدا في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم من الراحة ومن الطمأنينة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تدومون على ما تكونون عندي"، يعني لو كل أوقاتكم في مجالس الذكر لصافحتكم الملائكة، لأن هذه المجالس مجالس الملائكة، كما جاء في حديث أبي هريرة في مسلم: "ومجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". فهذه المجالس أيها الناس مجالس سكينة وطمأنينة وراحة، وهذه المعاني يجدها كل من ذاق حلاوة هذه المجالس الطيبة المباركة. ومما يدل على ذلك أيضًا ما جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا". قالوا: "وما رياض الجنة يا رسول الله؟". قال: "حلق الذكر". أي: حلق العلم. يقول الإمام النووي كما في كتابه "التبيان في آداب حملة القرآن": "مجلس ذكر، أي مجلس علم". مجلس علم لأن مجلس العلم يذكر فيه الله سبحانه وتعالى، فتسمع آية وتسمع حديثًا وتسمع كذلك موعظة تذكرك بالله سبحانه وتعالى، فهي مجالس ذكر. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، الرياض هي البساتين الجميلة التي قد حفتها الأشجار وجرت من بينها الأنهار وحملت على رؤوسها الثمار، فانظر إلى سرور ونعيم من ينظر إليها ومن يجلس بينها، يجد من الراحة ويجد من اللذة ويجد من السعادة وهو يجلس في ثنايا هذه الرياض. فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه هذه المجالس بالرياض، بل ليست أي رياض بل برياض الجنة، برياض الجنة الجنة. فهذه المجالس جنة عاجلة، جنة عاجلة لأهلها في هذه الدنيا لما يجدون فيها من الراحة والطمأنينة. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، ويريد بجنة الدنيا ما يجده المسلم في قلبه من طمأنينة ومن سعادة ومن لذة، ومن أعظم أسباب تلك المعاني مجالس الذكر ومجالس العلم. وكذلك من أوجه كون التفقه في الدين سببًا للذة والنعيم ما يجده الطالب من لذة الفوائد والعلم، وما يجده في قلبه من معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته. ولذلك عبر علماؤنا عن مدى سعادتهم ولذتهم بهذا العلم في السهر من أجل تحصيله ومن أجل كتابته ومن أجل حفظه والانتفاع به. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى كثيرًا ما يترنم بأبيات جميلة لسبط الزمخشري لكنها جميلة، ويحفظها شيخنا رحمه الله تعالى طلابه، يقول فيها: سَهَرِي لِتَنْقِيحِ الْعُلُومِ أَذَلَّلِي مِنْ وَصْلِ غَانِيَةٍ وَطِيبِ عِنَاقِي وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عُوَيْصَةٍ أَشْهَى وَأَحْلَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِي وَصَرِيرُ أَقْلَامِي عَلَى أَوْرَاقِهَا أَحْلَى مِنَ الدُّكَّاءِ وَالْعَشَّاقِي وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الْفَتَاةِ لِدُفِّهَا نَقْرًا لِأَلْقِ الرَّمْلِ عَنْ أَوْرَاقِي أَأَبِيتُ سَهْرَانَ الدُّجَى وَتُبِيتُهُ نَوْمًا أَأَبِيتُ سَهْرَانَ الدُّجَى وَتُبِيتُهُ نَوْمًا وَتَبْغِي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي أبيات جميلة يبين فيها القائل مدى سعادته ولذته بطلب العلم والسهر في تحصيله. "سَهَرِي لِتَنْقِيحِ الْعُلُومِ أَذَلَّلِي مِنْ وَصْلِ غَانِيَةٍ"، الغانية هي المرأة الحسناء الجميلة التي استغنت بجمالها عن الزينة، فيقول: سهري في العلم وتنقيحه وطلبه أحب إلي من وصلي أحسن وأجمل النساء. "وَطِيبِ عِنَاقِي وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عُوَيْصَةٍ"، هذا أيضًا من لذة العلم أن تبحث عن مسألة اختلف فيها العلماء فتوفق للقول الصحيح فيها، وكذلك تجد من المسائل أو من الفوائد التي تعزز ما ترجح لك، فهذه من لذة العلم. "وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عُوَيْصَةٍ أَحْلَى وَأَشْهَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِي"، نعم. "وَصَرِيرُ أَقْلَامِي عَلَى أَوْرَاقِهَا أَحْلَى مِنَ الدُّكَّاءِ وَالْعَشَّاقِي"، والدكاء قيل: هو عطر ذو رائحة طيبة، وقيل: هو الجماع، فيقال: داك الرجل المرأة إذا جاء معها، فهو عنده ألذ من عشرة أناس. فانظروا إلى هذه المعاني العظيمة التي عبر بها هذا القائل في مدى لذته ونعيمه بالعلم. وكذلك يقول الآخر: "لَقَوْلُ الشَّيْخِ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَكَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَنْ فُلَانٍ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِسْنَادُ أَحْلَى لِقَلْبِي مِنْ مُحَادَثَةِ الْحِسَانِ". انظروا كيف عبروا عن مدى لذتهم ومحبتهم في طلب الحديث وفي طلب العلم. والمنصور خليفة من خلفاء بني العباس، خليفة من خلفاء بني العباس، عنده من الجواري وعنده من الأموال وعنده من الأقطار التي تحت إمرته، فقيل له: هل بقي شيء من لذة الدنيا لم تنله؟ هل شيء اشتهيته من لذة هذه الدنيا فلم تتحصل عليه؟ قال: نعم. قالوا: ما هو؟ قال: أن أجلس في مصطبة، والمصطبة هي المكان المرتفع في فناء البيت كان يجلس عليه المحدثون ويحدثون طلابهم. قال: نعم، بقي أن أجلس في مصطبة فيأتي إلي أهل الحديث فيقول قائلهم: "ماذا؟" أو فيقول المستملي: "ماذا ذكرت رحمك الله؟" يعني بقي أن يجلس في مجلس علم ويأتي الطلاب بدفاترهم وبمحابرهم ويحدثهم، لذة العلم. فغدا في اليوم الثاني بعض الندماء وأبناء الوزراء ومعهم الدفاتر والمحابر، فلما رآهم قال: "لستم أنتم، لستم أنتم، وإنما هم... ألا نعم، وإنما هم الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ وَالْمُشَقَّقَةُ أَرْجُلُهُمْ وَالطَّوِيلَةُ أَشْعَارُ شُعُورِهِمْ وَالطَّوِيلَةُ شُعُورُهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ"، أو كما ذكر رحمه الله تعالى. فانظروا إلى لذة العلم. وكذلك الإلبيري في تائيته، ماذا يقول وهو يُبَيِّن لذة العالم وطالب العلم التي هي أعظم وأكبر من لذة أهل الدنيا من أهل الأموال؟ يقول رحمه الله تعالى: جَعَلْتَ الْمَالَ فَوْقَ الْعِلْمِ جَهْلًا لِعُمْرِكَ فِي الْقَضِيَّةِ مَا عَدَلْتَ وَبَيْنَهُمَا بِنَصِّ الْوَحْيِ بَوْنٌ سَتَعْلَمُهُ إِذَا طَاهَ قَرَأْتَ لِأَنَّ رَفْعَ الْغَنِيِّ لِوَاءَ مَالٍ لَأَنْتَ لِوَاءُ عِلْمِكَ قَدْ رَفَعْتَ لِأَنَّ جُلُوسَ الْغَنِيِّ عَلَى الْحَشَايَا أَيْ عَلَى الْفُرُشِ الطَّيِّبَةِ النَّاعِمَةِ لِأَنَّ جُلُوسَ الْغَنِيِّ عَلَى الْحَشَايَا لَأَنْتَ عَلَى الْكَوَاكِبِ قَدْ جَلَسْتَ عَلَى الْكَوَاكِبِ فِي السَّمَاءِ قَدْ جَلَسْتَ وَإِنْ رَكِبَ الْجِيَادَ مُسَوَّمَاتٍ يَعْنِي رَكِبَ أَفْخَرَ وَأَعْظَمَ الْمَرْكُوبَاتِ وَلَوْ رَكِبَ الْجِيَادَ مُسَوَّمَاتٍ لَأَنْتَ مَنَاهِجُ التَّقْوَى رَكِبْتَ وَمَهْمَا افْتَضَّ أَبْكَارَ الْغَوَانِي فَكَمْ حَكَمَ مِنْ فَكَمْ حَكَمَ قَدِ افْتَضَّ نَعَمْ فانظر إلى ما عبر به على لذة العلم ونعيم العلم، وأن طالب العلم يتنقل من علم إلى آخر ومن درس إلى آخر فهو في سعادة وفي راحة وفي لذة لا يشعر بها إلا من عرفها وذاقها. وكذلك لربما بعض العلماء مع انشغاله بالعلم ولذة العلم ينسى الطعام والشراب، كما يذكر ذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن جاريته تأتي له بالعشاء وهو مشغول بالكتابة والعلم فتنبهه على وجود الطعام فلا يلتفت، ويصبح الصباح والطعام على ما هو عليه، على ما هو عليه مما يجد من لذة العلم. وكذلك من أوجه أن اللذة والنعيم في التفقه في الدين أن بالعلم يعرف الطالب ربه سبحانه وتعالى، فهذا العلم يربي، وهذا العلم كذلك يغير من حياة هذا الطالب، كلما ازداد علما ازداد خشية لله سبحانه وتعالى، وهذا معنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فمن مظاهر العلم النافع أن الطالب كلما ازداد علما ازداد خشية وازداد تعظيما لله عز وجل، ازداد طاعة لله سبحانه وتعالى، ازداد راحة ولذة وسعادة. لماذا؟ لأن هذا العلم لا شك أنه يؤثر على صاحبه. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 9]، ماذا ذكر ربنا عز وجل بعد هذا؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. ما الذي جعل هؤلاء يقومون من الليل ويدعون الله عز وجل رغبا ورهبا ويخافون الله سبحانه وتعالى؟ إنه العلم. ولذلك ناسب أن تذكر هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فبالعلم يا عباد الله تحيى القلوب، وبالعلم يا عباد الله تطمئن القلوب. كيف لا وفيها يذكر الله وفيها يتلى القرآن؟ وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]. وهكذا وصف ربنا عز وجل العلماء بأنهم أهل الخشوع والسجود لله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109]. فالعلم سبب للخشية وسبب للخشوع، سبب للطمأنينة، سبب للسكينة، فكيف لا يسعد صاحبه؟ وهذا هو ثمار هذا العلم. فكل هذا يا عباد الله يدعونا إلى أن نسلك هذا الطريق إذا أردنا الحياة الطيبة، إذا أردنا النعيم الحقيقي. ولذلك ذكر أبو نعيم في الحلية أثرًا يدل على هذا المعنى، وهو عن إبراهيم بن بشار قال: كنت أنا وإبراهيم بن أدهم وأبو يوسف الغسول وأبو عبد الله السخاوي متوجهين إلى الإسكندرية، قال: فمررنا على نهر يقال له نهر الأردن، قال: فأخرج أبو يوسف كسيرات يابسات، يعني شيء من الخبز يابس، قال: فأكلنا فحمدنا الله عز وجل، فأراد أحدنا أن يأتي بماء لإبراهيم بن أدهم، وكان أعلمهم وأرفعهم، خرجوا طبعًا لطلب الحديث، قال: فأسرعه إبراهيم بن أدهم فنزل إلى النهر حتى بلغ الماء إلى ركبتيه، ثم سمى الله وشرب، ثم حمد الله، ثم شرب مرة أخرى، ثم حمد الله، ثم جاء إلينا فمد رجليه، إبراهيم بن أدهم مد رجليه وقال: "والله لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم لجالدونا عليه بسيوفهم، لجالدونا عليه بسيوفهم". قال جعفر: قال وهو يقول لإبراهيم بن أدهم: "طلب هؤلاء النعيم أو اللذة والنعيم أو طلب القوم أي هؤلاء الملوك والرؤساء وأهل الأموال، قال: طلبوا أو طلب القوم اللذة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم". قال: فتبسم إبراهيم بن أدهم وقال له: "من أين جئت بهذا الكلام؟" لأنه كلام مسجوع، قال: "طلب القوم اللذة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم". فكأن هذه العبارة أعجبت إبراهيم بن أدهم فتبسم وقال له: "من أين جئت بهذا الكلام؟". فلا نعيم يا عباد الله ولا راحة ولا لذة إلا بسلوك هذا الطريق. وهذه الدورة بارك الله فيكم إنما هي كالمفتاح وكالتنشيط لنا جميعا، فلا نتقاعس بعد هذه الدورة عن طلب العلم، كل في موقعه وكل في مكانه. إن سمعت في مسجدك أو في قريتك من يدرس العلم النافع من إخوانك المشايخ وطلاب العلم المستفيدين فاحرص على مجالسهم واحرص على الاستفادة منهم، واجعل ديدنك واجعل جزءا من حياتك في قضائه في مجالس العلم، فهذا هذا والله هو سبيل العز وسبيل الراحة واللذة في هذه الدنيا وكذلك في الآخرة. أكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.