كشف شبهات المجيزين للزيارات الحولية

كشف شبهات المجيزين للزيارات الحولية

المحاضرة بعنوان كشف شبهات المجيزين للزيارات الحولية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 16 محرم 1447هـ الموافق 11 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة الندوة والرد على شبهة مشروعية زيارة القبور

يستهل المحاضر الندوة ببيان غرضها وهو إقامة الحجة على من يعملون الزيارات الحولية للقبور والأضرحة. ثم يعرض أول شبهة وهي استدلال المخالفين بأمر النبي ﷺ بزيارة القبور، ويرد عليها مبيناً أن الزيارة المشروعة للاعتبار والدعاء لا للاحتفال السنوي المبتدع.

مخالفة الزيارات الحولية لهدي النبي وشبهات القائمين عليها

يبيّن المقطع أن تخصيص يوم معين لزيارة قبر معين يعد عيداً للقبور، وهو ما نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «لا تجعلوا قبري عيداً». كما يرد على شبهة إكرام الأولياء بإحياء ذكرهم بأن الإكرام الحقيقي يكون باتباع السنة لا بابتكار زيارات لم يشرعها الله.

الرد على شبهة شد الرحال للقبور في المناسبات الحولية

يناقش المقطع شبهة جواز شد الرحال لزيارة القبور سنوياً، مبيناً أن حديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» يدل على التحريم لا الاستحباب. ويفرق بين السفر للعبادة عند القبور والسفر لزيارة الوالدين أو طلب العلم، ويرد تشبيههم بذهاب النبي ﷺ لمسجد قباء بأنه ليس سفراً بل حكم المقيم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين. أما بعد، فأولا شكر الله لأخينا أبي العباس محمد مفلح حفظه الله تعالى على حثه وترغيبه في مثل هذه المجالس، وعلى حسن ظنه بإخوانه. وأخونا أبو العباس حفظه الله من الزملاء القدامى الذين كانوا معنا في مجالس العلم عند شيخنا أبي عبد الرحمن عبد الله بن مرعي حفظه الله تعالى، وهو من إخواننا المستفيدين، وهو الآن مع إخوانه في دار الحديث بالشحر قائم بالتدريس معهم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياه حتى نلقاه. وكما سمعتم أن هذا المجلس عبارة عن ندوة علمية بعنوان «إعلام البرية ببطلان الزيارات الحولية». والسبب في إقامتي مثل هذه الندوات: أولا إقامة الحجة على بعض الناس الذين لا يزالون يعملون مثل هذه الزيارات، ويشيدون بها، ويحتفلون بها، ونحو ذلك من تلك الموافقات لمثل هذه الزيارات. فمن باب قول الله عز وجل ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أقام إخوانكم هذه الندوة العلمية، فهي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمرنا الله عز وجل به، فقال سبحانه وتعالى ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. وهكذا فإن هذه الزيارات الحولية المراد بها الزيارات التي تتكرر، والتي يعتادها الناس في يوم معين من أيام السنة، أو في أيام معينة من أيام السنة، كزيارة هود، أو زيارة سالم بن عمر، أو زيارة الشيخ فلان أو فلان. فهذه الزيارات حولية، أي سنوية، تتكرر وتعود كل سنة، فلذلك سميت بالزيارات الحولية. سميت بالزيارات الحولية. والموضوع الذي كلفت بطرقه وطرحه في هذه الندوة يتعلق بالرد على بعض الشبه التي يثيرها هؤلاء في جواز زياراتهم، وفي مشروعيتها، وأنها ليست بباطلة، وليست بمحرمة، ونحو ذلك. فلا شك أن أعداء التوحيد وأعداء السنة عندهم من العلوم التي هي من الشيطان، والتي يعادون بها أولياء الرحمن. فالصراع بين الحق والباطل مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. حتى الأنبياء بعثهم الله عز وجل بالحجج الواضحات وبالدلائل البينات، ومع هذا وجدوا من يعارضهم ومن يعاديهم، وكذلك ﴿ وَجَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾. فالعداوة والمعارضة مستمرة بين أهل الحق وأهل الباطل. ولكن أبشروا يا دعاة التوحيد ويا دعاة السنة، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا. وكما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه «كشف الشبهات»: أن العامي من الموحدين يغلب ألفا من أعداء التوحيد، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾، ويقول الله سبحانه وتعالى ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾، قال: غالبون بالحجة والبيان، كما أنهم غالبون بالسيف والسنان. فما من شبهة يريدها هؤلاء، يريدون بها تمرير باطلهم، إلا وانبرى لها أهل الحق، أهل التوحيد، أهل السنة، ففندوها وأبطلوها بأدلة الكتاب والسنة. نبدأ في أول شبهة يريدها هؤلاء القوم في تمرير باطلهم: يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة القبور، فنحن نمتثل أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك. فقالوا: قد جاءت مشروعية زيارة القبور من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن فعله. فربما يستدلون بما جاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». وهكذا لربما يستدلون بخروج النبي صلى الله عليه وسلم لزيارة أهل البقيع، وهكذا زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لشهداء أحد في آخر حياته، وصلى عليهم صلاة الموت، فصل عليهم كالمودع للأحياء والأموات. ويستدلون كذلك بأدعية زيارة القبور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة إذا زاروا القبور أن يأتوا بهذا الدعاء: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإن إن شاء الله بكم لاحقون»، إلى آخر ما جاء من أدلة مشروعية زيارة القبور. هذه من أكبر ومن أعظم شبه القوم. والرد على هذه الشبهة أن يقال لهم: أهل السنة لا ينكرون زيارة القبور التي كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وكان يأمر بها. فإن الزيارة المشروعة للقبور أن تذهب إلى المقبرة كما جاء في الحديث لتتذكر الآخرة، للعبرة والعظة، كما قال عليه الصلاة والسلام في نفس هذا الحديث: «فإنها تذكركم الآخرة». فأهل السنة يعملون بجميع ألفاظ الحديث، أما هؤلاء القوم فقد أخذوا بطرف وجزء من هذا الحديث، وتركوا الجزء الآخر. ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». فإنها تذكركم الآخرة. فزيارة القبور إذا كانت من أجل تذكر الآخرة، من أجل ذهاب قسوة القلب، من أجل الإقبال على الله عز وجل، من أجل الزهد في الدنيا، ومعرفة حقارة هذه الدنيا، وأنه ما بينك وبين أن تنقطع عن هذه الدنيا إلا أن تكون من أصحاب هؤلاء القبور، هؤلاء المقبورين. فإذا كان من أجل الاتعاظ والاعتبار، فلا ينكر ذلك أهل السنة، ولا يلبسون على الناس بأن أهل السنة لا يرون زيارة القبور. وهكذا إذا كانت زيارة القبور من أجل الدعاء والاستغفار للأموات، فهذا لا بأس به، فقد جاء في أدعية زيارة القبور الاستغفار والدعاء لهؤلاء الأموات. وأما زيارة هؤلاء القوم فهي مخالفة لما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور من عدة وجوه: الوجه الأول: تخصيصهم ليوم معين من أيام السنة يعود ويتكرر، فيجعلون فيه هذه الزيارة لقبر معين. انظر: يوم معين في سنة لقبر معين. وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن فعل ذلك مع قبره وهو أشرف الخلق وأكرم الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد جاء عند أبي داود، ويصحح العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم». فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تجعلوا قبري عيدا». أيش معنى «لا تجعلوا قبري عيدا»؟ يعني: لا تعتادون زيارته في يوم معين، في وقت معين، وإنما تكون الزيارة على حسب ما يتيسر للمسلم في أيام مختلفة، وفي أوقات مختلفة أيضا. أما أن تجعل الزيارة في وقت معين، وفي تحديد قبر معين، فهذا هو عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا في هذا الحديث مخالفة أخرى يفعلها هؤلاء القوم في زياراتهم، وهي من الزيارات الشركية. نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجعل قبره وثنا، كما قال عليه صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا». والوثن هو الذي يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. فانظر إلى هؤلاء في زياراتهم. وهذا ليس افتراء عليهم، بل هو مكتوب في كتبهم، وقد رأينا هذا بأعيننا. لا نقول في شاشات الجوالات، ولا في شاشات التلفاز، بل رأينا ذلك صورا حية. ذهبنا مرة لنتأكد: هل هؤلاء فعلا يفعلون ما نقرأه في الكتب من التذلل عند القبور، والخشوع عندها، والصلاة، والسجود، والدعاء؟ فذهبنا وقت زيارتهم للقبور في يوم الجمعة في تريم، فإذا بنا نرى الخاشع عند القبر، ونرى الداعي والمستغيث، والساجد، والباكي عند القبور. عند القبور. وهكذا هو فعلهم في جميع زياراتهم: التعلق بهؤلاء المقبورين. فهل هذه الزيارة الشرعية التي أمر بها أو حث عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فهذا من التلبيس. هذا من التلبيس أن هذا من زيارة القبور. وفي الحقيقة هذه ليست من زيارة القبور الشرعية، بل هي دائرة بين زيارة القبور الشركية، وكذلك زيارة القبور البدعية. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن المقابر لا يقرأ فيها القرآن، المقابر لا يصل فيها، المقابر لا يتحرى الدعاء فيها أن تدعو لنفسك فيها»؟ وهذه الأمور كلها تجدها عند القوم في زياراتهم، وفي ذهابهم عند القبور. فهي مخالفة واضحة صريحة لما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فعلمنا بذلك الفرق بين زياراتهم، وبين ما قصده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زيارة القبور. الشبهة الثانية: حتى لا نطيل عليكم، أنهم يقولون: نحن نقيم هذه الزيارات إكراما لهؤلاء الأولياء، لهؤلاء رجال الله الذين زهدوا في الدنيا، والذين عبدوا الله وتفرغوا لعبادة الله، وجابوا البلاد، وكذلك تفرغوا لعبادة الله سبحانه وتعالى. فنحن نقيم لهم ذلك حتى نحيي ذكرهم، ونذكر سيرتهم، كي نقتدي بهم، وكي كذلك نحذو حذوهم. هذه الشبهة أنا سمعتها بأذني في مرة من المرات في بلادي دوعن. هناك زيارة تعمل عند قبر في مكان فلاه، يعني مكان خبت، ما فيه أحد، تسمى زيارة باراس. فأرى الأخوة واجتهدوا أن نذهب هناك، لأن كثيرا من الناس يذهبون للنزهة، يأخذون لهم لحما وأكلا، وهناك يأتي أصحاب التجارات ويبيعون ويشترون، وبعضهم يذهب عند القبر. فقلنا: فرصة نذهب ونعمل لنا مصلى نصلي بالناس، ثم نحذرهم من الشرك وهذه الزيارات. ففعلنا ذلك، وفعلنا مصلى، والحمد لله تكلمنا الفرض الأول والثاني. فلما علم القوم في الفرض الثالث، وأظنه صلاة المغرب، جاء كبيرهم وزعيمهم، ويقال له عبد الله الجيلاني، فقام مباشرة بعد المغرب في مصلاهم، قام مباشرة وتكلم بكلام عجيب غريب، وهو يثبت أتباعه على الاستمرار في هذه الزيارات. ومما ذكر قال: «هؤلاء الذين يحذرون من زيارة، هل يعرفون هذا الرجل؟ كان يجوب، وكان يطوف هذه الجبال، تفرغ لعبادة الله، وكان من صفاته ومن أخلاقه كذا وكذا». وبدأ يعدد: كم يصلي، وكم يعبد الله، وكم كذا. «ألا نكرم هؤلاء؟ ألا نحيي ذكرهم؟ ألا نقرأ سيرتهم حتى يقتدي بهم الناس؟» وهكذا يتكلم بهذا الكلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالحمد لله تم الرد عليه، وقلنا له: بارك الله فيكم، من هو أخشى الناس؟ ومن هو أعبد الناس؟ ومن هو أعلم الناس بالله عز وجل؟ أليس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ هل أمر أن يفعل ذلك معه بعد موته؟ هل فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا بعد موته؟ ائتونا بشيء من كتاب الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من سيرة الصحابة، أن هذا الأمر مشروع، وقد فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فانظروا إلى القوم. وهكذا في هذه الزيارات الحولية، كل صاحب زيارة يذكرون فضائله، ويذكرون كراماته. يذكرون كراماته، سواء كان زيارة هود، أو زيارة غيره من تلك الزيارات الحولية. يأتون بكتاب يقرؤون فضائله وكراماته، وأنه كان كذا، وكان كذا، وكان كذا. فهذا من شبههم. هذه كذلك من شبههم. فيُرد عليهم بما تقدم: أن إكرام هؤلاء إنما يكون باتباع السنة، يكون بكذلك قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتعليم سيرة النبي صلى الله عليه، وما صح من سيرة العلماء. لكن ليس في وقت زيارة خاصة بهم، أو في مناسبة موتهم، وفي يوم موتهم في كل سنة، أو نحو ذلك. كل ذلك من البدع، ومما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن تلك الشبه أيضا التي يذكرها هؤلاء: عندما يقول لهم أهل السنة: أنتم بهذه الزيارات الحولية تشدون الرحال، تشدون الرحال إليها. وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». فأنتم تقصدون السفر وشد الرحل إلى تلك القبور. فانظر إلى مثلا موقع زيارة نبي الله هود: هذا المبنى لا يسكنه، أو لا يسكن إلا في السنة ثلاثة أيام وأربع أيام، وقت زيارتهم، ثم يغلق. وفيه العمائر، وفيه المصالح، وفيه المباني. فكل من أراد الزيارة يشد الرحل. لربما بعضهم يأتي من إندونيسيا، بعضهم يأتي من ماليزيا، بعضهم يأتي من الشيشان، بعضهم يأتي من المحافظات الأخرى. فماذا يجيبون على هذا الحديث؟ لهم شبهة في هذا الحديث، يقولون: وهو حديث في الصحيحين، لا مهرب لهم منه. فماذا يقولون؟ يقولون: إنه للاستحباب. إنه الذي جاء في هذا الحديث للاستحباب. كيف للاستحباب؟ قالوا: معنى الحديث: لا يستحب شد الرحل إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، أما غيرها فيجوز، لكن لا يستحب الذهاب إليه. انظروا إلى التناقض. فيقال لهم، ويجاب عليهم بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن يقال لهم: طيب، أمر لا يستحب، كيف تفعلونه؟ قالوا: من باب أنه جائز. ومع هذا نقول لهم: أنتم كاذبون في دعواكم. لو كان هذا على سبيل الجواز، فلماذا تتعبدون الله في شدكم للرحل إلى هذه المقابر؟ لماذا تدعون وتصلون، وكذلك تقرؤون القرآن، وتخشعون، وتذلون، وتبكون؟ أليست هذه عبادات وقربات؟ فكيف تفعلون هذا، وأنتم الأمر عندكم جائز، لا مستحب؟ فهذا من التناقض. وأما الجواب الثاني: فيقال لهم: الحديث جاء بمطلق النهي، والأصل في النهي التحريم. فما دليلكم على أن النهي في هذا الحديث للاستحباب؟ ما هو دليلكم على هذا؟ فالعلماء على تحريم شد الرحال. هؤلاء العلماء: الإمام مالك، الإمام الشافعي، وغيرهم من العلماء، كما صرحوا بذلك في كتبهم، أن النهي هنا للتحريم. حتى ذكر الإمام مالك أنه لا يجوز أن تقول: سأذهب لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قل: سأذهب لزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لا بأس أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم تبعا، وهو يدخل في عموم زيارة القبور، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة البقيع، وزيارة شهداء أحد، ونحو ذلك. فهذا أيضا من الشبه التي يردون بها حديث شد الرحال. انظروا مثلا في هذه الزيارة: كم من الناس جاءوا من الوادي؟ باصات، وشد الرحل، وسفر من أجل هذه الزيارة. أليس هذا شدا للرحال الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ولهم شبهة أخرى في هذا الحديث، فيقولون: لم يتطرق الحديث للنهي عن زيارة القبور. فزيارة القبور مثلها مثل أن تذهب إلى بلد أخرى لزيارة والديك، أو لزيارة عالم تطلب عنده العلم، أو لتجارة، أو نحو ذلك. انظروا إلى هذا التلبيس. قد سمع هذا من بعضهم. فيقال لهم: هذا فرق بين وواضح بين الأمرين. ف الذهاب للوالدين، أو للعالم، إلى بلد أخرى، ليس الغرض منه ذلك الوالد، أو ذلك الشيخ، من أجل أن تعبده، أو من أجل أن تتقرب إليه. فليس القصد هو عين هذا المزور، وإنما القصد الانتفاع بهذه الزيارة. بخلاف هؤلاء: عندما يشدون الرحل لزيارة القبور، فإنما ذلك للعبادة، فيدعون هذه القبور، ويتبركون بها، ويطوفون حولها، وهكذا يركعون ويسجدون، ويستغيثون، ويدعون، ويطلبون المدد، ونحو ذلك مما هو مشاهد في تلك الزيارات. فهناك فرق: أن تذهب عند عالم، ليس في وقت معين، ليس في يوم معين، ليس مثلهم في يعني السنة كل سنة في يوم معين، وإنما على ما يتيسر، وليس لغرض العبادة، عبادة ذلكم المزور، وإنما من أجل غرض آخر: إما طلب علم، وإما صلة رحم، وإما طلب تجارة، أو نحو ذلك. فهناك فرق بين الأمرين. ومما كذلك يستدلون به على تلك الزيارات الحولية، ومما يتعلق بحديث شد الرحال، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم كل أسبوع يذهب إلى مسجد قباء، وهذا من شد الرحال. هذه شبهة يضحك منها. قالوا: هذا من شد الرحال. هذا ذكرها بعضهم. قالوا: هذا من شد الرحال. فيقال لهم: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر في بيته، ثم خرج إلى مسجد قباء، فصلى، كان مثل عمرة، أو يعدل عمرة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فقوله: «من تطهر في بيته»، بمعنى أنه ليس في موضع سفر، ليس في موضع سفر، إنما حكمه حكم المقيم في بلده. هل من بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجد قباء مسافة سفر، حتى نقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شد الرحال؟ هل يقول ذلك عاقل؟ ما يقوله ذلك عاقل. فالمهم، كما يقال: الغريق يتشبث بالطحلب. أي شبه يرونها، وأي شبه يقرأونها، تعلقوا وتمسكوا بها. فكل هذه الشبه مردودة عليهم، فلا حجة لهم في إقامة مثل هذه الزيارات. ولعل أكتفي بهذا لانتهاء الوقت. فأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بذلك، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله مشتبها علينا فنضل. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. تفضل أخونا أبو عبد الله حفظه الله تعالى. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة.