ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم

ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم

المحاضرة بعنوان ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش يوم السبت 2 محرم 1447هـ الموافق 28 يونيو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تأسيس دار الحديث بالشهر وشرح حديث الثلاث الخصال

يتناول المقطع تأسيس دار الحديث بالشهر على يد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي وتولي الشيخين عبد الرحمن وعبد الله إدارتها. ثم ينتقل إلى شرح حديث جبير بن مطعم الذي يجمع أصول الدين في ثلاث خصال: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين.

الخصلة الأولى: إخلاص العمل لله وتطهير القلوب

توضح الخصلة الأولى أن إخلاص العمل لله يطهر القلب من الخيانة والغل والعداوة. يستدل المحاضر بأقوال ابن القيم وابن حجر وآية يوسف، مؤكداً أن الإخلاص الصادق يقي صاحبه السوء والفحشاء ويحتاج لمجاهدة مستمرة.

أدب النصيحة لولاة الأمر ووجوب لزوم الجماعة

يبين المقطع أن النصيحة السرية لولاة الأمر دليل على صفاء القلب، بينما الخروج عليهم يجلب شراً أعظم. يستشهد بأقوال ابن تيمية وابن القيم محذرين من الفتنة، ويؤكد أن لزوم جماعة المسلمين وسنة السلف يحقق المحبة والألفة بخلاف الفرق الخارجة.

التمسك بعلماء السنة والابتعاد عن الفرق الضالة

يحث المتحدث على مصاحبة علماء السنة ذوي المعتقد السليم والمنهج المستقيم الذين دافعوا عن الدين. ويوضح أن ذلك سبيل للسلامة من الفرق الضالة والجماعات المنحرفة، مختتماً بتسليم الكلمة للشيخ أبي هاشم.

التفريغ النصي الكامل

لا إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فأولاً: شكر الله لشيخنا الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن فريك، حفظه الله تعالى ورعاه وسدده، ربي وأعانه. وما ذكره من ذلك المديح فإنما هو تشجيع منه، حفظه الله تعالى، وإلا فنحن دون ذلك، والله يعلم. وقد ذكر كذلك بعض ما عليه دار الحديث بالشهر. وهذه الدار لما أسست في زمن شيخنا أبي عبد الرحمن العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، ذهب بعض إخواننا المشرفين على المسجد والقائمين على الدعوة إلى الشيخ مقبل، وطلبوا منه عالماً وشيخاً يقيم في هذا المركز، فاختاروا الشيخ عبد الرحمن. فاستدعى الشيخ مقبل الشيخ عبد الرحمن وأخبره بذلك، فاعتذر الشيخ. ثم بعد ذلك طلب الشيخ مقبل، رحمه الله تعالى، من الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله، أن يتناوب مع أخيه الشيخ عبد الله على القيام بمركز دار الحديث بالشهر، فتمت الموافقة منهما، جزاهما الله خيراً. وكان الاتفاق أن يأتي الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله تعالى، ستة أشهر، ثم يذهب وينوبه بعده الشيخ عبد الله ستة أشهر. فبدأ بالمجيء إلى المركز الشيخ عبد الرحمن، رحمه الله تعالى، فانتعش المركز ولله الحمد، وتوافد الطلاب، وأقيمت الدورات والخروجات الدعوية، وكانت تلك الأيام من أفضل الأيام في الدعوة إلى الله، إذ كانت الدعوة واحدة، لا توجد تلك الفرقة التي ابتليت بها الدعوة في الأزمنة الأخيرة. ثم أتى الشيخ عبد الله، حفظه الله تعالى، وجلس كذلك فترة، وتم التناوب، لكن في آخر الأمر استقر الشيخ عبد الله في المركز، وبقي الشيخ عبد الرحمن في دماج. فشكر الله للشيخين ما قاما به في تلك البلاد الحضرمية وما جاورها، ولا يزال أثر دعوتهما ظاهراً، ولله الحمد والمنة. فهكذا أيها الإخوة تحيا البلاد وتنتعش الدعوة بالمراكز وبالعلم والتعليم. فالحمد لله على ما من به علينا وعليكم، كذلك في هذه الدار العامرة بالعلم والتعليم. كلمتي كلمة مختصرة حتى لا نطيل عليكم، وبقي معنا الشيخ أبو هاشم، حفظه الله تعالى. فكلمتي حول حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه، من حديث جبير بن مطعم، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين». صححه العلامة الألباني، عليه رحمة الله. هذا الحديث حديث عظيم، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، عليه رحمة الله، كما في مجموع الفتاوى: «وهذه الخصال الثلاث تجتمع أو تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وبها تنتظم مصالح الدين والدنيا». انتهى كلامه، رحمه الله رحمة واسعة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا يغل»؛ يقال: «لا يغل» و«لا يغل»، بفتح الياء وكسر الغين، وضم الياء وكسر الغين. أما بضم الياء وكسر الغين: «يغل» فهو من الفعل «أغل» بمعنى «خان». وأما بفتح الياء وكسر الغين: «يغل» من «غل»، من الفعل «أغل» أي صار ذا حقد وعداوة. ومعنى ذلك: أن هذه الخصال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والحقد والعداوة. فأول هذه الخصال الثلاث: إخلاص العمل لله. إخلاص العمل لله، فمن أخلص العمل لله لا تجد في قلبه الخيانة ولا الغل ولا الحقد ولا العداوة، لأنه يعمل لله وينظر في أعماله إلى ما عند الله، فلا يلتفت إلى الخلق. يقول العلامة ابن القيم، عليه رحمة الله، يقول رحمه الله تعالى: «لا يجتمع الإخلاص في القلب مع محبة الثناء ومدح الناس والطمع فيما عند الناس، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت». هذه الأشياء لا يمكن أن تجتمع، فكذلك من كان مخلصاً في أعماله فإنه يبتعد كل البعد عن محبة الثناء والمدح والطمع فيما عند أيدي الناس. وهكذا يقول ابن حجر العسقلاني، رحمه الله تعالى، وهو يبين أن المخلص يصرف الله عز وجل عنه الشرور لإخلاصه، يقول رحمه الله تعالى: «ومن كانت نيته صادقة فلا يقع منه إلا الخير، وإن قصد الشر صرفه الله عز وجل عنه، كما قال بعض العارفين: من صدق مع الله وقاه، ومن توكل على الله كفاه». ويدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى في قصة نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. أحسنت. ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. يقول الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، رحمه الله: «قُرئت بقراءتين: المخلصين والمخلصين، قال: وبينهما تلازم». وبينهما تلازم، فمن أخلص لله سبحانه وتعالى جعله من المخلصين، جعله من المخلصين. فالشاهد من هذه الآية: أن من أخلص لله عز وجل وقاه الله السوء، ومن ذلك سوء أمراض القلوب من الغل والشحناء والبغضاء والحقد والحسد، ونحو ذلك من هذه الأمراض التي تفتك بالقلوب، التي تفتك بالقلوب. فالإخلاص أيها الإخوة شأنه عظيم في صلاح قلوبنا، فلنحرص عليه. ولذلك يقول سفيان الثوري، رحمه الله وتعالى: «ما عالجت شيئاً كان أشد علي من نيتي، لأنها تتقلب علي». فالنية الصالحة الصادقة تحتاج من يا عباد الله إلى مجاهدة وإلى معاهدة. اسأل نفسك يا طالب العلم وأنت تطلب العلم: ماذا تريد بهذا الطلب؟ وماذا تقصد به؟ هل تريد وجه الله؟ هل تريد ما عند الله؟ هل تريد أن ترفع الجهل عن نفسك ثم ترفع الجهل عن غيرك؟ هل تريد بهذا العلم أن يرفعك الله في الدنيا والآخرة، وأن تسلك به طريقاً إلى الجنة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؟ فإذن علينا معاشر المسلمين عامة، ومعاشر طلاب العلم خاصة، أن نعتني بتصحيح النيات حتى تصلح قلوبنا. والخصلة الثانية: مناصحة من ولاه، مناصحة ولاة الأمور. فمن استطاع أن يصل كلمته إلى ولاة الأمور، سواء كان بمكاتبة أو بمشافهة أو باتصال أو نحو ذلك، فهذا دليل على صفاء القلب وعلى بعده عن الغش والعداوة والخيانة، لأن النصيحة لا تجتمع مع الغش. النصيحة لا تجتمع مع الغش. والمراد بنصيحة ولاة الأمر: النصيحة التي يراد بها الإصلاح والتقويم، لا نصيحة التي يراد بها الإشهار والتهييج والخروج والتأليب على ولاة الأمر. فإن من سلك هذا المسلك ما يفسد أكثر مما يصلح. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، كما في منهاج السنة: «قل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد من فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير». كأنه يتكلم في زماننا هذا. هل علمتم طائفة أو فرقة خرجت على ولاة الأمر في هذا الزمان الذي أنتم تشاهدون وتعيشون فيه، ممن خرج على ولاة الأمر فتحسنت الأحوال وسعد الناس، وكذلك ساد العدل ونحو ذلك؟ بل ازدادت الأمور سوءاً مع ما كانت عليه من خير، وكذلك من شر، لكنه أقل بكثير مما يقع من الشرور في حال الخروج على ولاة الأمر. وهكذا يقول ابن القيم، عليه رحمة الله، كما في كتابه إعلام الموقعين: «ومن تأمل ما جرى للإسلام من الفتن الصغار والكبار رآها من إضاعة هذا الأصل، ومن عدم الصبر على من فطلب إزالته، فتولد من الشر ما هو أكبر منه». كأنه يتكلم في زماننا هذا، رحمه الله رحمة واسعة. كل الفتن التي وقعت للإسلام، من الفتن الكبار والصغار، بسبب تضييع هذا الأصل العظيم، وهو مناصحة ولاة الأمور، المناصحة الشرعية التي يراد بها الإصلاح، والتي يراد بها التقويم، والخير للشر والفساد والقتل والقتال والتهييج والخروج. فإذا مناصحة ولاة الأمر من أعظم أسباب صفاء القلوب ونقائها من تلك العداوات والشحناء والبغضاء ونحو ذلك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولزوم جماعة المسلمين». فإن من لزم جماعة المسلمين فإنه يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويسره ما يسرهم، ويسوءه ما يسوءهم. بخلاف من أظهر لهم العداوة والمخالفة والشقاق والنزاع، فإنه يخرج عليهم بسبهم والطعن فيهم والغمز واللمز، كما هو حال الفرق الخارج عن الجماعة كالروافض والخوارج، وغيرها من فرق الضلال، وغيرها من فرق الضلال. فإنهم لما خالفوا جماعة المسلمين طعنوا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمهات هذه الأمة، كالروافض، عليهم من الله ما يستحقون. خرجوا على جماعة المسلمين فطعنوا في خيار هذه الأمة، والعياذ بالله، وكفروا المسلمين، وسفكوا دماءهم، وأحلوا أعراضهم، ولا حول ولا قوة. وكذلك الخوارج، لما خرجوا عن جماعة المسلمين استباحوا الدماء المعصومة، وخرجوا عن جادة الحق والصواب. فالزم أخي المسلم جماعة المسلمين، ألزم من كان على الكتاب والسنة من خيار هذه الأمة: الصحابة ومن تبعهم، وعلماء هذه الأمة. وهكذا في هذا الزمان: كن مع إخوانك وعلمائك، علماء السنة الذين عرفوا بصحة المعتقد وسلامة المنهج وصحة الطريق، الذين شابت لحاهم في نصرة هذا الدين، وفي الدفاع عنه وعن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فبهذا تسلم من تلك الفرق الضالة والجماعات المنحرفة. فأكتفي بهذا، وأترك المجال لأخي الشيخ أبي هاشم، حفظه الله تعالى، فليتفضل مشكوراً، المجهور.