أذية اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم

أذية اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم

الخطبة بعنوان أذية اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 جمادى الأولى 1446هـ الموافق 8 نوفمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عداوة اليهود للأنبياء ونقض العهود مع النبي صلى الله عليه وسلم

يستعرض الخطيب عداوة اليهود التاريخية للأنبياء وقتلهم لهم، مستدلاً بآيات قرآنية تصف نقضهم للمواثيق وكفرهم بآيات الله. ثم يوضح كيف صالح النبي صلى الله عليه وسلم قبائل اليهود في المدينة لكنهم نقضوا العهود وآذوا المسلمين، مما أدى إلى حصارهم وإجلائهم.

مكر اليهود ومحاولات اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم

يسرد المقطع صوراً من عداوة اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، بدءاً من تحيتهم المسيئة ومحاولة اغتياله بإلقاء حجر على رأسه عند بني النضير. كما يذكر حصار بني النضير وإجلائهم، وتحالف بني قريظة مع الأحزاب لغزو المدينة، مع تأكيد حماية الله لنبيه وإحباط مكرهم.

غزوة الأحزاب وحصار بني قريظة ودروس العداء المستمر

يتناول المقطع أحداث غزوة الأحزاب وتحالف اليهود مع كفار قريش لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انتصار المسلمين وحصار بني قريظة وحكم سعد بن معاذ فيهم. ويستخلص الخطيب استمرار عداوة اليهود للإسلام عبر العصور، محذراً من الغزو الفكري والثقافي المعاصر، داعياً المسلمين للتمسك بدينهم والاستعداد بالقوة كما أمر الله.

قوة الإيمان والتوبة سبيل النصر والتمكين

يؤكد المقطع أن أعظم قوة للمسلمين هي قوة الإيمان والتوبة والتمسك بالدين، وأن الله ينصر الأمة عند رجوعها إلى دينها. ويختتم بالدعاء أن يوفق الله أمة الإسلام للخير والهدى.

  • 13 جمادى الأولى 1446هـ - 14/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، فإن الصراع بين الحق والباطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل، قديم منذ أن خلق الله عز وجل هذه الخليقة، والصراع قائم بينهم، ولكنه لم يعرف التاريخ عداوة لأهل الإسلام ولقادتهم الأنبياء مثل عداوة اليهود. فاليهود أعداء الأنبياء، وأعداء أتباع الأنبياء، كما قد ذكر الله عز وجل في القرآن كثيرًا من ذلك. فمن هذه الآيات، عباد الله، يقول الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. فهذه الآية، عباد الله، بيّن الله عز وجل كيد اليهود، وكذلك ما عندهم من الباطل وما عندهم من الحق. أولًا: أنهم ليسوا من أهل المواثيق والعهود، بل هم ناقضو العهود والمواثيق، لا يرقبون في أحد ذمة إلا ولا ذمة، ولا يؤثق بهم في عهد ولا ميثاق. فالله عز وجل قد وصفهم في القرآن بهذه الصفة الخبيثة أنهم ينقضون العهود والميثاق: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾. وهذه أيضًا صفة عظيمة في هؤلاء، أنهم كفروا بالأنبياء إلا قليلا منهم كما ذكر الله عز وجل. وكذلك الصفة التي صارت سمة فيهم، وهي عداوة أنبياء الله عز وجل، فقال الله عز وجل: ﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾. فإنهم كما قال الله عز وجل: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾، أي فريقًا من اليهود يكذبون بهذا النبي الذي جاءهم، وفريقًا يقتلون أنبياء الله عز وجل. فكم قتلوا من أنبياء الله سبحانه وتعالى! وكما قال الله عز وجل أيضًا فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. هذه الصفة أيضًا، وهي قتل الأنبياء وقتل أتباعهم، كما في هذه الآية: ﴿ فَبِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾، لم يكتفوا بهذا الكفر، بل أنهم عادوا أنبياء الله عز وجل، وعادوا أولياء الله، وعادوا أولياء الله عز وجل كذلك؛ لأنهم لا يريدون الخير في الناس، ولا يريدون الخير ينتشر، لهذا يعادون أولياء الله عز وجل، بل يعادون أنبياء الله كما ذكر ربنا جل وعلا. وقد عادوا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، اشتد العداء، ومكروا مكرًا كبارًا، وأيضًا حاكوا المكائد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة. فأول ما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أراد صلوات الله وسلام عليه أن يأمن مكرهم وأن يأمن أذاهم، فصالحهم عليه الصلاة والسلام. فمما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في السنة الأولى من الهجرة: أنه صالح اليهود، عقد بينهم وبينه صلحًا، بين اليهود الذين كانوا في المدينة. وكانت هناك ثلاث قبائل: قبيلة بني قينقاع، وقبيلة بني قريظة، وقبيلة بني النضير. هذه الثلاث القبائل التي كانت في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك قبائل لكنهم قليل، فلذلك، عباد الله، صالح النبي عليه الصلاة والسلام اليهود حتى يأمن مكرهم ويأمن أذاهم. لكنه لم يأمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذاهم، بل هم ناقضوا المواثيق. أول ما ناقضت: بنو قينقاع، عندما اعتدوا على تلك المرأة المسلمة، وأرادوا أن تكشف وجهها، كما ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض التابعين، أن هذه الحادثة أول ما حصلت في نقض اليهود ميثاقهم. وقتلوا، ولما اعتدى هذا اليهودي على تلك المرأة، قام بعض المسلمين وقتله، فتكالب اليهود وقتلوا ذلك المسلم، فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام حتى خرجوا من المدينة. ثم بعد ذلك ناقضت بنو النضير، كما أرادوا كذلك أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، فكانوا يحيكون المكر، ولكن كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾، فقلب الله عز وجل عليهم هذا المكر. فهؤلاء اليهود كانوا يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام حتى في تحياتهم، فجاء في صحيح البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن يهوديًا مر عند النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا محمد، السام عليكم»، قال: «السام عليكم». فقالت عائشة رضي الله عنها: «وعليكم السام، وعليكم السام واللعنة، يا إخوة القردة والخنازير». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مهلًا يا عائشة». قالت: «ألم تسمع ما قال؟» قال: «ألم تسمعي ما قلت؟ فإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا». هكذا، عباد الله، لم يسلم النبي عليه الصلاة والسلام من أذاهم حتى في تحيتهم. فكذلك كانوا يمكرون المكر السيء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويريدون أن يقتلوه في عدة مواضع، لكن خيبهم الله عز وجل، فقد عصمه الله عز وجل من هذا المكر، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾. وقد أيضًا ذكر ربنا جل وعلا أن اليهود هم أشد أعداء هذه الأمة، فقال جل وعلا: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾. هكذا، عباد الله، فهؤلاء اليهود هم شر أعداء أهل الإسلام في القديم، وفي أيضًا هذه الأمة، وكذلك في عصرنا هذا، فهم مستمرون على هذا العداء، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾، فهم مستمرون في عداء أهل الإسلام، وكذلك في مكائدهم وكيدهم لأهل الإسلام. ومن ذلك، عباد الله، مما حصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أنهم أرادوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك ما ذكره الإمام محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، أحد التابعين من الأنصار، أنه قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما قتل رجل من المسلمين، ظن بعض من ظنه أنه كافر، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك قتلت من يكون علينا له دية». فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يؤدي بني عامر، لأن القتيل منهم، فذهب يستعين باليهود لأنهم حلفاء الأنصار. وهذا كان قبل الفتح، كان قبل الأحزاب وقبل الفتوحات. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى بني النضير لأجل أن يستعين بهم في أداء الدين. قالوا له: «انظر إلى جدار من جدارنا، أو حائط من حائطنا، حتى نأتيك بالخبر». فجلس النبي عليه الصلاة والسلام ينتظر عند ذلك الحائط. فلما اجتمعوا، وكان في مقدمتهم حيي بن أخطب، ذلك العدو من اليهود، وهو والد زوجة النبي عليه الصلاة والسلام صفية، فقال حيي بن أخطب لمن كان معه: «ألا يصعد رجل على سقف البيت، ويأخذ حجارة عظيمة، فيضعها في رأس محمد، أو قال: فيرميها في رأس محمد، حتى نستريح منه؟» فاتفقوا على ذلك، فصعد أحدهم. فجاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بالخبر، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وقال لأصحابه: «كفوا حتى آتيكم». فذهب إلى المدينة، أي إلى مكانه وإلى بيته، وتلبس لأمّة الحرب، أي أخذ سلاحه عليه الصلاة والسلام، ثم أرسل بعض الأنصار إليهم حتى يفاوضوهم، ثم فاوضهم بعد ذلك فأبوا، فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام حتى خرجوا، خرجوا بما تحمله رواحلهم فقط، كما ذكر الله عز وجل: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾. ذكر ذلك ربنا جل وعلا في هذه القصة في سورة الحشر، كما تعلمون، عباد الله. وهذا يدل على مكرهم وكيدهم، وأيضًا نقض مواثيقهم. وكذلك، عباد الله، أيضًا مما حصل منهم: ما حصل أن تمالؤوا مع الأحزاب، تمالؤوا مع الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقضت قريظة أيضًا حلف صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي القبيلة الثالثة التي كانت بقيت في المدينة، فتحالفت مع قريش على أن تغزو قريش النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة، وتساعدهم قريظة من داخل المدينة. فجمعت الجموع، وجمعت الأحزاب، وجمعت قريش بعض القبائل المعادية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاصروا المدينة. لكن الله عز وجل خذلهم وهزمهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ إلى آخر الآيات. عباد الله، فهذا هو كيد اليهود، وهذا هو دأبهم. أرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، لما لم يستطيعوا أن يقتلوه وحدهم، استعانوا بالمشركين، استعانوا بكفار قريش، ومكروا معهم وكادوا، لكن رجع كيدهم في نحورهم، فهزمهم الله عز وجل، وجاءت تلك الريح وجعلتهم وشتت أمرهم. فقال أبو سفيان لأصحابه: «هلُمَّ نذهب، فإننا قد نقتل في هذا المكان»، أو كما قال، رضي الله تعالى عنه، قبل أن يسلم. ثم لما خرجت هذه الأحزاب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اليوم نغزوهم ولا يغزونا». فهكذا، عباد الله، فهذا كان دأب اليهود، عليهم لعائن الله جل وعلا المتتابعات إلى يوم القيامة. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن ينصر الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما انتهى من الأحزاب، رجع إلى بني قريظة. فلما دخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته، جاءه جبريل وقال: «يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع، وقد وضعت لأمتك أي سلاحك». قال: «إلى أين؟» قال: «إلى بني قريظة». فتجهز النبي عليه الصلاة والسلام وقال لأصحابه: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة». فهرع الصحابة رضي الله عنهم وتوجهوا إلى بني قريظة. ثم حاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه. فجئ به وهو مريض، لأنه أصيب بسهم في أكحله، في كتفه رضي الله تعالى عنه، في تلك الغزوة. فجئ به وهو يحمل حتى جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «احكم فيهم». فقال سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه: «حكمي فيهم أن تقتل رجالهم، وتسبى نساءهم وذراريهم، وتسبى نساءهم وذراريهم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد حكمت بحكم الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات». أي هذا حكم الله جل وعلا، وافق حكم سعد بن معاذ على بني قريظة: أنهم تقتل رجالهم، وتسبى ذراريهم ونساءهم. وهذا الحكم إنما لأنهم نقضوا الميثاق، وكذلك أرادوا أن يقتلوا أهل الإسلام بتمالئهم، وكذلك بمكرهم مع قريش ومع الكفار، فكان هذا حكمهم كما نطق به سعد بن معاذ، وهو حكم الله عز وجل فيهم. عباد الله، فإن اليهود أرادوا أن يقطعوا الخير عن هذه الأرض، أرادوا أن يعادوا الإسلام وأهله، وكل ذلك كما ذكر الله عز وجل حسدًا من أنفسهم، حسدًا من أنفسهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾. فهم يريدون من أهل الإسلام أن يرتدوا عن إسلامهم، ويرتدوا عن دينهم. فلذلك لما لم يستطيعوا بالسلاح، فعلوا أمورًا أخرى من الغزو الفكري، والغزو الثقافي، والغزو كذلك بأمور أخرى، حتى بالرياضة، عباد الله، حتى غزونا بهذه الرياضة، وهذه القوانين، وهذه الأشياء التي تشغل شباب الإسلام. حتى أن الرجل من أهل الإسلام ليؤيد ذلك الرجل اليهودي ويشجعه، وكذلك يحب أن يفوز، وهو يهودي عدو لله ولرسوله ولأهل الإسلام، وهو أيضًا كذلك عداوته شديدة لأهل الإسلام، بل يدعم اليهود في قتلهم المسلمين في فلسطين وفي غيرها. عباد الله، ألا نتقي الله عز وجل؟ ألا نفيق؟ ألا أيضًا ننتبه من هذه الغفلة؟ عباد الله، وبما يكيد لنا اليهود، فإنهم غزوا أهل الإسلام في قعر دارهم، وأيضًا وظفوا أناسًا يضعون الشبهات على أهل الإسلام، وضعوا أناسًا يبثون الشبه لأهل الإسلام، فيتلقفها كثير ممن يقال لهم من المثقفين، أو ممن يقال لهم أنهم من المتطورين، وهم إنما أتباع هؤلاء، أتباع اليهود والنصارى، ولعب بهم هؤلاء اليهود بشبههم، وكذلك بأموالهم. فلنتق الله عز وجل، ونرجع إلى ديننا، فإن هدى الله هو الهدى. ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾. هكذا يقول الله عز وجل لخيرة الناس، ولأفضل عباد الله جل وعلا، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف بنا، عباد الله؟ فهذه المقالة قالها الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾. عباد الله، ينبغي علينا أن ندرك عداء هؤلاء، وأيضًا كما قال الله عز وجل نستعد لهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾. وأعظم ما يستعد به من القوة: قوة الإيمان، قوة الإيمان، وقوة التوبة، وقوة الدين، فهي التي نصر بها ربنا جل وعلا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصر بها جيوش الإسلام. فبالإيمان ينصر الله عز وجل أمته. فإذا رجع الناس إلى دينهم، نصرهم الله عز وجل، وأجعلهم أعزة بعد أن كانوا أذلة. فنسأل الله جل وعلا أن يوفق أمة الإسلام إلى الخير والرشد والهدى، والحمد لله رب العالمين.