الخطبة بعنوان صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر - الصبر، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 7 صفر 1447هـ الموافق 1 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تبرز الخطبة الصبر كصفة أساسية للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مستشهدة بآيات قرآنية وحديث خباب بن الأرت، وتؤكد أن الداعية يحتاج الصبر في تبليغ الدعوة ومواجهة الأذى ولقاء العدو. وتوضح أن طريق الدعوة ملازم للابتلاء وأن الصبر من عزائم الأمور التي أمر الله بها.
يستعرض المقطع أنواع الأذى التي تصيب الداعية في دينه وأهله وماله، مستدلاً بالنصوص الشرعية التي تؤكد أن الصبر على ذلك يكفر الخطايا ويرفع الدرجات. ويختم بالترحم على عالم وداعية فقده المؤلف.
يختتم المتحدث الخطبة بالدعاء لله أن يغفر لأموات المسلمين وأحيائهم، ويسأله المغفرة والرحمة وحسن الخاتمة. ثم يحمد الله رب العالمين ختاماً للخطبة.
إن الحمد لله، أحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، فإننا قد تكلمنا في خطب سابقة عن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبينا فيها أشياء مما جاء في الكتاب والسنة. وفي هذه الخطبة، عباد الله، نذكر بعضًا من صفات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر له صفات ينبغي أن يتقيد بها، صفات بينها ربنا جل وعلا، وبينها نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيها الإخوة الكرام، فهذه الصفات صفات كثيرة ينبغي أن يتخلق بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ويحتاجها في دعوته إلى الله، وفي أمره بالمعروف، وفي نهيه عن المنكر. من تلك الصفات، عباد الله، وهي من أعظمها وأهمها، ويحتاجها في مراحل كثيرة من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ألا وهي: الصبر. الصبر على الأمر بالمعروف، وعلى النهي عن المنكر، والصبر كذلك في الأمر بالمعروف، وفي النهي عن المنكر، والصبر كذلك فيما يصيبه من الأمر بالمعروف، ومن النهي عن المنكر. أيها الإخوة الكرام، إن الصبر، عباد الله، عبادة عظيمة قد بيّنها ربنا جل وعلا. ومن يتأمّل كتاب الله جل وعلا يجد أن الصبر ذكر في أشياء كثيرة، وفي آيات كثيرة، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: إن الله عز وجل ذكر الصبر وأثنى عليه في القرآن قرابة تسعين مرة. تسعين مرة يذكر ربنا جل وعلا الصبر. فالصبر، عباد الله، له أهمية عظيمة. فإن الله يحب الصابرين، وإن الله مع الصابرين. وربنا جل وعلا جعل أعظم الأمور التي ينالها العبد في هذه الحياة بالصبر. ومن ذلك أئمة الدين، قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا تنال الإمامة في الدين، أو قال: إنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وقال الله عز وجل، وقال الله سبحانه وتعالى في الصبر أيضًا: ﴿وَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وقال جل وعلا أيضًا في هذا الصبر العظيم: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فيتحصل العبد على هذه الجوائز في الدنيا: يكون الله عز وجل معك، ويحبك الله سبحانه وتعالى. وأما في الآخرة، فينال العبد الدرجات العلا وجنة الله سبحانه وتعالى بالصبر على هذه الأمور، أو بالصبر في هذه الحياة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. ويقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار. أيها الإخوة الكرام، وأهمية الصبر وفضائله كثيرة، ليس هذا بابها، وإنما أردنا أن نبين أهمية هذا الصبر، وأنه له أهمية، وله جزاء في الدنيا والآخرة. ولهذا، الصابر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فإنه يتفكر ويكون في باله أن الله عز وجل سينصره في دعوته، إن كان اليوم أو غدًا، وكذلك يجزيه الأجر العظيم يوم القيامة. أيها الإخوة الكرام، فإن العبد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يحتاج الصبر في أمره بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن الله عز وجل قال لنبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، أي: أنك تحتاج إلى صبر في الأمر بالمعروف، وفي الدعوة إلى الله جل وعلا. وكذلك ربنا جل وعلا قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. أيها الإخوة الكرام، فالصابر... فالداعي إلى الله يحتاج إلى الصبر. أخرج الإمام البخاري من حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه أنه قال: جئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم وهو مستند على الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ أي: فيما يلقونه من العذاب، وفيما يلقونه من العذاب. ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «قد كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له الحفرة، وينشر بالمناشير، ولا يرده ذلك عن دينه». صبر عظيم، صبر عظيم يصبرون. قال: «ولا يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ولا يصده ذلك عن دينه. ولكنكم قوم تستعجلون، ولكنكم قوم تستعجلون». أي: لا تصبرون. فإذا صبرتم فلكم العاقبة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله ليتمن الله عز وجل هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه». أيها الإخوة الكرام، فهذه نصوص، والنصوص كثيرة، أن المرء يحتاج إلى الصبر في أمره، أو في أمره بالمعروف والنهي عن المنكر. كذلك، أيها الإخوة الكرام، يحتاج الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أيضًا في أمره، عندما يواجه من يأمره بالمعروف، ومن ينهاه عن المنكر، فيحتاج إلى ذلك أيضًا. فقد قال الله عز وجل عندما أمر الله عز وجل موسى بأن يؤدي الرسالة، وأن يذهب إلى فرعون، ويدعوه إلى الله جل وعلا، ويأمره بالمعروف، قال موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. أي: هيئني يا رب لهذه الدعوة العظيمة حتى أصبر على كلامي مع فرعون، وحتى أصبر على ما ألقاه بعد ذلك. فقال الله عز وجل أيضًا: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. أيها الإخوة الكرام، فإن العبد يحتاج إلى الصبر في المواجهة: كيف يتكلم، كيف يقول، كيف يأمر بالمعروف، كيف ينهى عن المنكر، فيحتاج إلى صبر في ذلك. أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. قولا ثقيل يحتاج إلى صبر. ولما قال الله عز وجل لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. في هاتين الحاجتين: اصبر. قال العلماء: إنه كان من المتوقع أن يقول الله عز وجل: اشكر نعمة الله عليك، أي: عندما أنزل عليك الكتاب، أو كذا. لكن قال الله عز وجل: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ * وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. اصبر لحكم ربك. تحتاج إلى صبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحتاج إلى صبر في مواجهة من تأمره بالمعروف، ومن تنهاه عن المنكر. حتى كذلك، أيها الإخوة، بالفعل عند الجهاد في سبيل الله، عند مواجهة الأعداء، وهو من أعز الأمر بالمعروف، ومن أعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الجهاد في سبيل الله. ولهذا أخرج الإمام البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما أنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم يومًا، فقام فينا خطيبًا، فقال: «يا أيها الناس، إنكم ملاقو العدو، إنكم ملاقو العدو، فسلوا الله العافية». أو قال عليه الصلاة والسلام: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية. لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم، فإذا لقيتموهم، فاصبروا، فإن الجنة تحت ظلال السيوف». تحتاج إلى صبر في هذا اللقاء، تحتاج إلى مصابرة. أيها الإخوة الكرام، فهذا الصبر عندما يكون في المواجهة أيضًا، أيها الإخوة الكرام، يحتاج المؤمن إلى صبر عندما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيلقى من الأذى ما يلقى، فيلقى من الأذى ما يلقى. وليعلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن هذه الطريق العظيمة، وهذه الطريق التي يسلكها، ليس مفروشًا بالورود، ليس فيها الراحة، بل لا شك فيها الأذى. ولهذا قال الله عز وجل في وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. أيها الإخوة الكرام، هذا نبينا الكريم، والأنبياء جميعًا، لاقوا ما لاقوا من الأذى، والصالحون كذلك، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، لاقوا من الأذى ما لاقوا. يقول الله عز وجل في مؤمن آل فرعون، عندما آذوا موسى... فموسى أوذي أكثر، فصبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر». وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. ولهذا قال الله عز وجل على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾. وقال أيضًا نبينا... أو لما... كما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال: عُرّا. قلت لعبد الله بن عمر: أتذكر موقفًا أوذي فيه رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم؟ قال: بلى. قال: لما كان يصلي في الكعبة، جاء ابن أبي معيط، وأخذ برداء النبي عليه الصلاة والسلام حتى خنقه، فجاء الصديق، جاء الصديق رضي الله عنه، ودفعه دفعة شديدة حتى سقط، وقال: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟». فلا بد، أيها الإخوة، من الأذى. ولهذا قال لقمان: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصابرين الصالحين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد وله الشكر جل وعلا. ونصلي ونسلم على نبينا الكريم، صلوات الله وسلام عليه، ذلك النبي الصابر الشاكر، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فإن العبد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصاب بأذى ومصائب، يصاب بأذى ومصائب في سيره إلى الله جل وعلا. يقول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد وأبي هريرة، يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عز وجل بها من خطاياه». وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «إن المسلم لا يصاب بالأذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا تحاتت ذنوبه كما يتحات ورق الشجر». أيها الإخوة الكرام، فهذه الأحاديث تدلنا على أن العبد مهما لاقى من الأذى فيما يصيبه في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف... فقد يصاب بالأذى في دينه، والعياذ بالله. يصاب بالأذى في دينه: إما أن يتهم في دينه، وإما أيضًا كذلك أن يقال إنه مجنون، أو أنه كذا وكذا، فيصاب... كما قال الله... كما ذكر الله عز وجل عن الأنبياء: قيل فيهم سحرة، وقيل فيهم مجانين، وقيل فيهم أيضًا كذلك إنهم افتروا على الله، وغير ذلك من الكلام الذي يصاب به العبد في دينه، والعياذ بالله. وقد يصاب أيضًا، أيها الإخوة، العبد في أهله، فيعاديه أهله لأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وانظروا إلى نبي الله إبراهيم، من عاداه؟ عاداه أقرب الناس إليه، وهو أبوه، كما ذكر الله عز وجل. فدعاه إلى الله، وأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، لكن لم يستجب له، بل قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. أيضًا، أيها الإخوة الكرام، نبي الله صلى الله عليه وعلى الله سلم، قال الله عز وجل له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فإن العبد قد يعاديه أهله، وقد يزهدون في ما هو فيه، كما قال إخواننا: «أزهد الناس في العالم أهله». لا يستجيبون له، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ولا يستجاب له. يتمنى أن تكون زوجته من طالبات العلم، ممن يعبد الله ويصوم ويصلي. يتمنى أن يكون أولاده ممن يحافظون على الصلاة، ممن يطلبون العلم، ممن يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. لكن أحيانًا لا يكون ذلك الطلب، ولا يكون ذلك الأمان، وهو كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. يصاب، أيها الإخوة، الداعي لله والآمر بالمعروف، أيضًا بمصائب في الدنيا، لكنه يصبر. قد يصاب بالفقر، يصاب بالفقر وقلة المال، يصاب بأمور أخرى. أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. جوائز عظيمة: صلوات ورحمة من الله، وكذلك هداية من الله سبحانه وتعالى. كذلك، أيها الإخوة الكرام، قد يصاب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بفقد أصحابه، وبفقد من يقوم معه في ذلك الأمر، أو بقلتهم. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخبر في زمان قلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فسماها النبي عليه الصلاة والسلام: «أيام الصبر». «إن أمامكم أيام الصبر، الصابر فيها كالقابض على الجمر». هذه الأيام التي سماها النبي عليه الصلاة والسلام «أيام الصبر»، إنما لأجل ذلة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. أيضًا، أيها الإخوة الكرام، أيضًا فقد من يشاركك في ذلك الأمر، هذا أمر عظيم. موت العلماء فهي ثلمة يثلم بها الإسلام. موت الدعاة إلى الله جل وعلا. موت من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. موت من يعاونك في ذلك، ويشد عضدك، ويكون معك محبًا لك، وداعيًا لك، ومعاونًا لك. فأيضًا هذه من المصائب التي يصاب بها الدعاة والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. لما مات أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، لما مات، فجاء موته، وخبر موته إلى الإمام البخاري رحمه الله، فقال: «وإن تعش تفجع بلا حبة كلهم، فلا عمرك... لفقد نفسك، أو قال: قال فلا عمرك لفقد نفسك، لفقد نفسك أفجع. إن تعش في هذه الحياة تفجع بفقد الأحبة، وبفقد من يشاركك، ومن يعاونك في هذه الحياة، في الدعوة إلى الله، وفي الخير، وفي أيضًا كذلك ما يقوم به، أو ما تقوم به هذه الدعوة العظيمة». فها نحن، فها نحن نفتقد من العلماء، ومن الدعاة، ومن الأحبة، وممن كان يعاوننا. فنحن نفتقد، أو افتقدنا، من إخواننا، الأخ الفاضل، والأب الفاضل، أبا محمد، حفظه الله ورحمه الله، رحمه الله رحمة واسعة. كان من المحبين لهذه الدعوة، وخاصة هذه المنطقة، وكان من أوائل من سعى، وكان متعاونًا في الدعوة إلى الله، وفي نظامها، وفي غير ذلك. فإننا نقول كما قال الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا با محمد لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا جل وعلا». والحمد لله. فنسأل الله عز وجل أن يغفر لأموات المسلمين، ويغفر لأحيائهم. نسأل الله عز وجل أن يغفر لنا ويرحمنا، ويتوفانا، ويختم لنا بالحسنة جل وعلا. والحمد لله رب العالمين.