الخطبة بعنوان رفقا بالشباب، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 1 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 4 أكتوبر 2024م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع مراحل حياة الإنسان من ضعف الطفولة إلى قوة الشباب ثم ضعف الشيخوخة مستنداً إلى نصوص شرعية. ويؤكد على خطورة مرحلة الشباب وما يعتريها من فتنة داعياً إلى اغتنامها بالطاعة قبل فوات الأوان.
يحذر المقطع من غفلة الشباب عن الموت واغترارهم بالحياة الدنيا. ويشدّد على وجوب نشأتهم في العبادة وحلق العلم ليكونوا حماة للعقيدة محذراً من عواقب فسادهم المدمرة للمجتمع.
يبين الخطيب أن إهمال الشباب والفراغ يؤدي بهما إلى الاعتداء على الأعراض والأموال. ويدعو إلى إلزامهم بالعلم النافع أو العمل الشريف مستدلاً بسيرة الأنبياء ومؤكداً أن الكسب الحلال شرف.
يروي المتحدث قصة شخصية عن إضاعة أمانة مالية بسبب السهر والصحبة السيئة. ويشير إلى خطورة الرفقة الفاسدة في التفريط بالواجبات والأمانات.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، يقول ربنا جل في علاه في كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. أيها المسلمون عباد الله، يخبر ربنا عز وجل عن مراحل هذا الإنسان المختلفة التي يتقلب فيها طورا بعد طور، ومرحلة تلي مرحلة: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾. أول مراحله في هذه الدنيا إذا خرج من بطن أمه أنه يكون ضعيفا وطفلا وليدا، يحتاج إلى رعاية، ويحتاج إلى عناية، يحتاج إلى تربية، ويحتاج إلى غذاء، يحتاج إلى رحمة وحنان، ويبدأ فينشأ ويكبر ويقوى حتى يصبح شابا يافعا قويا، وهي المرحلة الثانية، هنا يحتاج إلى توجيه، ويحتاج إلى تعليم، ويحتاج إلى نصح وإرشاد، ويستمر معه الشباب لكنه لا يدوم، فسرعان ما يغزو الشيب مفارق الرؤوس واللحى، سرعان ما يهجم الضعف على هذا البدن الذي ظل سنين يتمتع بالقوة والحيوية والفتوة، والشباب لا يدوم وإنما يعقبه الضعف، ويأتي الهرم والشيخوخة والشيبة، وهنا يحتاج إلى رعاية وعناية، يحتاج إلى احترام وتقدير، يحتاج إلى مراعاة مشاعر وجبر خواطر في هذا السن الذي يشعر فيه الإنسان بضعف في سمعه وضعف في بصره وضعف في جوارحه وذاكرته. أيها المسلمون عباد الله، وحسب في هذا المقام أن أسلط الأضواء وألفت الأنظار إلى أحد هذه المراحل الثلاث، وهي الأهم وهي الأصعب، إنها مرحلة القوة وزمن الحيوية والفتوة، إنها مرحلة الشباب. الشباب اليوم بين شبهات مضلة وشهوات محرمة، والسعيد منهم من سلمه الله عز وجل ورزقه الثبات على هذا الدين والاستقامة على هذا الدين. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، هكذا أثنى ربنا عز وجل على أولئك الشباب أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم وحفظوا دينهم من الشركيات وعبادة غير الله عز وجل، خلد الله ذكرهم في كتابه العزيز. أيها المسلمون عباد الله، الشباب وما أدراك ما الشباب، يجب أن يستغل ويجب أن يغتنم، فهي وصية نبينا صلوات ربنا وسلامه عليه وعلى آله، قال: «اغتنم خمسا قبل خمس: اغتنم يا أيها الشاب ويا أيها المسلم خمسا هي نعم قبل خمس هي تعتبر نقما»، وذكر عليه الصلاة والسلام: «شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». لا يغتر الشاب بالعنفوان والقوة والنشاط التي يجدها في بدنه والصحة التي يجدها في نفسه، فإنها لا تدوم، الصحيح يمرض، والشاب يهرم، والقوي يضعف، والحي يموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ﴿مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ومن أكثر من تغرهم الدنيا هم الشباب، هم الشباب، فلربما ينام فلا يستيقظ، ويبيت فلا يصبح، لربما يصبح فلا يمسي، الموت يطلبه والأجل يباغته. كم من إنسان رفع لقمة فما وصلت إلى فيه مع أنه يتمتع بقوة وشباب، كم من إنسان لربما يتابع تلفازا سقط الريموت من يده، ما هو السبب؟ وجاءت سكرة الموت بالحق. كم من إنسان شاب لربما أتاه الأجل والقات يتناثر من فيه، وأصوات الموسيقى والأغاني تسمع من مكان بعيد، وجاءت سكرة الموت بالحق. إذن أيها الشاب اغتنم شبابك، ولا يغرّنك ذلك، ولا تغرّنك الدنيا بزينتها. الشباب نعمة نحن مسؤولون عنها وأمانة نحن محاسبون عليها. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به، ماذا عمل به». الشباب ولابد أن ينشأ على الاستقامة والطاعة، على العبادة، على الفضيلة والعفة، بعيدا عن الشر والرذيلة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن أبي هريرة: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، جعلني الله وإياكم جميعا منهم: «إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله». لتكن كذلك أيها الشاب لكي تنعم بذلكم الظل وتنجو من ذلكم الحر. «وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد». ما أجمل الشباب حين أن يتربى أحدهم في المساجد وينشأ في حلق القرآن ومجالس العلم، فإن الله يصلحه شاء أم أبى، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «يا أيها الأب، إذا أردت صلاح ولدك فلا تتركه مع الشاشات والقنوات والفضائيات، إذا أردت صلاح ولدك فلا تتركه مع الجوالات ومع الشبكات، إذا أردت صلاح ولدك لا تجعله يتربى في الشوارع وفي الأسواق والملاهي والملاعب، ادفع به إلى المساجد، إلى حلق القرآن ومجالس العلم، ضعه بأيدي أمينة، فإن أول من ينتفع بصلاحه هو أنت». ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو ولد صالح يدعو له». الشباب هم حماة العرين، الشباب هم حراس العقيدة، الشباب هم الذين يدافعون عن الدين، يدافعون عن الأموال والأعراض ودماء المسلمين، الشباب هم مصدر العزة وسبب السيادة والقيادة والريادة على سائر الأمم، ترفع بهم الهامات والرؤوس. تدرون متى أيها الأحبة في الله؟ إذا صلح الشباب كانوا سببا لخير أنفسهم وخير أهليهم وخير مجتمعاتهم وأممهم. والطامة الكبرى والمصيبة العظمى إذا فسد الشباب، إذا فسد الشباب لربما أصبحوا دعاة للإلحاد اليوم في الشبكات العنكبوتية والقنوات الفضائية والمنتديات الإعلامية والتربوية. كم من أبناء جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا من أبناء المسلمين من يشكك في وجود الخالق تبارك وتعالى، من يشكك في القرآن وصدق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لربما يستهزئ بهذا الدين ويسخر من شعائر وعبادات المسلمين، أصبحوا معاول هدم وأدوات تحطيم يضرب بها أعداء الإسلام ديننا ومعتقداتنا وقيمنا وأخلاقنا، يدعون إلى التبرج والسفور، ويدعون إلى الاختلاط والفواحش. أرأيتم إذا فسد الشباب ماذا تجنيه الأمم من مصائب وكوارث؟ الشباب إذا فسدوا فبدلا من أنهم يحمون دماءنا فإذا بهم هم الذين يحملون الأسلحة فيصوبون نيرانها إلى صدور الأمة، هم الذين يقتلون وهم الذين يفجرون وهم الذين يلغمون. متى ذلك؟ إذا فسد الشباب أصبحت المناهج المستوردة والعقائد الفاسدة هي التي توجههم، هي التي توجههم فيكفرون ويؤذون. وهكذا الشباب إذا فسدوا بدلا من أنهم يدافعون عن أعراض المسلمين تجد أنهم يتابعون الفتيات ويغازلون البنات وينتهكون الأعراض. أرأيتم مصيبة وأيما مصيبة تقع على الأمة إذا فسد الشباب؟ بدلا من أنهم يحرسون أموال المسلمين العامة وأموال المسلمين الخاصة أصبح الشباب هم الذين يسرقون وينهبون ويصطون على المؤسسات والشركات والمحلات، بل وللأسف الشديد أيضا على البيوت، كم كسروا من أقفال، وكم قفزوا من بيت فأرعبوا من بداخله ونهبوا المال، ولربما زادوا الطين بلة بأن ينتهكوا الأعراض. هكذا هي الثمار السيئة التي تجنيها الأسر والمجتمعات والأمم إذا أهملوا الشباب وتركوا الشباب يضيع. لهؤلاء الشباب رفقا بالشباب، رحمة بالشباب، نصيحة إلى الشباب، نهتم بأمرهم ونحرص على هدايتهم وإرشادهم وتعليمهم. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ شبابنا وشباب المسلمين وأن يجنبهم المصائب والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله غيره ولا رب سواه، الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، البشير النذير والسراج المنير، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، ألا وإن من أعظم ما يكون سببا في فساد الشباب الفراغ الذي لا يجد أحدهم ما يملأه وما يستغله وينتفع به، الفراغ من أعظم أسباب فساد الشباب. الشاب ولابد أن يشغل بعلم وتعليم، علم ولدك وارفع الجهل عنه، حبب إليه الدراسة والتعليم، فإن لم يكن كذلك رأيت أن همته نازلة هابطة في التعليم فأشغله بعمل، أشغله بوظيفة، أشغله بحرفة، ليس عيبا أن يعمل الشاب ويتكسب الرزق الحلال، العيب أن يبقى الشاب فارغا وأن يكون عاطلا وأن يكون عاطلا. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري من حديث المقدام بن معد كرب رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من كسب يده، خيرا من كسب يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده، من عمل يده، نبي وملك ويأكل من كسب وعمل يده». النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «كان زكريا نجارا»، زكريا نبي من أنبياء الله كان يعمل في النجارة. بل قال عليها الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا ورعى الغنم، إلا ورعى الغنم». تعجب الصحابة رضوان الله عليهم، قالوا: «وأنت يا رسول الله؟» أي عملت برعي الغنم وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة». الله عز وجل، الله عز وجل ذكر عن نبيه ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. ليس عيبا أن يكون الشاب يعمل في البناء يخلط اسمنت ويحمل حجرا وطوبا، ليس عيبا أن يشتغل في مزرعة، ليس عيبا أن يشتغل صيادا، ليس عيبا أن يبيع ويشتري، العيب أن يبقى فارغا عاطلا عالة على غيره يأخذ مصروفه من أبيه أو أمه، هذا هو العيب، هذا الذي يجر إلى الضياع. إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء، أي مفسدة: شباب، فراغ، جدة. أراد جوالا، قالوا: خذ هذه ألف وخمسمائة ريال سعودي اشتر لك جوالا. قال: أصحابي معهم دراجات يركبون ويتسابقون ويفحطون وأنا راكب خلفهم، قالوا: لا، هذه ألفان وخمسمائة ريال، اذهب اشتر ما تريد من الدراجات. وبعدها سهر في الليل ونوم في النهار، سهر في الليل ونوم في النهار. لقد ضيعت الأمانة، لقد ضيعت الأمانة. كم من