العدل أقوى جيش

العدل أقوى جيش

الخطبة بعنوان العدل أقوى جيش، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 6 ربيع الأول 1447هـ الموافق 29 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

العدل الإلهي وتجلياته في سيرة النبي ﷺ

يتناول الخطيب صفة العدل لله عز وجل كما وردت في القرآن والسنة، مبيناً أن الله حرم الظلم على نفسه وأمر العباد بالعدل في الأحكام والمعاملات. ويستعرض مثالين من سيرة النبي ﷺ: موقف سواد بن غزية في بدر، وقضية المرأة المخزومية، مؤكداً أن العدل واجب حتى مع الأقارب والأعداء.

أوجه العدل في المعاملات والحقوق المختلفة

يؤكد المقطع وجوب العدل في جميع المعاملات والحقوق، بدءاً من العدل مع الخصوم والأعداء، مروراً بالعدل في الميراث والعطايا بين الأولاد، والعدل بين الزوجات، وصولاً إلى العدل في المعاملات الوظيفية والتجارية. ويبين أن الظلم في أي من هذه المواضع يجلب الويل والعذاب، بينما العدل عبادة وقربة إلى الله تعالى.

العدل في المعاملات التجارية والحكم وعواقب الظلم

يحذر الخطيب من الغش في الكيل والوزن وخلط السلع ورفع الأسعار مع ارتفاع العملة دون خفضها عند نزولها، معتبراً ذلك ظلمًا وتطفيفًا. ويستعرض فضائل العدل في الحكم والأهل والولاية مستدلاً بأحاديث المقسطين على منابر النور والإمام العادل في ظل الله، وينقل عن شيخ الإسلام أن العدل أقوى جيش وأصل الأمن، وأن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا ينصر الظالمة ولو كانت مسلمة.

دعاء الختام والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه من الله عدم شماتة الأعداء، وحسن الدنيا والآخرة، والوقاية من عذاب النار. ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويأمر الحاضرين بالقيام إلى الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فالله عز وجل له الأسماء الحسنى المتضمنة للصفات العليا. ألا وإن من صفات الله سبحانه وتعالى العظيمة صفة العدل، فالله جل وعلا هو العدل في أحكامه، والعدل في قضائه وجزائه، والعدل في أمره ونهيه، والعدل في دينه وشريعته. وما قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فهو جل وعلا العدل الذي لا يظلم ولا يجور، ولذلك حرم الظلم على نفسه، قال عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا». هو العدل سبحانه الذي يجازي عباده بالعدل، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وأمر الله جل وعلا عباده بالعدل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. العدل عباد الله خلق العظماء، وصفة الأتقياء، ودأب الصالحين، وفلاح المؤمنين في الدنيا ويوم الدين. تجلى به الأنبياء والصالحون والقادة والمربون، وكان من أكثرهم قدراً ونصيباً خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. كان عليه الصلاة والسلام عادلاً بين رعيته لا يحابي أحداً على أحد كائناً من كان. وفي هذا المقام أضرب مثلين من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام في كمال عدله وفي كمال حكمه بين الناس. روى ابن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر عندما كان يعدل الصفوف، وفي يده قدح، مر على سواد بن غزية رضي الله عنه فضربه بذلك القدح، وقال: «استوِ يا سواد». فقال سواد رضي الله عنه: يا رسول الله أوجعتني فأقدني، يريد القصاص. من من؟ من النبي عليه الصلاة والسلام، من نبي الأمة، ومن خير الأنبياء والرسل، من رسوله ومن أميره وقائده، أقدني. هل قال له النبي عليه الصلاة والسلام: من أنت حتى تطلب هذا الأمر، أو كذلك تطالب بهذه المطالبة؟ ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن كشف عن بطنه وقال: «استقد». فما كان من سواد رضي الله عنه إلا أن اعتنق النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطنه، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما حملك على ذلك يا سواد؟» قال: يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأحببت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير. وفي الصحيحين في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، فكبر ذلك على أهل قريش أن تقطع يد هذه المرأة القرشية وهي من شرفاء القوم، قالوا: من يكلم فيها رسول الله فيشفع لها؟ قالوا: لا يكلمه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه. فكلمه أسامة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أَتُشَفِّعُ فِي حَدٍّ مِّنْ حُدُودِ اللَّهِ؟» ثم قام خطيبا في الناس فقال: «يا أيها الناس إن مهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». انظروا إلى العدل يا عباد الله، هذا الذي أمر الله عز وجل به الناس جميعا أن يعدلوا في حكمهم وفي قضائهم، لا يحابون أحدا لقرابة أو لصداقة أو لمحبة أو كذلك لرئاسة ومسؤولية. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. لا يحملنكم شنآن قوم أي بغضهم وعداوتهم وكراهيتهم ألا أن لا تعدلوا، بل اعدلوا ولو كان ذلك مع العدو ومع من تبغض وتكره. لا تحملوا كعداوة على أن تظلم وتجور مع خصمك وعدوك، بل أنت مأمور بالعدل. كم من الناس من يظلم ويجور في أحكامه وفي أقواله وأفعاله، وكذلك مع أعدائه إذا خاصم إنساناً، وإذا به تجده يفجر في الخصومة، يفجر في خصومته ويرمي خصمه بما هو بريء منه من الاتهامات، ومن كذلك الأفعال والأقوال التي لم يقلها ولم يفعلها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال في إنسان ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى ينزع مما قال». قالوا: يا رسول الله وما ردغة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار»، أي ما يخرج من أهل النار من الدم والقيح والصديد يتجرعه ويسقاه ويشربه عقوبة له على بغيه وظلمه. العدل عباد الله، أمر الله جل وعلا بالعدل بين الورثة في ميراثهم، وقد تكفل الله جل وعلا بقسمة الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ الآيات، فما نحن إلا منفذون لقسمة الله ومنفذون لأمر الله. ومع ذلك تجد من الناس من يظلمون ويجورون ويأخذون أموال الورثة ظلما وجورا، وربما يمنعون النساء لضعفهن وليعجزهن من نصيبهن من الميراث، وربما أخذوا شيئا من ذلك حياء منهن أو خجلا، أو ربما قهرا وقوة، أو ربما باسم العادات والتقاليد التي تخالف دين الله سبحانه وتعالى، فيقعون في الظلم والجور فيما يتعلق بحق الورثة. العدل عباد الله مع الأولاد في العطايا والهدايا، قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. قاله النبي صلى الله عليه وسلم للبشير والد النعمان حين وهبه عطية، فقالت أمه: لا أرضى حتى تشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليشهده على هذه الهدية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألك ولد غيره؟» قال: نعم، قال: «أكلهم أعطيتهم مثله؟» قال: لا، قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». وفي رواية قال: «فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور، لا أشهد على ظلم وجور». فجعل النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص بعض الأولاد بالهدية دون البقية من الظلم والجور، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. كما أنك تحب أن يعدل أولادك فيك في برك وفي الإحسان إليك، فكذلك اعدل بينهم في الهدايا والعطايا والنحل، وإلا كان ذلك سببا في وقوع البغضاء والشحناء بين الأولاد، بل وفي بغض الأولاد لك لأنهم يرون أنك تحاب إخوانهم عليهم، فيحملهم ذلك على العداوة والبغضاء لك ولأبنائك. العدل عباد الله كذلك بين الزوجات، إذا عدد الرجل فلابد أن يعدل بين زوجاته في القسمة وفي النفقة وفي المعاملة وما هو باستطاعته وقدرته. وأما ما يتعلق بأمر القلب وميله ومحبته فهو معذور في ذلك، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، أي ولو حرصت على أن تكون عادلا أكمل العدل في ذلك، والمراد بذلك ما يتعلق بأمر القلب وميله، فإن الإنسان لا يستطيع لأن أمر ذلك إلى الله سبحانه وتعالى. لكن نبه الله أن لا يحمل الإنسان حبه لإحدى زوجاته أكثر من الأخرى أن يميل إليها كل الميل، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، أي تبقى الزوجة الأخرى لا هي مزوجة ولا هي مطلقة. ومعنى ذلك إن حصل شيء من الميل أي من ميل القلب فلا حرج على الإنسان في ذلك، ولكن ما يستطيع أن يقوم به من العدل في بقية الأمور الأخرى فهو ملزم بذلك. ومن يعلم من نفسه عدم القدر والاستطاعة في العدل بين الزوجات، وأنه إن تزوج امرأة أخرى ما لإحداهما الميل الكامل أو الميل الأكثر وظلم الأخرى، فإنه لا يعدد. قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. العدل عباد الله في تعامل الناس من الموظفين والمسؤولين في الدوائر والمؤسسات، أنهم إذا عاملوا الناس أن يعدلوا في معاملتهم، فلا يحاب أحدا على أحد في تجهيز المعاملات، وفي كذلك إتمام ما يريدون من الأوراق، أو كذلك ما يتعلق في أمور المدارس وتدريس الأولاد، فالمدير والمدرس كلهم مأمورون بالعدل في معاملة الطلاب وفي كذلك الإحسان إليهم جميعا، فلا يحابون أحدا على أحد. العدل عباد الله في البيع والشراء وفي فاء الكيل والميزان، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فإن عدم العدل في البيع والشراء وفي الكيل والميزان من الظلم والإفساد في الأرض، وقد توعد الله توعد الله جل وعلا المطففين في الميزان والكيل بالوعيد الشديد: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، إذا كالوا لغيرهم أو وزنوا لغيرهم فإنهم يخسرون البيعان والكيل، ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. الله جل وعلا يتوعد هؤلاء بأن لهم يوما عظيما يقفون فيه بين يدي الله سبحانه وتعالى فيحاسبهم على ظلمهم وجورهم. فما يفعله بعض التجار من إنقاص الكيل والوزن، تجد يبيع الدقيق أو السكر أو الأرز مكتوبا فيه عشر كيل وهو في الوزن في الحقيقة أقل من ذلك، فإن ذلك من تطفيف الميزان، ألا فليتق الله أولئك الذين يظلمون ويجورون. وهكذا أيضا ما يفعله بعضهم من خلط الطعام القديم بالجديد دون أن يبين ذلك للمشتري، فإن ذلك من الظلم، أو أن يجعل الطعام الجيد في الأعلى والطعام الرديء في الأسفل، فإن ذلك من الغش والظلم. وهكذا أيضا من العدل في البيع والشراء أن المسلم إذا كان يعتمد على ارتفاع العملة في رفع أسعار السلع، فكذلك من العدل أن يخفض الأسعار إذا نزل سعر الصرف، فكما أنه يرفع مباشرة من غير تأني ومن غير تفكر وكذلك تأخير، فكذلك ينبغي أن يخفض الأسعار عند نزول سعر الصرف، فإن ذلك العدل في معاملة الناس في بيعهم وشرائهم. فما فعله بعض التجار عندما نزل الصرف توقفوا وترددوا وتأنوا، بل بعضهم رفض أن يخفض الأسعار، شك أن ذلك من الظلم ومن الجشع والطمع، إذ أنه كان بالأمس عند ارتفاع سعر الصرف مباشرة يبادر برفع الأسعار، ولما نزل حصل منه هذا التردد والتوقف، وآخرون سرعان ما تعاملوا مع نزول الصرف بإنزال الأسعار وبتخفيض قيمها، وهذا هو العدل المطلوب من المسلم في معاملته للناس في سائر أحواله. أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه الغفور. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن المسلم إذا عدل في معاملته للناس فإن الله جل وعلا يكرمه يوم القيامة إكراما عظيما ويجازيه جزاء حسنا. جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». انظروا يا عباد الله إلى هذا الأجر العظيم وإلى هذا الإكرام الكبير من الله سبحانه وتعالى لعباده المقسطين. إن المقسطين أي العادلين عند الله يوم القيامة على منابر من نور، أن يجلسون على منابر من نور مضيئة إضاءة عظيمة عن يمين الرحمن إكراما لهم وتشريفا. قال: «الذين يعدلون في حكمهم» أي إذا حكموا بين الناس يحكمون بالعدل لا يحابون قريبا ولا صديقا ولا غير ذلك، «وأهليهم» أي في معاملتهم لأهلهم من زوجة أو ولد فإنهم يعدلون بينهم، «وما ولوا» أي من الولايات والمناصب والمسؤوليات فإنهم يعدلون ولا يظلمون ولا يجورون. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر في أوائل هؤلاء السبعة إمام عادل. إمام أي حاكم ورئيس لكنه عادل في حكمه. لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل هؤلاء السبعة الإمام العادل؟ قال أهل العلم: لأن الحكم والإمارة والرئاسة قد تحمل صاحبها على الظلم والجور، لأن عنده القوة وعنده السلطان الذي به يستطيع أن يظلم الناس وأن يأخذ حقوقهم، وعنده من يحمي ويدافع عنه، فإذا عدل مع قدرته على الظلم فإنه بذلك قد وافق الله في هذه الصفة العظيمة في صفة العدل، فاستحق هذا الإكرام العظيم. ولذلك إذا ظلم وجار فإنه موعود بالوعيد الشديد، فقد جاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أمير يلي أمر عشرة فما فوق إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان، فكه عدله أو أوبقه ظلمه». انظر يا عباد الله، من يلي أمر عشرة، عشرة من الناس يكون واليا عليهم ومسؤولا عليهم، إلا جاء يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، إما أن يفكه عدله إذا عدل بينهم ولم يظلم، وإما أن يوبقه جوره أي في نار جهنم، عياذا بالله. إذا كان هذا في أمر عشرة فكيف بمن يلي أمر الآلاف والملايين من الناس ثم لا يبالي في العدل بينهم بل يظلم ويجور؟ فالأمر عظيم والأمر خطير. وبذلك عباد الله إذا أقيم العدل في الأرض فإنه يعيش الناس في أمن وأمان، ويأمن الحكام على حكمهم وتأمن الشعوب في حياتهم ومعايشهم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الأمن أهنى عيش، والعدل أقوى جيش». العدل أقوى جيش يتجيش به الأمراء والوزراء والمسؤولون، لأنهم إذا عدلوا كانت الرعية كلها جيش يحميهم. قال الهرمزان لما أسره عمر رضي الله عنه، رآه وهو نائم متبذلا، قال: «عدلت فأمنت فنمت». قال: «عدلت فأمنت فنمت». هكذا يا عباد الله يحصل الخير في المجتمعات إذا بث فيها العدل. بل إن الله عز وجل ينصر الدولة العادلة ويكون معها، ولا ينصر الدولة الظالمة إذا وقعت في الظلم والجور. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «قد اتفق الناس أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن عاقبة العدل كريمة». ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. نعم عباد الله، فالعدل ينبغي أن يبث في مجتمعاتنا، في بيوتنا وفي أسرنا، وفي مجتمعاتنا، وفي تعاملنا في سائر أحوالنا، وفي سائر تقلباتنا، حتى ينتشر الخير في المجتمعات ويرفع الشر والجور من أوساطنا. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم لا تشمت بنا عدوا ولا حاسدا. اللهم أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم.