الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 152، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الشفاعة العظمى في يوم القيامة وهي أعظم أنواع الشفاعة، حيث يشفع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لبدء الفصل بين العباد بعد اعتذار الأنبياء السابقين، وهي المقام المحمود الخاص به وحده. كما يذكر نوعاً ثانياً من الشفاعات الخاصة به وهي الشفاعة في استفتاح باب الجنة ودخول أمته أولاً.
يشرح المقطع نوعين من الشفاعة: الأولى شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الخاصة بفتح باب الجنة لأهلها بعد وقوفهم على الصراط، حيث يعتذر الأنبياء السابقون ويتقدم هو عليه السلام. والثانية شفاعة عامة للنبي والمؤمنين والملائكة فيمن وجبت لهم النار أن لا يدخلوها، مستدلاً بأحاديث صحيحة منها قول النبي: "حلت الشفاعة".
يستعرض المقطع ثلاثة أنواع من الشفاعة العامة التي يشترك فيها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: شفاعة فيمن أمر بهم إلى النار ألا يدخلوها، وشفاعة في إخراج أهل التوحيد من النار بعد دخولهم، وشفاعة في رفع درجات أهل الجنة. ويستدل المؤلف بأحاديث من الصحيحين ومسلم، وبدعاء النبي لأبي سلمة، على ثبوت هذه الأنواع وأنها ليست مختصة بالنبي وحده.
يوضح المقطع أن الشفاعة ليست مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل هو المقدم فيها، ثم يذكر أصناف الشافعين من الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال الذين يموتون صغاراً فيشفعون لآبائهم، كما يشير إلى أن الله تعالى يخرج برحمته أقواماً من النار بلا شفاعة ويدخلهم الجنة.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وخمسة وثلاثون: كم أنواع الشفاعة وما أعظمها؟ قال: الجواب: أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة، في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده، وذلك عندما يكون الناس في الموقف، فيطول بهم المقام، وتشتد بهم الكربات والشدائد من دنو الشمس، ومن كذلك الغرق في العرق، ونحو ذلك من الشدائد والأهوال، فينتظر الناس رب العالمين كي يفصل بين العباد، فيدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار. فكل العباد في هذا الموقف العظيم، فهنا كما جاء في الحديث يأتي الناس إلى أشرف الخلق وهم الأنبياء، فيأتون أولًا إلى آدم، ويطلبون منه الشفاعة أن يشفع لهم عند ربهم، فيعتذر لهم ويذكر ذنبه، وهكذا يأتون نبيًا نبيًا: كنوح، وموسى، وإبراهيم، وعيسى، وكل هؤلاء يعتذرون. ثم عيسى يقول لهم: اذهبوا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام، فيذهبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيذهب عند العرش فيسجد، عليه الصلاة والسلام، ويثني على الله عز وجل، ويفتح الله سبحانه وتعالى عليه من المحامد، ثم يقال له: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطَ، واشفع تشفع. هذا هو المراد بهذه الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى. قال: وهي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يشاركه فيها أحد. قال: وهي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، و"عسى" في القرآن واجبة بمعنى متحققة لا شك فيها، فعسى من الله واجبة. وقوله: "مقاما محمودا"، هذا ما فسره به السلف رحمهم الله في تفسير هذه الآية، أن المقام المحمود هي الشفاعة العظمى التي يعطاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الموقف. قال: وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف، وطال المقام، واشتد القلق، وألجمهم العرق، التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم، فيأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى بن مريم، وكلهم يقول: نفسي، نفسي، إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: أنا لها، كما جاء مفصلًا في الصحيحين وغيرهما في حديث الشفاعة الطويل، جاء من حديث أنس، وجاء من حديث غيره. وفي قوله: "وهي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم"، يدلنا ذلك على أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه أحدها، وهناك أنواع، وهناك كذلك شفاعات خاصة أخرى بالنبي صلى الله عليه وسلم سيذكرها المؤلف، وسيذكر بعضها. قال: الثاني: الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخلها من الأمم أمته. وهذه الشفاعة الثانية من الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة. فكما علمنا أن بعد مرور أهل الجنة من على الصراط يجتمعون في قنطرة بين الصراط وبين الجنة، فتقرب لهم الجنة لكن تكون مغلقة، يريدون الدخول فلا يستطيعون الدخول إلى الجنة، فيطلبون كذلك من الأنبياء أن يشفعوا لهم في فتح باب الجنة ودخول الجنة، فيأتون آدم كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان، وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة بصحيح مسلم، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون» -أي بعد مرورهم من على الصراط- «حتى تزلف لهم الجنة» -أي تقرب لهم الجنة- لكنها مغلقة، قال: «فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول آدم: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك، أنا السبب في إخراجكم من الجنة، كما ذكر الله عز وجل في القرآن، فكيف تريدونني أن أشفع لكم بالدخول إليها؟ اذهبوا إلى إبراهيم، أو إلى ابن إبراهيم». ثم يذهبون إلى إبراهيم فيعتذر، ويذهبون إلى موسى فيعتذر، ويذهبون إلى عيسى فيعتذر، ولم يذكر في حديث فتح باب الجنة نوحًا، أو نوح لم يذكر في فتح باب الجنة. ثم يأتون نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فيقوم فيؤذن له، فيؤذن له، وكما جاء أيضًا في الحديث الآخر: «أنا أول من أستفتح باب الجنة»، عليه الصلاة والسلام. فهذه أيضًا شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار ألا يدخلوها، أي أناس قد رجحت سيئاتهم على حسناتهم فوجبت عليهم النار، فيأتي الشافعون فيشفعون لهم بعدم دخولهم إلى النار، فبهذه الشفاعة لا يدخلون النار، لا يدخلون النار. ودليل هذه الشفاعة ما جاء كذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نصب الصراط» -إذا نصب الصراط على متن جهنم- قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: «حلت الشفاعة، وقالت الأنبياء: اللهم سلم، سلم». فقوله: «حلت الشفاعة»، أن يقبل الله هذه الشفاعة في من شاء، فيسلمه من الوقوع في النار، لأن من يمر على الصراط منهم من يمر على الصراط فلا يسقط في النار بسبب أعماله ورجحانها على سيئاته، ومنهم من وجبت له النار فهو سيسقط فيها، لكن جاءته شفاعة فكانت هذه الشفاعة سببًا لنجاته من الوقوع في النار. هذا معنى قوله: «حلت الشفاعة». وهكذا عموم حديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي»، فهذا الحديث عام يشمل الشفاعة لمن دخل النار ثم لا يزال مستحقًا للعذاب فيها لكثرة ذنوبه، لكن يأتي الشافعون فيشفعون له حتى يخرج من النار، ويشمل كذلك من لم يدخلها، من لم يدخلها وكان مستحقًا لها، وكان مستحقًا لها، فهذا الحديث عام. فجمهور أهل العلم استدلوا بهذا الحديث على إثبات هذه الشفاعة، وهي الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها، أن لا يدخلوها. وهذه الشفاعة الصحيح أنها عامة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولغيره من المؤمنين، ومن كذلك الملائكة والصالحين. هذا هو دليلها. وقد ذكر الصنعاني أن الشفاعة إنما تكون لإظهار قدر الشافع وإكرامه، فبقبول الشفاعة في أهل النار قبل دخولها أعظم منه بعد دخولها، لأن بعد دخولها قد عذب هذا في النار، قبل وقوعها أو قبل دخولها هذا فيه سلام من النار، وهذا أعظم، الشفاعة تكون فيه أعظم ليظهر ربنا سبحانه وتعالى قدر عباده المؤمنين، وأيضًا إكرامهم بهذه الشفاعة، بهذه الشفاعة. قال: الرابعة: إذن الآن ذكر المؤلف الشفاعتين من الشفاعات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي الشفاعة العظمى والشفاعة في فتح باب الجنة، وذكر شفاعة عامة وهي الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار ألا يدخلوا. الرابعة: فيمن دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها، فيخرجون قدم تحشوا وصاروا فحما، فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. وقد مر معنا هذا الحديث، وأنه يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من يدخل من أهل التوحيد إلى الجنة -أي إلى النار- فإنهم يموتون في النار ثم يخرجون ضبائر ضبائر، فيلقون على شط نهر الحياة، يعني على شاطئ نهر يقال له نهر الحياة، وهو من نهر الجنة، قال: فيفيض عليهم أهل الجنة من هذا الماء، من هذا الماء ما هذا النهر، فينبتون كما تنبت الحبة، ويقال: الحبة في حميل السيل، يعني كما تنبت الحبة التي يحملها السيل، فإذا وقعت في أرض خصبة نبتت هذه الحبة، فكذلك هؤلاء هم من يسمون بالجهنميين. وكذلك مما يدل على إثبات هذه الشفاعة ما جاء في الصحيحين أن الله تعالى يقول: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، وبقي أرحم الراحمين». فقوله: «شفع النبيون، وشفع المؤمنون»، فذكر المؤمنين، فهذا حمله أهل العلم على الشفاعات العامة، على الشفاعات العامة، ك الشفاعة لمن وجبت عليه النار ألا يدخلها، أو الشفاعة ممن كان في النار ولا يزال يستحق العذاب فيها فيشفع له أن يخرج منها، أو غيرها من الشفاعات الأخرى. وأيضًا مما يدل على هذه الشفاعة ما جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمنين يشفعون عند الله سبحانه وتعالى، فيقولون: أي هؤلاء المؤمنون، يا ربنا، إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فيأذن الله أن يخرجوا، أو أن يخرجوا حدًا حده لهم سبحانه وتعالى»، يعني يأذن لهم أن يخرجوا بعض هؤلاء المؤمنين، فيحد لهم حدًا منهم. فهذا هو دليل هذه الشفاعة. قال: الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة، بمعنى أن الجنة درجات، فبعض المؤمنين -فبعض المؤمنين- مثلا يكون في الدرجات الدنيا أو الوسطى، فيشفع لهم حتى يكونوا من أهل الدرجات العليا، من أهل الدرجات العليا. واستدل أهل العلم على هذه الشفاعة بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة في قوله: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وارفع درجته، وارفع درجته»، والدعاء نوع من أنواع الشفاعة التي بسبب دعاء المؤمن لعله يشفع لهذا المدعو له يوم القيامة، فاستدل العلماء بمثل هذه الأحاديث على هذا النوع من أنواع الشفاعة. قال: وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم. ما هي الثلاث؟ الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها، هذه الأولى، الثانية: فيمن دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها، والثالثة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة، فهي عامة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. قال: وليست الثلاث خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن هو المقدم فيها، لا شك ولا ريب، هو المقدم فيها، وهو أكثر الناس شفاعة يوم القيامة، عليه الصلاة والسلام. قال: ثم بعده الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأفراط يشفعون، يعني الصغار الذين يموتون على آبائهم، فإن هؤلاء الصغار يشفعون للآباء، كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة، فيدخلون هؤلاء الآباء بشفاعتهم الجنة. قال: ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقوامًا بدون شفاعة، وهذا في قوله: «وتبقى رحمة أرحم الراحمين». قال: لا يحصيهم إلا الله، فيدخلهم الجنة. بقي بعض المسائل التي تتعلق بباب الشفاعة مع ذكر النوع السادس من أنواع الشفاعة، نؤجل ذلك إلى الدرس القادم لانتهاء الوقت. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة: نانسي قنقر