الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 153، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد المؤلف أن النجاة ودخول الجنة لا يكونان بعمل العبد بل برحمة الله تعالى، مستدلاً بالحديث النبوي والآيات الدالة على أن ثواب الحسنات محض فضل وإحسان من الله. ويبين أن حق الله على العباد هو العبادة، بينما حق العباد على الله هو الثواب والجزاء يوم القيامة بفضل منه.
يقر أهل السنة بأن العمل الصالح سبب لنيل ثواب الله، لكن العبد لا يدخل الجنة بعمله كحق مستحق بل بفضل الله وتفضله. ويتحقق هذا الثواب لثلاثة أسباب: إيجاب الله الرحمة على نفسه، وصدقه في الوعد، ونفي الظلم عن ذاته الذي يستلزم إثابة المحسنين.
يوضح المقطع أن دخول الجنة ليس مقابلة بالأعمال (باء المعاوضة) بل سبباً لها بفضل الله ورحمته (باء السببية)، مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ وحديث «لن يدخل الجنة أحد بعمله». ويبين الفرق بين السببية والثمنية، ومعنى الأمر بـ «سددوا وقاربوا وأبشروا».
اختتم المحاضر الدرس بالإشارة إلى مخالفة المعتزلة في مسألة دخول الجنة بالعمل، مبيناً أن الوقت قد انتهى على أن يتم في الدرس القادم الرد على شبهتهم وبيان بطلان قولهم بالتفصيل.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا في كتاب "أعلام السنة المنشورة" للشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى عند السؤال السادس والثلاثين ومئة. قال المؤلف في هذا السؤال: هل يدخل الجنة أو ينجو من النار أحد بعمله؟ قال: الجواب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله». قالوا: يا رسول الله، ولا أنت؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». وفي رواية: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحد بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة». واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل. والحديث في الصحيحين: البخاري ومسلم. ختم المؤلف رحمه الله تعالى مباحث اليوم الآخر بالكلام على موضوع الثواب، ونحن الآن في ختام هذا الركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر. فالمؤلف لما ذكر أركان الإيمان بدأ في شرحها من أول ركن منها وهو الإيمان بالله، وهكذا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. نحن الآن في ختام كلام المؤلف على مباحث اليوم الآخر، فختمه بهذين السؤالين: هذا السؤال الذي قُرئ، والذي بعده عن موضوع الثواب. فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق بالحق وللحق، كما قال الله عز وجل: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾. فالله عز وجل خلق الخلق بالحق وللحق، ويتضمن ذلك أمرين: أمراً مرادا من الخلق، وأمراً مرادا بهم. فأما المراد من الخلق فهو عبادة الله عز وجل وحده، وهو حق الله على العباد، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وأما الأمر الآخر وهو المراد بهم، فهو جزاؤهم بالثواب والفضل على حسناتهم، وهو حق العباد على الله. فقد جاء في حديث معاذ لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً». وهذا هو الثواب. وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾، أي بالعدل. فالله عز وجل اقتضت حكمته أن يجازي المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم. وقد جمع الله عز وجل هذين الأمرين، وهو حق الله وحق العباد، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. فقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ هذا حق الله على العباد، فلم يخلقهم عبثاً وإنما خلقهم لعبادته. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، هذا فيه حق العباد على الله، وهو إثابتهم. فرجوع الخلق إلى الله عز وجل ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. وأهل العلم يذكرون هذه المسألة في مباحث اليوم الآخر لأنها تتعلق بالثواب يوم القيامة، فلو تعلق بيوم القيامة هذا أمر... الأمر الآخر، لأن بعض أهل البدع قد خالفوا في هذه المسألة، وسيأتي معنا الإشارة إلى بعض هذا الخلاف. إذن، أولاً ينبغي عليك أخي المسلم أن تعرف معتقد أهل السنة والجماعة في ثواب الله على الحسنات يوم القيامة. فمن معتقد أهل السنة والجماعة أن ثواب الله على الحسنات محض فضل منه سبحانه وتعالى، محض فضل منه سبحانه وتعالى. فقد قال الله عز وجل عن أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وكذلك يعتقد أهل السنة أن العمل الصالح الذي يعمله العبد في هذه الدنيا إنما هو السبب لحصول ثواب الله، سبب لحصول ثواب الله، وأن العبد لم يدخل الجنة بعمله وبمقابل عمله وبثمن عمله، وإنما يدخل الجنة بسبب عمله، وهناك فرق بين الأمرين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وعلى وجه التفصيل نقول: إن ثواب الله عز وجل للمحسنين يوم القيامة محض فضل منه، والعبد لا يستحق على الله شيئاً، ولا يفرض على ربه شيئاً، ولا يستوجب هو من نفسه على ربه شيئاً، فهو تفضل من الله واجب الوقوع، أوجبه سبحانه وتعالى على نفسه، لا بد أن يقع، لأن الله كتب على نفسه وأوجب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه سبحانه وتعالى إثابة المحسنين، كما قال الله عز وجل: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وكما مر معنا في حديث معاذ: حق الله على العباد... هذا الحق هو الذي أوجبه سبحانه وتعالى على نفسه. فليس العبد استحق من ذاته على ربه شيئاً، أو أنه أوجب على ربه شيئاً، حاشا وكلا. هذا أولاً ينبغي أن تسأل... أن تعلم. إذن الخلاصة: إذا سئلت هذا السؤال، فقيل لك: الثواب ودخول الجنة والنجاة من النار يوم القيامة، هل هو حق على الله سبحانه وتعالى؟ كيف يكون الجواب؟ الجواب يكون فيه تفصيل، لا بد من التفصيل في مثل هذا الجواب. ما هو هذا التفصيل؟ هذا التفصيل تقول: إن كنت تريد أن هذا الثواب حق من العبد أو للعبد على ربه، أي بإحقاق العبد على ربه، فهذا ليس بصحيح، نقول: كلا وحاشا أن يجب للعبد على ربه حقاً له. هذا الافتراض الأول. إذا أريد أن الثواب حق من العبد، فهذا الجواب غير صحيح. وإن أردت أن هذا الحق واجب لأن الله أوجبه على نفسه، فهذا الجواب صحيح، فيكون الجواب: نعم، ثواب الله حق على الله أوجبه سبحانه وتعالى على نفسه. كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: ما للعباد عليه حق واجب ** هو أوجب الحق العظيم الشاني أي في قوله: "ما للعباد عليه حق واجب"، أي هم أحقوه على الله، ليس هناك شيء واجب من العبد على ربه، وإنما هو أوجبه على نفسه. "هو أوجب الحق العظيم الشاني"، أي الله عز وجل. "كلا ولا سعي لديه ضائع، إن كان بالإخلاص والإحسان، إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله، والحمد للمنان، والحمد للمنان". إذن بهذا نعلم هذه المسألة: أن لن يدخل الجنة أحد بعمله، وإنما هو محض تفضل من الله سبحانه وتعالى، محض تفضل من الله سبحانه وتعالى. وهذا الفضل يتحقق الوقوع من الله سبحانه وتعالى، وهو لازم الوقوع لأسباب ثلاثة: أولاً: وهذا السبب المتقدم، وهو تفضل الله عز وجل على عباده بإيجاب ذلك الثواب على نفسه سبحانه وتعالى. والسبب الثاني في تحقق وقوع هذا الثواب من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين: أن الله سبحانه وتعالى وعد بإثابة المحسنين على أعمالهم الصالحة، والله عز وجل لا يخلف الميعاد، والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾، لا يخلف الله الميعاد. فوعد الله عز وجل صدق وحق، وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام في الدعاء الطويل: «اللهم أنت الحق ووعدك حق». فإذا الأمر الثاني الذي به يتحقق وقوع إثابة المؤمنين يوم القيامة: أن الله وعد بإثابة المحسنين، والله لا يخلف الميعاد. الأمر الثالث في تحقق وقوع إثابة المؤمنين يوم القيامة: أن الله نفي عن نفسه الظلم، ومن الظلم عدم إثابة المحسنين. وقد نبه ربنا سبحانه وتعالى إلى هذا الأمر في قوله عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، أي ولا يظلمون ولو شيئاً صغيراً وحقيراً، لأن النقير هي النقطة أو النكتة التي تكون على ظهر النواة، نواة التمر تجد على ظهرها مثل النقطة، خلف هذه تسمى النقير. ما مقدارها في الكبر؟ لا شيء، نقطة صغيرة جداً. فالله عز وجل بعدله سبحانه وتعالى يدخل أهل الجنة الجنة ويجازيهم بأعمالهم تكرماً وتفضلاً منه سبحانه وتعالى. نعم، فمن أجل هذه الأسباب الثلاثة تحقق وقوع إثابة المحسنين بفضل من الله سبحانه وتعالى، وليس بأعمالهم. إذن نرجع إلى السؤال. قوله هنا: أجاب المؤلف هنا بحديث مباشرة، أجاب المؤلف عن هذا السؤال بالحديث. فقوله: «قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله». إذن ما هو الجواب؟ هل يدخل الجنة أو ينجو من النار أحد بعمله؟ الجواب: لا، لا ينجو أحد من النار، ولا يدخل أحد الجنة بعمله. أي الباء هنا باء المقابلة، يسميها علماء النحو باء المقابلة، أو باء المعاوضة، أو باء الثمنية. فليس دخول العبد الجنة مقابل عمله، كما سيأتي في السؤال الذي بعد هذا، وإنما يدخل الجنة بسبب عمله، بسبب عمله. والسبب يختلف عن الثمن، السبب يختلف عن الثمن. مثلا يذكرون قاعدة في ذلك، وهي: ليس كل ما رتب على سبب... ليس كل ما رتب على سبب لا يحصل بدونه... لا يحصل بدونه. أيش معنى هذا الكلام؟ يعني أي شيء رتب بسبب وأنه يقع بهذا السبب قد يحصل بدون سبب، قد يحصل بدون سبب. مثال ذلك، على سبيل المثال: دخول الذرية الجنة، أو دخول الآباء الجنة، قد يكون ليس بسبب أعمالهم، وإنما بسبب ذرياتهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. بل إن الله عز وجل يدخل أناساً الجنة ولم يعملوا خيراً قط، لم يعملوا عملاً قط، بل جاء في الحديث أن الله عز وجل يخلق خلقاً يوم القيامة ثم يدخلهم الجنة، ما هي أعمالهم؟ لم يعملوا خيراً قط. فإذن هذه قاعدة تبين لك الفرق بين باء السببية، وبين باء الثمنية، أو باء المعاوضة، أو باء كذلك المقابلة. فقوله: «ولن ينجو أحد منكم بعمله»، أي مقابل عمله، مقابل عمله، أو بثمن عمله، وإنما يدخل الجنة بسبب عمل، تفضلاً من الله عز وجل، تفضلاً من الله سبحانه وتعالى. هكذا يكون المعنى. ولذلك نبه ربنا سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى في الآيات التي تقدمت كما سمعتم. فقوله هنا: «قاربوا وسددوا»، التسديد هو الإصابة، التسديد هو الإصابة. وفي الرواية الأخرى: «سددوا وقاربوا»، يعني إن لم تصوبوا تصويباً كاملاً فقاربوا الإصابة، قاربوا الإصابة. وقوله: «وأبشروا»، يعني إذا عملتم الأعمال الصالحة وأصبتم في أعمالكم، أو قاربتم في أعمالكم، فأبشروا بوعد الله، فقد وعد الله عز وجل العاملين بالجنة، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. فإذا العمل هو سبب، ولذلك قال: «فإنه لن يدخل... لن يدخل الجنة أحد بعمله». عمله هنا فاعل للفعل يدخل، يعني التقدير: لن يدخل عمل العامل هذا العامل الجنة، وإنما يدخل بفضل الله وبرحمته سبحانه وتعالى. ولذلك لما فهم الصحابة... لما فهم الصحابة المعنى أو اللغة العربية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة أحد بعمله». فهنا "أحد" نكرة في سياق النفي، "لن" نافية فهي تعم، فبادر الصحابة بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: «ولا أنت؟» أنت أخشى الناس وأتقى الناس وأفضل الخلق تعبداً لله عز وجل، كذلك لا تدخل الجنة بعملك، أي مقابل عملك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا أنا». حديث عام. «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة»، أي بفضل منه سبحانه وتعالى. فهنا يتبين لنا معنى هذا السؤال، وهناك كما ذكرنا المعتزلة خالفوا في هذا... وانتهى الوقت. لعلنا في الدرس القادم نرد على شبهتهم ونبين باطل قولهم. فنكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم.