الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 72، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يجب على الأمة الإسلامية اتباع القرآن الكريم ظاهرا وباطنا والتمسك به والقيام بحقه، وقد وردت آيات قرآنية تؤكد أهمية اتباع القرآن والعمل به.
المقصود بأخذ القرآن هو التمسك بما فيه من أحكام واتباعه ظاهرا وباطنا، وليس تعظيمه بتزيين الجدران والبيوت بآياته، فهذا يعتبر امتهانا له.
يتناول المقطع بعض الأخطاء الشائعة في التعامل مع القرآن، مثل جعله زينة أو وسيلة للتبرك بشكل خاطئ، ويوضح كيفية الاستفادة الحقيقية من القرآن بقراءته وتدبره والعمل به.
يوجّه المؤلف إلى التسامه مع القرآن باتباعه ظاهرا وباطنا والقيام بحقه، ويطلب من الله النفع بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «الإيمان بالكتب» رحمه الله تعالى: ما الذي يجب التزامه في حق القرآن على جميع الأمة؟ هذا السؤال مما له تعلق بما نحن بصدده، وهو الإيمان بالكتب، وما الإيمان بالكتب؟ الإيمان بالقرآن، وقد تقدم من أسئلة المؤلف رحمه الله تعالى بذكر ما يتميز به القرآن عن غيره من الكتب، فذكرنا بعض الخصائص والمزايا التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى. ومما يناسب أيضًا ذكره بمسألة الإيمان بالقرآن هذا السؤال، قال: ما الذي يجب التزامه في حق القرآن على جميع الأمة؟ أي: هناك حق واجب ينبغي أن يؤدى لكتاب الله سبحانه وتعالى، فما هو؟ قال رحمه الله تعالى: هو اتباعه ظاهرا وباطنا، والتمسك به، والقيام بحقه، هذا الأصل وهذا الواجب الذي يجب أن يعمل مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وهو اتباعه ظاهرا وباطنا. قال: قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فقول سبحانه وتعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ وهو القرآن ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فالقرآن فيه بركة، والبركة المقصود بها أن القرآن كثير النفع، فمنافعه كثيرة وكثيرة جدًا، يظهر ذلك مثلًا في أجره وثوابه. انظر ما الفضل الذي أعده الله سبحانه وتعالى؟ القرآن من قرأ منه حرفًا فإن الحرف بعشر حسنات، الحرف الواحد بعشر حسنات، لا أقول ألف، لا ميم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، فقولك: «ألف» ثلاثون حسنة، فما ظنك يا عبد الله لو قرأت آية من عدة كلمات؟ قل: «هو الله أحد»، احسبها يا عبد الله، لا تحسب الكلمات بل احسب الأحرف، ولا تجعل لكل حرف حسنة بل اجعل لكل حرف عشر حسنات، كم هذا الأجر؟ أين ستجد هذا في شيء من كتب؟ لا تجد هذا الفضل إلا في القرآن، فهو عظيم البركة. وأيضًا البركة في أثره وتأثيره، كم من قلوب قاسية؟ قلوب قاسية لربما ما نتأثر بكتاب الله سبحانه وتعالى، بماذا دعا نبينا عليه الصلاة والسلام الكفار الغلاظ الشداد ممن جابه الدعوة بأشد ما يملكون من الحقد والحسد؟ ما جابههم نبينا بمثل الوحي، كان يتلو عليهم القرآن، فكان الواحد منهم يلين، يلين، كما قال جبير بن مطعم رضي الله عنه حينما كان مشركًا: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ قال: «كاد قلبي أن يطير»، آية أثرت فيه، وهكذا كثير من المشركين ما تأثروا بمثل تأثره بكتاب الله، فهو عظيم البركة في أجره وثوابه، وفي أثره وتأثيره. قال رحمه الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وهذا الكتاب المبارك، ما الذي ينبغي في حقه؟ الاتباع، قال: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: فاتبعوا كل ما فيه من أوامر بالفعل، والنواهي بالترك، قال: ﴿وَاتَّقُوا﴾ أي: نتقي مخالفة القرآن، قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فقال العلماء: ففي هذه الآية بيان على أن من أخذ وعمل بالقرآن، فاتبع ما فيه من أحكام، واتقى ما فيه من زواجر، فإن الله جل وعلا يصيبه من رحمته، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيجعله من عباده، فيرحمهم رحمة واسعة، رحمة شاملة. قال: وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، هذه الآية كذلك فيها بيان لما ينبغي أن يكون مع القرآن، وهو الاتباع لما أنزله الله سبحانه وتعالى. قال: وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ يمسكون بالتشديد، وقرأ بعضهم بالتخفيف، ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ يمسكون ويمسكون، قال: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في معنى: ﴿يُمَسِّكُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: أن يتمسكون به علما وعملا، يتمسكون به علما وعملا. فمن تمسك بهذا القرآن علما وعملا، ما حاله؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾، قال رحمه الله تعالى: وهي عامة في كل كتاب، والآيات في ذلك كثيرة، أي: أدلة على وجوب اتباع ما في القرآن من أحكام. قال: وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله، فقال: «خذوا بكتاب الله، وتمسكوا به»، إذن المقصود بالأخذ بالقرآن، إخواني في الله، هو التمسك بما فيه من أحكام، وسيأتي معنا في السؤال الذي بعد هذا، سيأتي ويذكر المؤلف رحمه الله تعالى كيف يكون التمسك بما في القرآن. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه: «خذوا بكتاب الله، وتمسكوا به»، قال: وفي حديث علي مرفوعًا: «إنه ستكون فتن»، قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله»، وذكر الحديث، وهذا الحديث، إخواني في الله، لا يصح، رواه الترمذي في سننه، إلا أنه معل، وهو ضعيف. ففيه علل كثيرة، حديث علي رضي الله تعالى عنه، عندما قيل: يا رسول الله، ما المخرج منها؟ من الفتن؟ قال: «كتاب الله»، فيه الحارث الأعور، وقد كذب، وكذلك العلة الثانية: فيه ابن أخيه، ابن أخي الحارث الأعور، وهو مجهول، وأيضًا: فيه أبو المختار الطائي، وهو كذلك مجهول، ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحديث موضوع، كما ذكره الصاغاني رحمه الله تعالى، حكم على الحديث بالوضع، والشيخ الألباني رحمه الله تعالى ذكر أنه ضعيف جدًا. لكن ما سبق من الآيات في هذا الباب تدل على المقصود، أن النجاة والهداية تكون بالقرآن، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، فالقرآن فيه الهداية، وفيه النور لمن تمسك به. فالشاهد، إخواني في الله، من هذا السؤال الذي طرحه المؤلف رحمه الله تعالى، أن المقصود بأخذ القرآن، عباد الله، أن يكون أخذه باتباعه ظاهرا وباطنا، والتمسك بما فيه من أحكام، وهنا تأتي مسائل، إخواني في الله، ننبه عليها في هذا المقام، وهي من الأفهام المغلوطة التي غلط فيها كثير من العامة. كثير من العامة لربما فهموا مسألة الأخذ بالقرآن على غير وجهها، فبعضهم يتخذ مع القرآن طرقًا، ويرى أن هذا، أن فعله هذا هو تعظيم القرآن، وهذا ليس بصحيح، مثاله على سبيل المثال: ما يقوم به بعض المسلمين من جعل القرآن زينة، فيأتي مثلًا إلى عمارة أو إلى بيت يبنيه، فإذا أراد أن يزين البيت بشيء، يزينه بآيات قرآنية، فيأتي من يأتي بأهل النحت، فينحتون آيات على البوابة الأمامية أو مقدمة البيت، هذا من باب أنه يجعلها مشكلة، ويجعلها مزركشة، ويرى أن هذا من تعظيم القرآن، هذا ليس بصحيح. أو يأتي كذلك بعضهم في البيوت، وفي المحلات، فيكتب بالجدران آيات قرآنية، ويقصد بها الزينة، وأعظم ما يكون هذه الزينة في بيوت الله، تدخل إلى بعض المساجد، تجد في القبلة كلها زخارف، وتجد هذا المنبر مزركش، وبعضهم يجعل في الصف الأولى آيات من الجدار إلى الجدار، بل أخبرت عن مزيد من المساجد أنه جاء ببعض النحاتين ممن ينحتون وينقشون في الجدران، فنقشوا ختمة مصحف كامل في الجدار، في جدران المسجد مصحف كامل، وهل هذا، إخواني في الله، تعظيم القرآن؟ لا، أعد العلماء هذا امتهان القرآن. القرآن ما أنزل يا عبد الله لكي يتزين به، لكي يزين به البيوت، أو يجعل تراثًا معماريًا، فأن يتخذ به أناس يختصون بنحت القرآن، القرآن ما ينحت، القرآن يا عبد الله يعظم، ومحل تعظيمه ليس في الجدران، محل تعظيمه في القلوب والوجدان، يكون في قلوبنا معظمًا، في صدورنا، هذا محل القرآن، ما أنزله ربنا لكي يتخذ زينة. وقد تكلم العلماء على ذلك، وكون ما كما قلنا، وأعظم ما يكون خطورة أن يكون في بيوت الله، فإن زخرفة المساجد لا تجوز، وإنما هذا من فعل اليهود، كما صح ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام: بأن اليهود هم الذين يزخرفون مساجدهم، فلا نأتسي بأمرهم، وإنما تكون بيوت الله سبحانه وتعالى كما أمر به نبينا: أن لا تحمر ولا تصفر، وإنما تبقى ممهدة لكل خاشع وخاضع أن يتأمل في صلاته. وأما تتخذ القرآن زينة فليس هذا من تعظيم القرآن، كذلك من أخطاء الناس، إخواني في الله، في أخذهم بالقرآن مسألة التبرك، نعم القرآن بركة، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لكن بعض الناس ما الذي يفهم من البركة؟ يفهم من البركة أن القرآن يمكن يؤتى به ويجعل له غلاف، ثم يجعل فوق الرف، فوق الكبت، كما نسمي ونعبر، وبعضهم ما يجعله فوق الطاولة والمنضدة، وملفوف، يقول: طيب، إيش هذا؟ يقول: هذا القرآن، ما به أحافظ عليه؟ طيب، لماذا يبقى هنا؟ يقول: بركة هذا موجود، القرآن بركة للبيت، هذا ما هو الصحيح، عبد الله، ما هكذا يكون التبرك بالقرآن. ولهذا من تمعنا، إخواني في الله، في آيات الله الذي فيه وصف القرآن بالبركة، يتضح ما المقصود من البركة، هذه الآية التي بين أيدينا مثلًا، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ بركته في اتباعه، إذا أردت أن تأخذ بركة القرآن، فلتكن من أتباعه، حينها تصيبك بركة القرآن، أن تكون وفق من عمل بالقرآن، لن يخذل، بل يوفقه ربنا جل وعلا في طريقته، وكيف تضل يا عبد الله وأنت مستمسك بكتاب الله؟ فهذه بركة من بركات القرآن، إذا تمسكت به أن تكون يا عبد الله على هدى، هذه بركة. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ من بركة القرآن التدبر لآياته، التدبر لمعانيه، فيه من العلوم العظيمة، حوى جميع العلوم، علوم الكتب السماوية اعتصرت في كتاب الله جل وعلا، من الذي يوفق لهذه العلوم؟ يوفق لها، إخواني في الله، من تمعن فيه، هذه بركة، إذن ينبغي أن نفهم بركة القرآن كما أراد الله عز وجل. أما أن يجعل القرآن مغلقًا، يغلق ويجعل على الرفوف، ويعلوه التراب والغبار، تذهب إلى بعض البيوت، تحل فيها مثلًا، فتنفض وتنظف، فإذا بختم عليها الغبار، وهي محفوظة، صاحبه عليها تعلم أن صاحبه إنما أراد أن تكون بركة، هذا لا يصح، عبد الله، ولهذا منع العلماء التبرك بالقرآن بهذه الطريقة، وإنما التبرك بالقرآن بقراءته، والتأمل في معانيه، والعمل بأحكامه. أيضًا، إخواني في الله، مما يؤخذ على أفعال بعض الناس: أنه يجعل القرآن يحميه من العين والحسد، نعم القرآن يحميه، ويمكن لشخص أن يستعين بالقرآن، بماذا؟ بأن يحميه من العين والسحر والحسد، وذلك بقراءة الآيات والأوراد والأذكار، كما فعل بنبينا عندما سحر صلى الله عليه وسلم، رد هذا السحر على أهله، ودفع عن نفسه بآيات قرآنية يتلو بها، فحماه الله من السحر، وهكذا آية الكرسي تبعد عنك الشياطين والجان، سورة البقرة لا تقدر عليها السحرة بقراءة. لكن أما أن تجعل معلقة، تعلق القرآن هكذا يعلق، فقد ذهب جماعة من أهل العلم، وهذا يحكى عن جمهور السلف، أنهم منعوا من تعلق القرآن، أن يكون معلقًا، كأن يكون معلقًا مثلًا على الأطفال في رقابهم يعلق، أو كما نجد في بعض الناس يأتي بختم صغيرة جدًا، ثم يعلقها في السيارة، تجد مدلاة في السيارة، أو يجعلها بعضهم يجعلها على عنق الدابة. فإن جمهور السلف، كما ذكر ذلك إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى، يحكي عن السلف أنهم كانوا يكرهون التمائم من القرآن ومن غيره، وقد حكم جماعة من العلماء أن تعليق القرآن بهذه الصورة تميمة، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له»، وفي رواية: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، فجعل العلماء يدخل في عموم التمائم كل شيء معلق، ولو كان من القرآن، ولو كان من القرآن. فإذا أردت يا عبد الله أن تستعين بالقرآن للحماية من العين والسحر ونحو ذلك من هذه الأنفس الشريرة، إنما يكون ذلك بالحرص على قراءة الأوراد والأذكار والآيات التي أرشد إليها شرعنا الحكيم. وهكذا من أخطاء الناس من جعل القرآن عند المآتم، إذا مات عليهم ميت، لربما ما عرفوا القرآن إلا في هذه المناسبة، مات عليهم قريب، مات عليهم عزيز، فإذا بهم يصنعون مثل هذه الخيمة، أو يفتحون الديوان، ويؤتى بقارئ فيقرأ القرآن، ويأتي من يأتي ويعزي في هذه المناسبة، ما هكذا القرآن نزل، عباد الله، وما هكذا أرشد إليه ربنا. فالحاصل، إحسان المؤلف رحمه الله تعالى أرشد بأن الذي ينبغي التسامه مع القرآن هو ماذا؟ واتباعه ظاهرا وباطنا، والقيام بحقه، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.