شرح أعلام السنة المنشورة  88

شرح أعلام السنة المنشورة 88

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 88، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم المعجزة ودلالتها اللغوية

يتناول تعريف المعجزة وشرح دلالتها اللغوية، حيث عرفت بأنها أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة. كما ناقش الاختلاف في استخدام لفظ المعجزة بين المتقدمين والمتأخرين من العلماء.

معجزات الأنبياء والرسل وتفوق معجزة النبي محمد

يتناول معجزات الأنبياء وآياتهم، حيث جاء كل نبي بمعجزة تتناسب مع ما اشتهر به قومه. كما أشار إلى تفوق معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على معجزات الأنبياء الآخرين.

دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم ومعجزاته

يتناول معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآياته التي تثبت صدق نبوته، مثل انشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وكلام الذراع وتسبيح الطعام. يُظهر أن هذه الآيات تُعد دلائل على نبوته.

خلود معجزة القرآن الكريم

يؤكد على خلود معجزة القرآن حتى قيام الساعة، حيث سيحفظه الله حتى يرث الأرض ومن عليها، ثم يُرفع القرآن من المصاحف والصدور.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما معجزات الأنبياء؟ أي ما هي المعجزات التي منَّها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله، إذ أنه ما من نبي إلا وآتاه الله سبحانه وتعالى آية وبينة وبرهان، فيه تتضح صدق نبوته. فقال رحمه الله تعالى: ما معجزات الأنبياء؟ قال: المعجزات هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة. إذن هذا هو ضابط المعجزة التي يعطاها النبي والرسول، كما عرفها المؤلف رحمه الله تعالى، وهو سار على ما سار عليه بعض العلماء في تعريفهم للمعجزة بأنه أمر خارق للعادة. والعادة أي العادة التي اعتاد عليها الناس، فالناس من خلال طبيعتهم البشرية والإنسانية يسيرون على نمط معين، نمط قد اعتاد على أن هذه من طبيعة البشر، فكون أن يأتي شيء أو يحدث شيء يخرج فيه عن طبيعة البشر، يقال هذا أمر خارق للعادة. قال رحمه الله تعالى: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، مقرون بالتحدي، ومنه كان لفظ المعجز، لأن المعجزة مأخوذ من التعجيز، مأخوذ من التعجيز، أي فيه إعجاز للطرف الآخر، وهذا الإعجاز هو مشوب بالتحدي، شخص ما يعجز آخر يعجزه إلا إذا كان في مقام التحدي يتحدى فهو يعجزه. قال: مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة، أي ما هناك أحد يقف أمام هذه المعجزة ويبطلها، وإنما يقرون بها، يقول هذه معجزة، أمر خارق للعادة، ما يمكن لأحد من البشر أن يلغي حقيقة هذا الإعجاز. هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في معنى المعجزة، وهنا مسألة أنبه عليها إخواني في الله، ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى في عقيدته ذكر أن لفظ المعجزة هو من الألفاظ الذي استخدمها الكثير من المتأخرين. وذكر أن المتقدمين كأمثال الإمام أحمد رحمه الله تعالى إنما كانوا يستخدمون الآية والآيات، الآية والآيات، وهذا هو الصحيح، بدل أن نستخدم كلمة معجزة نستخدم كلمة آية أو الآيات لعدة أمور. الأمر الأول أن لفظ المعجزة لم يرد لا في القرآن ولا في السنة، ما جاء لفظ المعجز والمعجزة لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، وهذا الذي جعل أهل العلم من القدامى أن يتمسكوا بألفاظ القرآن. الأمر الثاني أن الذي جاء في القرآن لفظ الآية، كما قال ربنا في حق موسى في تسع آيات، في تسع آيات، وما هي الآية التي أتى بها موسى؟ العصى واليد والسنين والضفادع والقمّل إلى آخره، فما سميت بتسع معجزات وإنما سميت بتسع آيات. فتسمى ما أتاه الله النبي من هذه الأمور تسمى بآية، وهكذا برهان، كما قال ربنا: ﴿فَذَانِكُمَا بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكُمَا﴾، ما سمّاها معجزتان، سمّاها برهانان، فتسمى آيات، تسمى براهين، تسمى بينات، هذا الذي جاء به مصطلح القرآن. وهذا الذي جعل من أجله أن المتقدمين ما يستخدمون لفظة المعجزة وإنما لفظ الآية، وزد على ذلك أن الذي أتى بلفظ الإعجاز اختلفوا كذلك فيما بينهم، قالوا: نحن سمّينا هذا الأمر الخارق للعادة سمّيناه معجزة، طب معجزة في حق من؟ معجز لمن؟ اضطربوا فيما بينهم، قيل أنه معجز أن هذا النبي إنما أتى بأمر معجز لمن كان في زمنه، فقالوا: من قال لا، بل هو معجز لكل الناس، من قال لا، بل هو معجز للإنس والجن، ومنهم من استدرك ويضاف الملائكة. فهؤلاء الذين أتوا بهذا اللفظ أصلا هم بأنفسهم ما استقروا لأنه لفظ مجمل، وهذا مما لا خلاف فيه هو لفظ مجمل فيه إجمال، فما تدري ما حقيقته وما المراد منه. ومن هنا كان بعض العلماء ولا زال أهل السنة من المحققين منهم من يرى أن الأفضل الاقتصار على لفظ القرآن، وهو أن تسمى هذه الأشياء التي آتاها الله أنبياءه ورسله بأن تسمى بآيات وتسمى بالبينات تسمى بالبراهين. ومن تأمل في نصوص القرآن يجد إن في ذلك لآية، سماها ربنا آية، ما سماها معجزة، فلهذا فكان الأجدر كما قال العلماء، لكن ليسماها معجزة لماذا سماها معجزة؟ سماها من حيثية أن الله عز وجل عندما أنزل القرآن أنزل القرآن تحدى ربنا بالقرآن سائر العرب تحدى به أن يأتوا بمثله أن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا عجزوا عجزوا عجزوا، العرب بما أوتوا من بلاغ وفصاحة عجزوا أن يأتوا على نسق القرآن فما استطاعوا لهذا سبيل. فكأن القرآن أعجزهم فكان القرآن معجز معجز فسمي بمعجزة، ومن ثم توسعوا في هذا المدلول فسموا الذي يأتيه يأتيه ربنا أنبياءه بالمعجزات، فهذا في محله، هذا يرى بعض العلماء أنه لا بأس باستخدام هذه الكلمة إذا أريد منها المعنى الصحيح. قال مؤلف رحمه الله تعالى: المعجزات هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة، وهي إما حسية تشاهد بالبصر أو تسمع، فهذه الآيات التي يعطيها ربنا أنبياءه ورسله أحيانا تكون آيات حسية ظاهرة، بمعنى أنها ترى بالعين وتسمع بالأذن. قال: كخروج الناقة من الصخرة، وهذا في حق صالح عليه السلام، كانت آياته عظيمة آية بينة، إذ أنه أتى قومه وقد ذكر ذلك ابن كثير وحكى أن هذا قول الكثير من المفسرين على هذا التفسير بأن صالح عليه السلام أتى قومه في ناديهم وادعاهم إلى الله والإيمان به جل وعلا. فطلبوا منه آية أن يأتي ببين على صدق دعواه، فكان مما طلبوا أن أشاروا إلى صخرة عظيمة أن ابعث منها واخرج منها حيوان ناقة، وليست ناقة فقط، لا بشروط ذكروا لها طول ولها عرض ولها جسم وأن تكون كذلك حامل إلى آخر ما اشترطوا. فما كان من صالح عليه السلام إلا أن اشترطوا عليهم سأفعل ذلك مقابل الإيمان، فوافقوا، فإذا بالصخرة تنشق فخرجت منها الناقة، وهذا الذي أشار إليه المؤلف بقوله كخروج الناقة من الصخرة، صخرة أخرج الله منها ناقة حتى انبهر الناس آية عظيمة لا يمكن لأحد أن يجادل فيها أن هذا من عند الله. قال: وانقلاب العصى حية، وهذا الذي فعله الله سبحانه وتعالى بما آته الله موسى عليه السلام أن قال: ﴿بَلْ عَصًا حَيَّةٌ﴾، وليست أي حية، بل حية عظيمة، وليست عظيمة فقط، بل تتحرك وتضطرب، بل أنها تفعل ما تفعله باقي الحيات تسعى وتأكل وتلتهم آية من آيات الله. وكان إذا أخذها انقلبت عصى، وإذا رماها انقلبت حية تنقلب وترجع تنقلب وترجع آية عظيمة آيات الله، حتى أن من شاهدها ما استطاع لذلك إلا أن يضعف، فألقي السحرة سجدا، علموا أن هذا ليس من طبيعة البشر هذا أمر خارق للعادة. قال: وكلام الجمادات ونحو ذلك، كلام الجمادات أن تتكلم الجمادات كما صرح بذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وكما سيأتي من تسبيح الحصى ومن كلام الجذع، وقال نبينا: «إني لأعلم حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث»، حجر يسلم، جماد يسلم، هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى. الشاهد أن آيات الله منها ما يكون حسي بمعنى يشاهد بالعين أو يسمع، قال رحمه الله تعالى: ونحو ذلك، وإما معنوية تشاهد بالبصيرة، أي تشاهد بآثارها، قال: كمعجزة القرآن، وقد أوتي نبينا صلى الله عليه وسلم من كل ذلك، وهذه معجزته عليه الصلاة والسلام. قال: فما من معجزة كانت لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم أعظم منها في بابها، المعجزات إخواني في الله من باب الفائدة عندما يمن الله عز وجل بنبي ورسول بآية وبينة يأتي بها قومه، إذ أن من ميزة هذه الآية أنها تأتي موافقة لما عليه عما عليه عادة القوم، أي من جنسهم ومما اشتهروا به. فمثل لما كان عيسى عليه السلام في زمنه وكان الطب قد بلغ بهم مبلغا عظيما، اشتهروا بالطب والعلاج والتداوي، كانت آية عيسى عليه السلام من هذا الباب، أن الله استطاع لعيسى عليه السلام أن الله يشفي به وبمسحه المريض الأبرص والأكمه والأبرص، بل ويحيي الموت، ويحيي الموت، يأتيه الميت فيمسعه فيقوم. قمة في العلاج، أين هذا الطب الذي يمكن أن يأتي بالأكمه والأبرص بلمس وبمس يعود كما كان صحيحا معافا، فكانت لما كان قوم عيسى عليه السلام عندهم الطب وعندهم الحذق في هذا الباب كانت آية عيسى عليه السلام من جنس ما كان عليه قومه. قال: ولما كان موسى عليه السلام في زمن كثر فيه السحر، كثر فيه السحرة وأصبح هذا شغل الناس الشاغل، وكانت لهم المناصب العالية، بل كان فرعون يتكى عليهم، ولما أراد أن يتحدى موسى بما تحدى بهذا الباب بباب السحر لكثرتهم ولما أعد مجلس المناظرة والتحدي بين موسى والسحرة. ما الذي قال المفسرون المؤرخون؟ قالوا: أن المكان والميدان الذي تحدى فيه كان يضج يضج بالسحرة لكثرتهم، أي في ذاك الزمن كان السحرة لهم شأن، فكانت آية موسى عليه السلام من جنس هذا الفن الذي كان في قومه، فن السحر، بأن الله أعطاه عصى تنقلب حية. وهكذا نبينا عليه الصلاة و السلام، لما كان في قوم اشتهروا ماذا اشتهروا؟ بالبلاغة والفصاحة والبيان، كان العرب لا يشق لهم غبار في هذا الباب، البلاغة، قمة، الواحد من الشعراء من الشعراء لربما بكلمات أبيات شعرية يأتي إلى قبيلة وإلى قرية رفيعة فيسقطها من فوق إلى تحت. قال: وكان لربما تعقد الجوائز العالية على الأبيات الشعرية، كانوا معلقات وغير معلقات، فكانوا أهل بلاغة وفصاحة، فجاءت آية نبينا عليه الصلاة وسم من جنس ما كان عند قومه، آتاه الله القرآن، آتاه الله القرآن، وهكذا ما من نبي إلا وكانت آيته من جنس ما عليه قومه ما اشتهروا به. فكانت هذه الآية أعظم مما كانوا فيها، وهذا الحكمة عند الله سبحانه وتعالى، قال: وقد أوتي نبينا صلى الله عليه وسلم من كل ذلك، أي من كل أنواع الآيات، ما كان منها الحسية وما كان منها المعنوية البصيرة، كلها قد جعل في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: فما من معجزة كانت لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم أعظم منها في بابها، وهذه مسألة كذلك تطرق لها العلماء على أن نبينا صلى الله عليه وسلم كذلك ليس فقط عنده معجزة القرآن، بل كان كذلك ما من آية كانت في حق الأنبياء من قبله إلا وكان من أمثالها ظهر على يده عليه الصلاة والسلام. فمرة معنى أن عيسى عليه السلام كان من آية الله التي جعلها على يده أنه يشفي المرضى باللمس، الأكمه والأبرص، وهذا قد وقع لنبينا، فكان صلوات ربي والسلام على ربما يأتيه الرجل قد فقئت عينه خرجت عينه إلى الخارج فيأتي نبينا فيردها بيده فترجع كما كانت. وهذا علي رضي الله تعالى عنه عندما مستضعف ينظر لشدة الرمد الذي في عينيه، فسأل عنه نبينا صلى الله عليه وسلم وأخبر بخبره، فأمر به فمسح على عينيه فرجع كما كانت، من لمسه صلوات ربي والسلام، مثل ما كان عند عيسى عليه السلام. قال: وحتى وما الذي عند نوح؟ عند نوح من آيات الله أن الله أمره بصنع صرح سفينة في رمل في مكان بعيد قفر، ثم بعد ذلك جاءت المياه وغمرت الأرض بما فيها إلا سفينة نوح. قالوا: وهكذا آتى الله هذه الآية لنبينا، وذلك في غزوة الخندق عندما أرسل الله الرياح العاتية الذي قلعت الخيام التي بناها الأحزاب ممن تخندق خلف المدينة خلف الخندق، فجاءت الريح العاتية فزلزلت عليهم الأركان وقلعت عنهم الخيام وقلبت عليهم القدور من كل مكان. حتى ما استطاع القوم أن يجلسوا للرعب الذي أصابهم، السؤال: أين هذه الريح من نبينا؟ لم تأتي عليه بشيء، وإنما مرت عليه بردا وسلاما، آية مثل ما جرى لنوح، ما غمرت الأرض كلها إلا سفينة نوح، ورياح عاتية أرسلها الله إلى كل الكفار إلا ما كان من نبينا ومصحابه رضي الله تعالى عنهم. فهذا قول المؤلف، وكذلك كثير من علماء ذكرنا: ما من آية أوجدها الله للأنبياء قبله إلا وجد من أمثالها في نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى في أتباعه، حتى في أتباعه من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، من لربما تظهر آيات من جنس ما ظهرت للأنبياء قبلهم. قال رحمه الله تعالى: فما من معجزة كانت لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم أعظم منها في بابها، فمن المحسوسات إنشقاق القمر، هذه آية عظيمة جاء ذكرها في القرآن: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، هذا أمر طلبه طلب كفار مكة طلب من رسول الله آية وهو أن ينشق عنهم القمر. فإذا بالقمر بعدما دعا نبينا ربه فإذا بالقمر ينشق إلى فلقتين إلى فلقتين كل فلق على رأس جبل، حتى قال نبينا في حديث: «اشهدوا اشهدوا اشهدوا على هذه الآية»، وفي بعض الروايات قال: حتى أن حراء ظهر بينهما، يعني دلالة على أن هذا الانشقاق ليس بتخيل بل انشقاق حقيقي. قال: وحنين الجذع كما جاء في الصحيحين، عندما كان من أمر نبينا أن يصعد في خطبه إلى جذع نخلة فيصعد عليه، فإذا بالأنصار ومن كان من أصحابه شاوروا نبينا في أن يصنعوا لهم منبر من خشب أفضل من هذا الجذع، فوافقهم نبينا على هذا المقترح. فأتى الأنصار بمنبر من ثلاث درجات فأدخل المسجد، فلما ارتقى عليه نبينا إذ بعويل وبحنين وببكاء يعج من داخل المسجد، إذ بهذا البكاء وبهذا الحنين كان من جذع نخلة، صدر من رسول الله، وكان هذه آية من آيات الله سمعها من حضر ذلك المكان أو ذاك الواقعة. قال: ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، نبع الماء كذلك في أكثر من قصة، منها ما وقع في حذيفة في الحديبية، عندما قل الماء ولم يكن الماء معهم إلا ما عند نبينا ركوة وعاء صغير. فاجتمع الناس فسألهم نبينا عن سبب اجتماعهم، قالوا: ليس عندنا ماء للوضوء نتوضأ به ولا ماء للشرب إلا ماء الذي عندك، فحينها وضع نبينا يده وأصابعه في هذه الركوة ودعا، فإذا بالماء يخرج من الوعاء كأنه العيون تتفجر عيون. فاستقوا منه فشربوا وتوضأوا، وكذلك جعلوا في ماذا؟ في زادهم، وكم كان عددهم؟ فوق ألف، فوق ألف من الجيش، وكلهم ارتووا إلى آخرهم، وهذه آية من آيات رسول الله الذي أعطاها ربنا له. قال: وكلام الذراع وتسبيح الطعام، كلام الذراع المسمومة التي سممت، فأعطيت وهي ذراع مشوية، ذراع مشوية، فأراد أن يأكل منها فتكلمت: «لا تأكلني فإني مسمومة»، ثم تركها نبينا، وهكذا تسبيح الطعام كما جاء في البخاري. قال الصحابة: «كنا نسمع تسبيح الطعام بين يدي رسول الله وهو يأكل»، فكان الطعام يسبح، وكان يسمعه ليس فقط نبينا بل كان السماع عند من كان بجواره عليه الصلاة والسلام، قال: وغير ذلك، وهي كثيرة جدا، ويرجع في ذلك ما يسمى بدلائل النبوة. قال: وغير ذلك مما تواترت به الأخبار الصحيحة، وهنا مسألة نرجع الآن إلى التعريف حتى نعرف الضعف الذي وقع فيه من أراد أن يضبط لفظ المعجزة، فعلى هذا الذي ذكرنا ما يتعلق بنبع الماء وكلام الذراع وتسبيح الطعام. هل هذا يسمى معجزة؟ هذا على التعريف ما يسمى معجزة، لماذا؟ لأن قد ذكرنا أن المعجزة من شروطها مقرونة بالتحدي، مقرونة بالتحدي، وهذه ما فيه تحدي، ما فيها تحدي، إنما شيء ظهر، شيء ظهر بين يدي رسول الله. حنين الجذع هل فيه تحدي؟ هنبي قال: «يا كفار أتحداكم بأن الجذع ينطق»، ما تحداهم، هل تحدى الكفار في حديبية أن يروا إلى هذا الماء الذي ينبعث من بين أصابع؟ ما تحداهم، إذن على قول أولئك الذين فسروا بأن المعجزة لابد فيها من تحدي، فهذه ما تسمى معجزات. لهذا يخرجونها، كيف نخرجها؟ إذن أفضل أن نعدل لفظ المعجزة ونسميه لفظ الآية، لفظ الآية، الآية هي الآية البينة الواضحة التي فيها دلالة على صدق نبوته، وهذا كله يدخل في صدق نبوة القرآن، وانشقاق القمر، وتسبيح تسبيح الطعام، وكلام الجمادات، هذا كله يسمى آيات. فتجد أن لفظ الآية مع أنه لفظ شرعي جاء ذكره بالقرآن والسنة هو كذلك لفظ عام يشمل كل ما آتاه نبينا صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان الأفضل الاقتصار على لفظ الآية، قال رحمه الله تعالى: ولكنها كغيرها من معجزات الأنبياء التي انقرضت بانقراض أعصارهم. كل المعجزات التي ظهرت في زمن نبينا وما كان من جنس الأنبياء قبلنا ذهبت هذه الآيات البينات الذي أوتيها، قال: لكنها كغيرها من معجزات الأنبياء التي انقرضت بانقراض أعصارهم، ولم يبق إلا ذكرها، وإنما المعجزة الباقية الخالدة هي هذا القرآن الذي لا تنقضي عجائبه. ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، نعم هذه المعجزة الذي كتب الله لها الخلود حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يأتي قرب الساعة فيرفع الله القرآن من المصاحف ومن الصدور ومن الصحف كما سيأتي بيانه. فهذه الآية التي باقية إلى قيام الساعة، وسأتي إن شاء الله في سؤال المؤلف رحمه الله فيما سيأتي عما يتعلق بمعجزة القرآن، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.