شرح أعلام السنة المنشورة  120

شرح أعلام السنة المنشورة 120

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 120، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أنواع الشفاعة

يتناول المقطع الأول أنواع الشفاعة التي أعطاها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويذكر ثلاثة أنواع منها. ثم توسع المقطع الثاني والثالث في شرح أنواع الشفاعة يوم القيامة.

تفصيل أنواع الشفاعة يوم القيامة

تحدث الشيخ عن أنواع الشفاعة يوم القيامة، ومنها الشفاعة لأهل الكبائر، والشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة. كما شرح ابن القيم ست شفاعات أوردها المؤلف.

خاتمة وتأكيد على وجود النصوص الدينية

المقطع الأخير يشير إلى وجود نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تؤيد ما سبق ذكره، ويختتم بالصلاة على النبي ودعاء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كم أنواع الشفاعة؟ وما أعظمها؟ في هذا الباب سيبين مؤلفنا رحمه الله تعالى شيئا من أنواع الشفاعة، لأن الشفاعات متعددة، لها صور متنوعة، فأراد رحمه الله تعالى أن يدلل على أهم الشفاعات التي أعطاها نبينا صلى الله عليه وسلم. وأنظار العلماء تختلف في تحديد كمية الشفاعات التي أعطاها نبينا صلى الله عليه وسلم، بين ما اختص بها لنفسه، وبين ما شاركه معه غيره، ومن هنا اختلفت تصاريح العلماء في تعداد شفاعاته عليه الصلاة والسلام. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن الشفاعات المعقودة لنبينا عليه الصلاة والسلام هي عبارة عن شفاعتين، كما صرح بذلك ابن عطية رحمه الله تعالى في تفسيره، ومنهم من ذهب إلى أنها ثلاث شفاعات، كما صرح بذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الواسطية، والقاضي عياض رحمه الله تعالى عددها، وأوصلها إلى خمس شفاعات. والإمام القرطبي، كما في كتاب التذكرة، ذهب إلى أنها ست شفاعات، والإحافظ الحكمي في هذا الفصل الذي أعده للإجابة على هذا السؤال هو أوصلها كذلك إلى ست شفاعات، ومنهم من زاد على ذلك، كما فعل ذلك شارح الطحاوية ابن عبد العزيز الحنفي رحمه الله تعالى، أوصلها إلى ثمان شفاعات، هذه التي تكون يوم القيامة. فنبدأ أو نذكر ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، قال: أعظمها الشفاعة العظمى، إذن هذه الأولى، وبدأ بالأعظم، وهي المسماة بالشفاعة العظمى. وطبعا الشفاعات إخواني في الله مبحث آخر من حيث النظر، يعني إما أن تبحث الشفاعات من حيث تعديد الجملة، أو ذكر الشفاعات من حيث اختصاص النبي بها، بما تميز بها عن غيره، أو بذكر الشفاعات التي اتفقت عليها الأمة والملة. لأن هذه الشفاعات التي سيأتي ذكرها ليس جميعها متفق عليها بين أهل الإسلام، لا إشكالية عند أهل السنة في إثباتها وإثباتها على ما صحت به الأدلة، لأن المبتدعة من الخوارج والوعيدية كالمعتزلة ألغوا الكثير من الشفاعات، وخاصة التي لها تعلق بالجنة والنار، ألغوا مفعول الشفاعة. وقالوا: لا ينفع من كان عاصيا، من كان فاجرا، قال: هذا كافر، فلا تنفع شفاعة الشافعين، فحكموا على أصل المسألة، وبنوا الحكم على الشفاعة، لما رأوا أن صاحب المعصية كافر، إذا لا تنفع شفاعة الشافعين، فكيف يخرج من النار؟ ما يخرج من النار أحد، فألغوا الشفاعات المتعلقة بإخراج أناس من النار، ألغوها جملة وتفصيلا. وفي بعض الشفاعات وافق أهل السنة، كالشفاعة العظمى، هذا بالاتفاق، ما قال فيه أحد، لا من أهل السنة ولا من أهل البدع، الكل أقر بها، لأن في ذلك بيان لمنزلة محمد عليه الصلاة والسلام، فاتفق الجميع عليها. قال رحمه الله تعالى: أعظمها الشفاعة العظمى في موقف القيامة، في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء بين عباده، وقد مر معنا ما يتعلق بهذا المبحث من ذكر طول القيام الذي سيصيب الخلائق في ساحة الحشر. قال: وهي خاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، وقد جاء ذلك مصرحا به في سنن الترمذي، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن قوله عز وجل: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، فقال نبينا: «هي الشفاعة، هي الشفاعة». وذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، وسمي هذا المقام المقام المحمود، لأنه يُحمد عليه عليه الصلاة والسلام، يُحمد على هذا الصنيع جميع الخلق، تحمده صلوات ربي وسلامه عليه. قال: وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف، وطال المقام، واشتد القلق، وألجمهم العرق، التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم، فيأتون آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى بن مريم، وكلهم يقول: نفسي، نفسي، إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أنا لها»، كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما. فهذه الشفاعة العظمى، الشفاعة الكبرى التي تميز بها نبينا عليه الصلاة والسلام، أن تنتهي إليه، وذلك رجاء أن يشفع في ربه لكي يعجل في فصل القضاء، بعدما يطول مكث الناس وهم قياما في ساحة الحشر. قال: الثانية الشفاعة في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأول من يدخلها من الأمم أمته، وهذه الشفاعة الثانية. وذكر من ذكر أن هذه كذلك خاصة مما اختص به نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه يشفع في فتح باب الجنة، فهو أول من يفتح باب الجنة عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الصحيح، في صحيح مسلم، قال: «أنا أول الناس يشفع في الجنة»، فهذا دليل على أولويته، وأنه هو الذي يستفتح باب الجنة، وأمته على إثره. فإن أمة محمد هي أول الأمم دخولا إلى الجنة، يجعلها ربنا عز وجل لها مزية عندما تجتمع الخلائق من الأديان والملل والأمم، فإن الله ينادي بهذه الأمة: أين النبي الأمي وأمته؟ فيأمرهم ربنا بتعجيل الحساب، إذ أنهم من أول الأمم حسابا، أول الخلائق يحاسبون يوم القيامة هي أمة محمد، فإذا فرغوا من الحساب، يكون أول من يدخل الجنة. قال: الثالثة إذن الشفاعة الأولى هي الشفاعة العظمى لفصل القضاء، الشفاعة الثانية هي الشفاعة لدخول الجنة، قال: الثالثة الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها، هذا نوع من أنواع الشفاعات، قوم كان القضاء، وكان الأصل فيهم الدخول إلى النار بسبب أعمالهم وإجرامهم، فتأتي الشفاعة تحول بينهم وبين دخولهم إلى النار، فتأتي شفاعة الشافعين، شفاعة نبينا عليه الصلاة والسلام، فيشفع في هؤلاء أن يدخلوا النار، أن لا يدخلوها، فيدخل الجنة. نعم، ابن القيم رحمه الله تعالى تأنى فيها، كما في تهذيب السنن، وقال رحمه الله تعالى معلقا على هذا النوع: «وكثير من الناس عبر بهذا أن كثير من الناس من يذكر هذا النوع من أنواع الشفاعة في قوم أمر بهم أن يدخلوا النار أن لا يدخلوها»، قال: «ولم أقف عليها على دليل، ولم أقف عليها على دليل»، أي دليل خاص بهذه المسألة، بهذه الصورة أنهم أريد أن يدخل بهم فلم يدخلوا، لا، طبعا العكس موجود، في أقوام دخلوا ثم أخرجوا، هذا بكثرة الأدلة متكاثرة في هذا، لكن لا في هذه الحيثية، قرر عليهم الدخول ثم لا يدخلوها، فهذه مسألة تريث فيها ابن القيم لعدم وجود دليل. وإن كان كثير من العلماء يثبتونها، ويسعفهم في هذا الباب ما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، شفاعتي، وهذا حديث صحيح، ذكره شيخنا مقبل في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، فنبينا عمّن أن شفاعته هي نائلة لكل صاحب كبيرة. طيب، اختلف العلماء على ماذا يحمل؟ قال: يحمل على هذه المحامل، إما يحمل على أن هذه الشفاعة في أناس من أهل الكبائر هم في النار أخرجوا بشفاعته، أو أن الناس هم من أهل الكبائر قرر أن يدخل بهم إلى النار، فحالت الشفاعة دون دخولهم، فالحديث يسعف هذا ويسعف هذا، فهذا دليل عام. وإن الأمر كما قال ابن القيم، ليس هناك دليل صريح بهذا النص حول هؤلاء، ولكن كثير من العلماء وقد عبر بهذا أن كثير من الناس يذكره من ضمن الشفاعات، فاستدل العلماء، وخاصة الكثير منهم، بهذا الحديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، فأهل الكبائر تنالهم الشفاعة، قد يكون بعد النار، ويمكن أن تكون قبل أن يدخلوا إلى النار، كما فعل المؤلف رحمه الله تعالى، هم، وكثير من العلماء يذكرونها من ضمن شفاعاته عليه الصلاة والسلام. قال: الرابعة فيمن دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها، وهذا قد دل عليه الأدلة الكثيرة، مر ذلك معنا، كيف أن نبينا يأتي إلى ربه فيخر له ساجدا، فيحمد ربه بمحامد يفتحه ربنا عليه، ثم يقال: ارفع رأسك واشفع، يشفع فيحد له حدا فيشفع، وهكذا يشفع، وهكذا يشفع، في أناس كانوا من أهل النار، لكنهم من أهل التوحيد الخلص، ما تلبسوا بشائبة الشرك، وما كانت عندهم شيء من صور الجاهلية والوثنية. نعم، وقع منهم أخطاء في أعمالهم، في سلوكهم، وأقوالهم، لكن من حيث التوحيد لا، وبهذا يدلك يا عبد الله على أهمية التوحيد، فلا تستهون من أمره، ولا تستحقر من شأنه، بعض الناس يمل ويكل: توحيد، توحيد، إلى متى؟ إلى أن تموت يا عبد الله. والله لو مت وأنت موحد لله، فاحمد الله، احمد الله أن جعلك الله موحدا، ما جعلت لله شريكا، ولو أتيت بذنوب الأرض، خطايا، ينفعك التوحيد، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، قراب ملء الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، أتيتك بقرابي مغفرة». انظر يا عبد الله إلى عظم التوحيد، لا تستهن بأمره، كن يا عبد الله موحدا في أقوالك، في أفعالك، في اعتقادك، في سلوكك، ومن يا ترى الذي حقق التوحيد؟ لا تظن أن التوحيد هي: لا إله إلا الله، تنطق بها، تدندن بها، هذه الكلمة تحتاج إلى شروط، تحتاج إلى قيود، تحتاج إلى أعمال القلوب. من هذا الذي يعتقد بأن الله ربه حقا وصدقا، فيصرف جميع العبادات لله؟ لو أن أحدنا فتش في نفسه لوجد أن هناك أشياء تنازعه: حظ النفس، مصالح الدنيا، رياء، سمعة، لربما يريد شيئا من ربه مقابل شيئا من حظ الدنيا، ليس خالصا لتعبد لله. ولهذا ما منا، وإلا ما منا، وإلا فلا تستهين يا عبد الله بأمر التوحيد، قال: الرابعة فيمن دخلها من أهل التوحيد أن يخرجوا منها، فيخرجون قد امتحشوا، وصاروا فحما، هؤلاء ناس من أمة محمد دخلوا النار، لكنهم من أهل التوحيد، فجاءتهم الشفاعة، أخرجتهم بعدما امتحشوا. والمحش هو إحراق الجلد، أي أصابتهم النار، أكلتهم النار، لأنهم دخلوا جهنم، ودخلوا النار والعياذ بالله، فعذبوا، فجاءت الشفاعة بعد ذلك، وانتشلتهم من نار جهنم، فامتحشوا، أي أخرج جلودهم، وصاروا فحما، تفحموا والعياذ بالله. قال: وصاروا فحما، فيطرحون في نهر الحياة، نهر الحياة، نهر الله أعلم به، لكن به تعاد الأجساد إلى شكلها وطبيعتها، قال: فيطرحون في نهر الحياة، فينبتون، كما تنبت الحبة في حميل السيل، حميل، أي الذي يحمل السيل، وهنا حميل، فعيل بمعنى مفعول، مثل قتيل بمعنى مختول، حميل بمعنى محمول. فالسيل عندما يحمل يحمل كل شيء، فتجد بعد ذلك في أطراف السيل تنبت هذه النباتات، مما حمله السيل، فينبتون في طرف النهر، ينبتون بعدما كانوا فحما، اسودوا واحترقوا، يرجعهم الله عز وجل إلى هيئتهم، أحسن ما كانت، بعدما خرجوا بشفاعة الشافعين. قال: الخامسة الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة، الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة، أي أن أناسا من أهل الجنة، لكن لهم رتبة، طبعا والجنة درجات، الجنة درجات متفاوتة، لربما بين الدرجة والأخرى كما بين الدرجة والنجم الغابر في الأفق. تنظر إلى نجم في السماء، نقطة، وهذا نجم أعظم من الأرض حجما، في علم الفلك يذكر أن النجوم في حجمها أكبر من الأرض، خذ، ويقول: وكيف نراها نقطة؟ لبعدها، لبعدها السحيق، الله أعلم كم تبعد عن الأرض، وهكذا درجات أهل الجنة، تجد الأعلى يفترق عن أخيه بهذه الدرجات، درجة عظيمة. أنت هنا، وبعدك فوق، وبعده بعده، إلى أن يصل إلى أعالي الجنة، قال: نبي إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، فالجنة لها درجات، فأخبر نبينا أو أخبر المؤلف رحمه الله تعالى أن من الشفاعة نوع من الشفاعة أنها تصل لمؤمن هو في درجة، فترفع من درجته، يشفع فيه من يشفع، فأن الله يرفع من درجته. الأصل أن أعمالك أوصلتك إلى هذا الحد، إلى هذه الدرجة، ثم ارتقيت بماذا؟ ارتقيت بشفاعة شافعين، جاءك من شفع فيك، فرفع قدرك عند ربك، وجعلك في الجنان العلا والدرجات العلا، قال: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة. وهذا النوع كذلك بعض العلماء تأنى فيه، من أين الدليل على أن هذا نوع من أنواع الشفاعة؟ ابن القيم هنا انبرى لهذه المسألة، وأتى بدليل، ابن القيم رحمه الله تعالى بعكس المسألة الماضية، اعترف أنه لا دليل فيها، أما هذا انبرى لها، قال: هناك دليل، وقال: إنه يمكن أن يستأنس بما ثبت عن نبينا أنه دعا لأبي سلمة رضي الله تعالى عنه، فقال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وارفع درجته». فذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا مما يستأنس به من أنواع الشفاعة، لأن الشفاعة عبارة عن طلب، قد برأ، الشفاعة عبارة عن طلب، فنبينا يطلب من ربه، ودعا ربه أن الله يرفع في درجات هذا الصحابي، وارفع درجته في المهديين، برفع الدرجات، فهذا كذلك مما يصح الاستدلال به. قال رحمه الله تعالى: وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا، ما هي الثلاث؟ هذه: رفع درجات أهل الجنة، التي قبلها: أن من دخل النار يخرج منها، والتي قبلها: في أناس قدر أن يدخلوا النار أن لا يدخلوها، هذه الثلاث ليست خاصة بنبينا، بخلاف الأولى والثانية، هي خاصة برسول الله، فدل على أن هناك شفاعة اختص بها نبينا، وبعضها يشاركه فيها غيره. قال المؤلف رحمه الله: وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن هو المقدم فيها، لكن له الجزء الأعظم، والنصيب الأوفر عليه الصلاة والسلام، فهو يدخل بكل أوتي عليه الله من فضيلة، ومن منقبة، فيشفع، وهو المقدم بين الأنبياء، وبين الرسل، وبين الخلائق. نعم، سيتاح المجال لعباد الله الصالحين في الشفاعة، لكن نبينا الحظ الأوفر عليه الصلاة والسلام، قال: ولكن هو المقدم فيها، ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط، أي الصغار، الفرط الصغير يشفع، يشفع لوالديه، يشفع لوالده. أتى الصغار هؤلاء ماتوا في المهد، فيشفع لآبائهم وأمهاتهم في دخول الجنة، وهكذا الشهيد يشفع في سبعين من أهله، من مات في سبيل الله، في قتال الكفار، ومات شهيدا محتسبا، فإن الله يعطيه منقبة ومناقب عديدة، ومن أعظم منقبة للشهداء أن يفتح له باب الشفاعة، يفتح له باب الشفاعة، فيشفع في سبعين من أهله. قال: فيشفعون، ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة، لا يحصيهم إلا الله، فيدخلهم الجنة، فتأمل يا عبد الله إلى سعة رحمة الله، أن يفتح المجال لأمثال هؤلاء من الصالحين فيشفعون، يشفع الملائكة، يشفع الأنبياء، تشفع الرسل، يشفع أهل الصلاح، يشفع الأخيار، فيشفعون لأناس كانوا من أهل النار، أو أناس قدر أن يدخلوا النار ألا يدخلوها. قال: السادسة الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، قال: وهذه خاصة لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، في عمه أبي طالب، كما في مسلم وغيره، نعم، هذه خاصة بنبينا، الأصل أن الكافر لا يستفيد من شفاعة أحد، تلغى عنه الشفاعة، لكن جاء الدليل ما يخصص هذا النوع، وهو خاص برسول الله، إذ أنه سأل ربه في أن يشفع لعمه، فشفعه الله فيه، فجعل عمه في ضحضاح من النار. ضحضاح أقل النار، يبلغ إلى كعبيه فقط، النار تبلغ إلى كعبيه، هذا عذابه، بالمقابل يغلى به دماغه والعياذ بالله، أنظر إلى أهول الناس عذابا من الكفرة، وهذا بعد شفاعة النبي لعمه، تصل به النار إلى كعبه، لكن أثرها يغلى منها الدماغ والعياذ بالله، لكن قبلت شفاعة نبينا في عمه، فخفف عنه من العذاب، وهذه خاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: فهذه إخوانا في الناس ست شفاعات أوردها المؤلف رحمه الله تعالى، إذن الشفاعة الأولى الشفاعة العظمى، الثانية في استفتاح باب الجنة، الثالثة في أقوام قدر أن يدخل النار أن لا يدخلوها، الرابعة من كان من أهل التوحيد دخل فيها أن يخرج منها، الخامسة في رفع درجات أقوام في الجنة، السادسة شفاعة خاصة في عمه. وهناك من أتى بالشفاعة السابعة، وهي في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم النبي فيدخلهم الجنة، هذا نوع من أنواع الشفاعة، ومن يدخلون في عموم قول نبينا: «جعلت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، فأدخل هذا النوع من أنواع الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم ما يعرفون ويسمون بالأعراف، هذا على أحد التفاسير في من هم أهل الأعراف. في هؤلاء قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم، ثم يأتي الأنبياء والرسل فيشفعون فيهم، فيشفع الله عز وجل فيهم، والشفاعة الثامنة وهو شفاعة عليه الصلاة والسلام في السبعين ألفا، في السبعين ألفا، واستدل من استدل بهذه المسألة بقوله: عندما قال: «يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بلا حساب ولا عقاب»، فقال رجل: يا رسول الله، أدعو الله أن يجعلني منهم؟ فقال: «اللهم اجعله منهم»، فهذه شفاعته، جعل، ما شفاعة لنبينا عليه الصلاة والسلام. وسنفتتح ثمان شفاعات على ما ذكره ابن عز الحنفي رحمه الله، وكما قلنا: ومنهم من قصر على ست، ومنهم من قصر على الخمس، ومنهم من جعلها اثنتين، والأمور في ذلك واسعة، لكن بما صح به الدليل كما رأيتم. قال رحمه الله تعالى: ولا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بالضم، قال: وعزتك، أي أن الجنة، النار تطالب: هل من مزيد؟ لعظيم سعتها، يطرح فيها الجميع: الكفرة والفجرة والفسقة وأهل النفاق، ولا زالت تطالب بالمزيد، فلا تسكت حتى يضع الرحمن جل في علاه، ويضع عليها الجبار قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط. وفي لفظة قط قط، أي: يكفي، يكفي، يكفي، يكفي، قال: ويبقى في الجنة فضل، وأما الجنة لا مع من يدخل فيها من الأمم والأديان والملل من أتباع الرسل، فيبقى فيها زيادة، يبقى في الجنة زيادة، قال: ويبقى في الجنة فضل، أي زيادة عن من دخلها، فينشئ الله تعالى أقواما فيدخلهم الجنة. قال: وفي ذلك من النصوص ما لا يحصى، فمن شاء وجدها من الكتاب والسنة، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.