الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 41، ألقاها
يناقش حكم الدعاء بطول العمر وآراء العلماء حول مشروعيته، حيث يختلفون بين المنع والجواز استنادًا إلى أحاديث نبوية وتفاسير مختلفة. يُذكر رأي الإمام البخاري في جوازه.
يستعرض المقطع الأدلة النبوية التي يستند إليها العلماء للقول بجواز الدعاء بطول العمر إذا كان يخدم مصالح الدين والدنيا، ويشير إلى أن الأفضل هو توجيه هذا الدعاء لطاعة الله.
يشرح المقطع كيفية التوفيق بين علم الله المسبق بالأعمار وبين مسؤولية الإنسان عن أفعاله، موضحًا أن القدر لا يتعارض مع إرادة الإنسان واختياره.
يتناول المقطع حدود ما يكلف الله به العباد، مشيرًا إلى أن الأوامر الإلهية تُراعي قدرات العباد وطاقتهم، مما يعكس رحمة الله بعباده.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: فإن قيل هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟ فالجواب أن ذلك غير لازم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة رضي الله عنها: «قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة» الحديث كما تقدم. فعلم أن الأعمار مقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له نافع فيه. ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي شرع، كما في الدعاء الذي رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم بعلمك الغيب، قدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي» إلى آخر الدعاء. ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث توبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء. ثم أما بعد، فقد تقدّم معنا في الدرس الماضي الكلام على شيء من التعليق على هذه الفقرة، ولكن الوقت قد ضاق علينا، فقلنا نؤجل الكلام على هذه المسألة إلى درس آخر، وهو درسنا اليوم بإذن الله جل وعلا. وقوله: «فإن قيل هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟» قال: فالجواب أن ذلك غير لازم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة رضي الله عنها: «قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة» الحديث. قال: كما تقدم، فعلم أن الأعمار مقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاح من عذاب الآخرة فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، إلى آخر ما تكلم. والمسألة هذه المسألة من حيث هي، أي مسألة الدعاء بطول العمر، تقدّم معنا أن العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا في هذه المسألة ثلاثة أقوال: منهم من قال بالمنع مطلقا، ومنهم من قال بالجواز مطلقا، ومنهم من قال بالتفصيل، أي بين من في بقائه نفع للإسلام وأهله وبين من ليس كذلك. وبعض أهل العلم حكى الكراهة، حكى الكراهة عن بعض أهل العلم، كما حكي ذلك عن إمام أحمد، كما حكاه غير واحد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. المسألة ها هنا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فكما سمعتم أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. والقائلون بالمنع استدلوا بأدلة منها حديث أم حبيبة رضي الله عنها، ومنها حديث ابن مسعود في دعوة أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاها بإطالة عمر الرسول وأبيها وأخيها. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: «قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة» الحديث إلى آخره. فقالوا: هذا الحديث فيه دلالة على أن هذا الأمر مفروغ منه، وما كان مفروغا منه فإذن لا يشرع فيه الدعاء. وبعض أهل العلم ذهب إلى الجواز، واستدل على ذلك بأدلة. وممن ذهب إلى الجواز، وظاهر قوله أنه ذهب إلى الجواز الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه؛ إذ أنه بوب بابا فقال رحمه الله تعالى في كتاب الدعوات: «باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة المال». فهذا دليل أو إلماحة من أن البخاري رحمه الله تعالى يرى جواز ذلك. وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى لهذه الترجمة حديثا وهو ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الأدب المفرد، وكذلك رواه الإمام ابن سعد في الطبقات من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، وفي حديث أم سليم حينما قالت: يا رسول الله، أنس خويد مك، فادع الله له. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال في دعائه: «اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره وأغفر ذنبه». والحديث صححه الحافظ ابن حجر رحمه الله، ثم العلامة الألباني رحمه الله. والحديث كما ترون نص في المسألة في جواز الدعاء بطول العمر. لذا قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة بعد أن ذكر هذا الحديث: «ففيه جواز الدعاء بطول العمر خلافا لقول بعض العلماء». قال: «ويؤيده أنه لا فرق بينه وبين الدعاء بالسعادة». بطول العمر يعني: بعض الناس قال: أن تقول: أسعدك، يعني: أسعد الله عمرك، أو بارك الله عمرك في الطاعة، في طاعته، جعل الله عمرك في ماذا؟ في الخير. فالكل يصب إلى مصب واحد، وهو أنه كما ذكر: إن كان يعني كما قال الشيخ رحمه الله: الشيخ الألباني قال رحمه الله: «خلافا لقول بعض العلماء، ويؤيده أنه لا فرق بينه وبين الدعاء بالسعادة ونحوها؛ إذ أن كل ذلك مقدر، فتأمل». واضح هذا. فالدعاء بطول العمر لا مانع منه، أي أنه لا ينافي القدر. واستدل كذلك هؤلاء العلماء بأدلة منها ما ذكرها هنا: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي» الحديث. ففيه الدعاء بالحياة وبطول العمر إذا كان فيه خير الدنيا والدين وصلاح الدنيا والدين. وكذلك مما استدل به هؤلاء المجيزون ما جاء في صحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه في قصة حينما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشتكي، فقال: يا رسول الله، يعني أراد أن يوصي بماذا؟ بماله كله صدقة. قال: «لا»، قال: «فالنصف»، قال: «لا»، فقال: «فالثلث»، قال: «نعم». جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عسى أن تمتع حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون». قال العلماء: معنى «عسى أن تمتع» معناه دعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم له بطول العمر. فقول «عسى أن تمتع» أي: عسى أن يطال في عمرك. وعسى من الرسول صلى الله عليه وسلم يكون هذا من هذا الباب. وأيضا مما يستدل به ما جاء أيضا من حديث سعد، أو من قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه في قصته مع ذلك الكوفين العبسي المشهورة الذي قال في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه: إنه لا يخرج في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يقضي بالعدل. فماذا قال سعد بن أبي وقاص ودعى عليه بماذا؟ قال: «اللهم أطل عمره». هل سيفعله سعد بن أبي وقاص إذا كان الدعاء بطول العمر لا يجوز؟ سيكون اعتداء. ثم كذلك كما تقدم معنا حديث أم حبيبة، أو دعاء أم حبيبة في حديث ابن مسعود لا يدل على المنع كما تقدم، وإنما غاية ما يقال بأنه يدل على الإرشاد للأفضل. فقالوا أيضا: فهذا يدل على أن الباب هو الباب، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الأفضل. لذا كان من بعض أهل العلم أن قال: إن الإنسان إذا دعا له بطول العمر أن يقال: أطال الله عمرك في طاعة الله؛ لأن فيه نفعا للإنسان في دينه ودنياه وأخراه. أطال الله بقاءك في طاعته، في البر، في الصلاح، في الإصلاح، في الخير، إلى غير ذلك. فالحاصل من هذه المسألة والله تعالى أعلى وأعلم هو ما سمعتموه من حيث الجواز: يجوز. ومن حيث الأفضلية: الأفضلية أن يدعو الإنسان بما يكون فيه نفع في دينه ودنياه وأخراه؛ لأن الآجال مضروبة. قال: وحديث عمار رضي الله عنه وأرضاه صحيحا كما ذكر الشيخ الباني رحمه الله تعالى. وحديث ثوبان: «لا يرد القدر إلا الدعاء» الحديث كما ذكر الشيخ الباني رحمه الله تعالى كذلك بأنه بأن الحديث حسن دون قوله: «وإن الرجل ليحرم الرزق» لأنه لم يجد له شاهدا، وهو كما قال رحمه الله تعالى. وقوله في الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء. وقد ثبت في الصحيحين عن نبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل». وهذا من هذا الباب، أي أن النذر ليس من الأسباب التي يحصل بها الخير. النذر أي ابتداء النذر وإلزام الإنسان نفسه بشيء نذرا لله جل وعلا يظن أن ذلك الشيء ينفعه أو يأتي بالخير، فإن ذلك لا يأتي بخير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج من البخيل». فالحاصل من هذا أن النذر كما ذكر ليس من الأسباب المشروعة في جلب الخير. بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يأتي بخير». فضل الله وعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض. وكذلك هو، أي أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض. كما تقدم يكون نافعا إذا كان في ما ينفع العبد في دينه ودنياه وأخراه، كما جاء في الحديث: «ولكن استعيذي بالله من عذاب القبر وعذاب النار» هذا دعاء نافع ومشروع. وقد يكون الدعاء غير نافع ولا مشروع، مثل الدعاء بقطيعة الرحم، الدعاء الذي فيه اعتداء، أو دعاء الأموات، أو ما شابه ذلك محرم وغير نافع بل ضار. فقوله رحمه الله تعالى: «وعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض». وكذلك هو، أي عائد على حال الدعاء: تارة يكون مشروعا نافعا، وتارة لا يكون مشروعا ولا نافعا. قال: وكان الإمام أحمد يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: «هذا أمر قد فرغ منه». وهذا في إشارة إلى أن الإمام أحمد كان يذهب إلى كراهة ذلك؛ لأن ذلك الأمر قد فرغ منه. بمعنى أن الدعاء في مثل هذا المقام، فالأولى والأفضل والأحرى أن يضاف إليه أن يقال: أطال الله عمرك على طاعته، وفي طاعته، وفي الاستقامة، وفي الصلاح، وما شابه ذلك ما يكون في نفع في دينه ودنياه وأخراه. أما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: «من عمره» إنه بمنزلة قوله: «عندي درهم ونصفه»، أي: ونصف درهم آخر. فيكون المعنى: لا ينقص من عمر معمر آخر. وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة. قال رحمه الله: وحمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ۖ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة. وأن قوله: «وعنده أم الكتاب» اللوح المحفوظ. ويدل على هذا الوجه سياق الآية: هو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي: من ذلك الكتاب. ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ. وهذا فيه المعنى الذي تقدم: أن الأجل أجلان: أجل مطلق، وهو ما كان مكتوبا في اللوح المحفوظ، وهو لا يغير ولا يبدل. والأجل الآخر المقيد، وهو ما كان في أيدي الملائكة. فما كان في أيدي الملائكة كما قال الله جل وعلا: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: عنده أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ فإنه لا يغير ما فيه ولا يبدل. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم». قال الشارح رحمه الله: فإنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. قال: وإن كان يعلم أنهم لا يردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾. قوله رحمه الله: «ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم» بمعنى أن الله جل وعلا علم ما كان وما سيكون إذا كان كيف سيكون، أي: على أي وصف سيكون، وفي أي زمن سيكون، وعلى أي حال سيكون، إلى غير ذلك من المعاني الدالة على علم الله جل وعلا، وعلى إحاطة علم الله جل وعلا بكل شيء صغيرا كان أو كبيرا، جليا كان أو دقيقا. قال رحمه الله: كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. قال: وإن كان يعلم أنهم لا يردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا. وفي هذه الآية إشارة إلى أن المستحيل لغيره ممكن في حق الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا جعله منافر لحكمته، فلأجل ذلك فلا يفعله الله جل وعلا. قال: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون. وهذا كذلك لو علم الله فيهم خيرا، ولكن الله جل وعلا ما علم فيهم خيرا؛ لذا ما أسمعهم. هو أسمعهم الخطابات بأصواتها، ولكنهم لم يوفقوا للهداية؛ لأنهم ليسوا أهلا لها. قال رحمه الله: وفي ذلك رد على الرافض والقدرية. قد يقول قائل: لماذا ذكر الرافض والقدرية مع أن عقيدة الرافض معتزلية، والمعتزلة قدرية؟ فالجواب: إما أن يقال: بأن هذا من باب ذكر الخاص وبعده العام. وإما أن يقال: بأن الرافضة ذكرت بالتنصيص؛ لأن الرافضة عندهم في هذا الباب عقيدة مشهورة معروفة بالبداء. قال الشارح رحمه الله: ذكر الشيخ الأمر والنهي بعد ذكره الخلق والقدر إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قوله رحمه الله: «وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته». قال الشارح: ذكر الشيخ الأمر والنهي بعد ذكره الخلق والقدر إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته. ومعنى هذا: أن كون الله جل وعلا علم ما سيكون إذا كان كيف سيكون، هذا لا ينافي ولا يمنع الإنسان أن يعبد الله جل وعلا كما أمره الله جل وعلا أن يعبده. ولا يقول: إذا كان الله جل وعلا علم مني أني سأكون مطيعا فسيسرني إلى الطاعة، وإذا علم مني أني سأكون عاصيا فأنا من أهل معصية، ولا أعمل شيئا. هذا كلام باطل. بل الله جل وعلا أخبر بأنه يعلم ما كان وما سيكون، وخلق في الإنسان إرادات، وخاطب الإنسان بما يعقل، وأمره بشيء يستطيعه، وأخبره أن من أطاع الله أدخله الجنة، وأن من عصى الله أدخله النار. إن هديناه النجدين، فأما من ثموت فهديناهم، فاستحبوا العمى على الهدى. فالله جل وعلا بيّن الطريقين، وأخبر أن للجنة أهلين، وأن للنار أهلين. فربنا جل وعلا بيّن الأمر، فلا تناقض ولا اضطراب بين الأمر وبين القدر. فالإمام الطحاوي رحمه الله تعالى أراد بهذه المسألة أن يلفت النظر إلى أنه لا تعارض ولا تناقض ولا اضطراب بين القدر الذي هو العلم المسبق، وبين ما أمر الله جل وعلا به العباد من أمر ونهي. أي: لا تناقض بين القدر والشرع. بل هذا بعلم الله جل وعلا، وهذا كذلك بعلم الله جل وعلا. والله جل وعلا أمر العباد بما يستطيعونه. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.