الدرس في شرح كتاب الزكاة 7، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام زكاة الحبوب والثمار، حيث تجب الزكاة في الحبوب عند اشتداد الحب وفي الثمار عند بدو صلاحها، ولا يشترط الحول لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
اختلف الفقهاء في زكاة الحبوب والثمار، حيث أوجب الحنابلة الزكاة في كل مكيل مدخر، بينما يرى أبو حنيفة وجوبها في كل ما يخرج من الأرض إلا الحشيش والحطب والقصب.
يشترط ملك النصاب وقت وجوب الزكاة، ويختلف مقدار الزكاة حسب طريقة سقي المحصول، فإذا سقي بلا كلفة ففيه العشر، وإذا سقي بكلفة ففيه نصف العشر.
إذا كان سقي الزرع بكلفة في غالب الأوقات، يجب فيه نصف العشر، أما إذا كان بغير كلفة في غالب الأوقات، يجب فيه العشر، والعبرة للأغلب في تحديد مقدار الزكاة.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف فقه الله: الباب الثالث في زكاة الخارج من الأرض، وفيه مسائل. فالمسألة الأولى: متى تجب؟ وذليل ذلك قال: الأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾. هذا دليل وجوب الخارج من الأرض، يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، وهذا عام في كل ما خرج من الأرض، لكن سيأتي معنا أن هذا العموم مخصوص، هذا العموم مخصوص بمدلول الدليل على وجوب الزكاة فيه. وقوله جل وعلا: ﴿من الأرض﴾، مما أخرجنا لكم من الأرض، «من» للتبعيض، باعتبار الجنس وباعتبار الفرد، أي: لا كل ما يخرج، ولا كل المخرج، فـ«من» مما أخرجنا، ومما أخرجنا لكم من الأرض، فيدل على أنه ليس كل ما يخرج من الأرض يجب الإنفاق منه. ولهذا كما قلنا سيأتي أن هناك أصناف يجب الإنفاق منها وإخراج الزكاة منها، وهناك أصناف لا تجب الزكاة فيها. قالوا: تجب الزكاة في الحبوب إذا اشتد الحب وصار فريكا، يعني قويا، تستطيع أن تفركه بيدك، يكون قوي، وتجب في الثمار عند بدو صلاحها، بحيث تصبح ثمرا طيبا يؤكل، ولا يشترط له الحول، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. قال: تجب الزكاة في الحبوب إذا اشتد الحب وصار فريكا، إذا اشتد الحب صار هذا فيه صلاحه، يكون صلاح الحب باشتداده وقوته، وفي الثمار عند بدو صلاحها، فتصبح ثمرا طيبا يؤكل. فالنخل مثلا يكون بدو صلاحه بالإحمرار والإصفرار، بالإحمرار والإصفرار، فإذا حمر أو اصفر فهنا بدأ صلاحه، هنا يبدأ الصلاح، وفي العنب أن يصلح للأكل، أن يكون صالحا للأكل. وإذا اشتد الحب وصار الثمر صالحا للأكل، تجب الزكاة، هنا تجب الزكاة فيه. فالحب كالبر والشعير، والثمر كالتمر والزبيب، تخرج الزكاة، طبعا بعد أن يبس التمر يصير تمرا، والعنب زبيبا. لكن لا يستخرج الوجوب، لا يستخرج وجوب الزكاة إلا إذا وضع في البيدر، البيدر: أي المكان الذي يجفف فيه الثمر، المكان الذي يجفف فيه الثمر. فإذا وضع في البيدر هنا يستخرج الوجوب، يستخرج وجوب الزكاة. طيب إذا تلف؟ إذا تلف هل تجب الزكاة فيه على المالك أم لا تجب؟ إذا تلف بعد بدو الصلاح، قبل أن توضع في البيدر، ولم يكن هناك تعدي أو تفريط من المالك، فتسقط عنه الزكاة، تسقط عنه الزكاة. الآن الثمر في شجره، النخل مثلا، ثمر في شجره قد بدأ يحمر ويصفر، فأصابته آفة وتلف، أصابته سيول فجرفته أو احترق أو شيء من أنواع الآفات، فهنا ليس عليه شيء؛ لأن وجوب الزكاة لم يستقر بعد لعدم وضعها في البيدر. وإذا تلفت بعد وضعها في البيدر، إذا تلفت بعد وضعها في البيدر، إذا تلفت بعد أن وضعها في البيدر، قال جماعة من أهل العلم: تجب عليه الزكاة، يجب عليه أن يخرج الزكاة، قالوا: لأن الوجوب هنا استقر، الوجوب هنا استقر بوضعها في البيدر، فتكون الزكاة دينا في ذمته، تكون الزكاة دينا في ذمته. وقال بعض أهل العلم: إن لم يحصل منه تعدي أو تفريط، فإنه لا زكاة عليه، وإن حصل منه تعدي أو تفريط، فعليه الزكاة، وتكون في ذمته دينا في ذمته. وهذا القول الثاني أقرب للصواب، أنه إذا لم يتعد أو يفرط فهنا لا تجب عليه الزكاة، وأما إن حصل منه تعدي أو تفريط فهنا تجب عليه الزكاة. قال: فتجب الزكاة في كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار، كالحنطة والشعير والذرة والأرز والتمر والزبيب، ولا تجب في الفواكه والخضروات. فالمكيل لكون النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر التوسيق فيه، وهو التحميل، والمدخر لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه. وعلى هذا فما لم يكن مكيلا ولا مدخرا من الحبوب والثمار فلا زكاة فيه. يقول: تجب الزكاة في كل مكيل مدخر، يعني كل ما يكال، كل ما يكال ويدخر، يعني يحفظ، يحفظ هذا من الحبوب والثمار، ففيه الزكاة، كل ما يكال ويدخر من الحبوب والثمار ففيه الزكاة. الحبوب كالحنطة والشعير والذرة والأرز، هذه حبوب تكال وتدخر، قال: فيه الزكاة، والتمر والزبيب من الثمار التي تكال وتدخر، ففيها الزكاة. وجعل العلة في وجوب الزكاة في البر والشعير والتمر والزبيب هو الكيل والادخار، كونها مكيلة تكال، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ليس فيما دون خمس أوسق صدقة»، ليس فيما دون خمس أوسق صدقة، والوسق هو حمل، حمل بعير، حمل بعير، وقدره ستون صاع، قاله. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب الزكاة في الحبوب والثمار كونها مما يحمل، مما يحمل، وهذا مما يكال، يعني جعله شيء يكال ويقدر، فتكون هذه العلة في وجوب الزكاة كونه مكيلا. وأما الادخار قالوا: فهذا معنى مناسب لإيجاب الزكاة، كونه يدخر ويحفظ، فإذن نحن نوجب الزكاة في كل ما يدخر ويحفظ من الحبوب والثمار. هذا القول أما بخصوص الفواكه والخضروات فلا زكاة فيها؛ لأنها تختلف في الكيل أو في الوزن، غالبا أنها توزن، وبعضها تعد ولا تدخر، لا تدخر، ولم يأتي دليل على وجوب الزكاة فيها، لم يأتي دليل على وجوب الزكاة فيها. هذا القول بأن وجوب الزكاة في كل مكيل مدخر قول الحنابلة، قول الحنابلة. وهناك أقوال أخرى، مثلا قول أبي حنيفة: يقول يجب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض، يجب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض إلا ثلاثة: الحشيش والحطب والقصب، هذه لا زكاة فيها عند أبي حنيفة، الحشيش والحطب والقصب لا زكاة فيها، وأما غيرها ففيه الزكاة، أما غيرها ففيه الزكاة. وعند مالك والشافعي: لا زكاة في الحبوب إلا ما كان قوتا، يعني ما كان يقتات ويوكل، وأما الثمار فلا زكاة عندهم إلا في التمر والزبيب. وهنا قول آخر: أنه لا تجب الزكاة إلا في أربعة أصناف من الحبوب والثمار، لا تجب الزكاة إلا في أربعة أصناف من الحبوب والثمار، من الحبوب: الشعير والبر، وفي الثمار: التمر والزبيب، ولا تجب الزكاة في غيرها، ولا تجب الزكاة في غيرها من الحبوب والثمار. والدليل حديث «بموسى ومعاذ» رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بعثهما إلى اليمن أمرهما ألا يأخذ من الزكاة، ألا يأخذ من الزكاة مما يخرج من الأرض إلا من هذه الأربعة الأصناف: البر والشعير والزبيب والتمر. والحديث رواه من أبي شيبة والحاكم والدار قطني وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا الحديث يدل على أن الزكاة تجب في هذه الأصناف الأربعة، في هذه الأصناف الأربعة، مع أن هناك أصناف أخرى كانت تزرع، ومع ذلك لم يأمر عليه الصلاة والسلام إلا يعني بإخراج الزكاة أو أخذ الزكاة إلا من هذه الأربعة فقط. فإن كانت الزكاة تجب في غيرها لبينه النبي عليه الصلاة والسلام، لبينه عليه الصلاة والسلام. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، إذن يدل هذا على أن الزكاة لا تجب إلا في هذه الأصناف الأربعة. وهذا القول قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما ذكره أبو عبيدة في كتاب الأموال عنه. وكذلك أيضا روي عن الحسن البصري وابن سيرين وابن أبي ليلى وابن المبارك والثوري والشعبي. وأيضا رجح ابن حزم والشوكاني والعلامة الألباني، فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى وجوب الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، وهو أيضا قول شيخنا الوادعي رحمه الله على ما دل عليه حديث «بموسى ومعاذ». وأما العلة فمختلف فيها، ولهذا اختلف العلماء في تحديد العلة التي توجب الزكاة في هذه الأصناف إلى أقوال متعددة، فنبقى على ما دل عليه النص. قال: مسألة الثانية: شروطها. قال: يشترط لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار شرطان: الأول: بلوغ النصاب، وهو خمسة أوسق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، يعني أن تبلغ هذه الحبوب والثمار خمسة أوسق حتى تجب فيها الزكاة إذا حصد الزرع. طيب بعد أن ينقيه ويصفيه، الحب مثلا البر بعد تنقيته وتصفيته ينظر كم يبلغ، إذا بلغ خمسة أوسق فما زاد ففيه الزكاة، ففيه الزكاة، ففيه الزكاة. والتمر يخرص وهو في رؤوس النخل، فإذا كان يصل إلى خمسة أوسق فما زاد ففيه الزكاة. لكن الزكاة تخرج تمرا. قال: الوسق حمل البعير، وهو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، الوسق ستون صاع، الوسق الواحد ستون صاع بصاع النبي عليه الصلاة والسلام. وصاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد بملء كفي الرجل المعتدل أربع مرات. قال: وخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، خمسة أوسق ثلاثمائة صاع، عندنا الوسق ستون صاع، إذا ضربنا هذه الستين بخمسة فالجواب ثلاثمائة، الجواب ثلاثمائة، فيكون نصاب الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع، إذا بلغت الحبوب والثمار ثلاثمائة صاع ففيها الزكاة. قال: فيكون زنة النصاب بالبر الجيد ما يقارب ستمائة واثني عشر كيلو جراما، على اعتبار أن وزن الصاع اثنين وأربعين كيلو جرام، كيلوين وأربعين كيلو جرام، يعني قدر ثلاثة كيلو إلا ثلث. لكن إذا اعتبرنا أن الصاع كما ذكر اثنين فاصل أربعين، سيكون أن النصاب سيكون اثنين وسبعين كيلو، سيكون اثنين وسبعين كيلو. ولا أقصد سيكون قدر سيكون قدر ثلاثمائة صاع، باعتبار أن الصاع اثنين فاصل أربعين، سبعمائة وعشرين كيلو، سيكون سبعمائة وعشرين كيلو، ليس ستمائة واثني عشر، سيكون سبعمائة وعشرين كيلو، وسيكون العشر سيكون العشر اثنين وسبعين كيلو، العشر اثنين وسبعين، ونصف العشر سيكون ستة وثلاثين كيلو، هذا الاعتبار الصاع بالوزن، والاعتبار بالكيل العبرة هو بالكيل. لكن لو أراد أن يزنها أو يخرج بالوزن، فإذا اعتبرنا الصاع كما ذكر اثنين فاصل أربعين كيلو جرام، سيكون النصاب سبعمائة وعشرين كيلو جرام، إذا بلغ الحبوب أو التمر هذا المبلغ ففيه الزكاة، يكون قد بلغ النصاب. قال: ثانيا: أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة، أن يكون النصاب مملوكا له وقت وجوب الزكاة. ما معنى هذا؟ يعني إذا ملك النصاب بعد وجوب الزكاة فلا زكاة عليه، إذا ملك النصاب بعد وجوب الزكاة فلا زكاة عليه. وذلك مثل اللقاط، اللقاط التي يلقط الساقط من التمر، يلقط الساقط من التمر، في كثير من بعض البلاد يأتي أناس ما عندهم نخيل، وهذا رأيناه في سقطرة، أناس ما عندهم نخيل، فإذا جاء وقت الخريف يأتون ويسكنون بجانب النخيل ويأخذون ما يسقط من الأرض، فربما يجد الكثير حتى يبلغ النصاب مما يأخذه أو يعطاه يبلغ النصاب، هل عليه زكاة؟ الجواب: لا، ليس عليه زكاة، لماذا؟ لأن وقت وجوب الزكاة لم يكن مالكا للنصاب، وإنما الزكاة على مالك التمر، على صاحب النخل، الزكاة على صاحب النخل. وهذا اللقاط الذي يلتقط الساقط فبلغ ما التقطه النصاب فليس عليه زكاة. قال: المسألة الثالثة في مقدار الواجب. قال: والواجب في الحبوب والثمار العشر فيما سقي بلا كلفة، بأن كانت عثرية، عثرية يعني يعثر على الماء بنفسه لطول عروقه أو قرب الماء منه. قال: أو تسقى بماء العيون، هناك ماء عيون نابعة، فتسقي هذا الزرع وهذه الأشجار، فهذا فيه العشر، ونصف العشر فيما سقي بمؤنة، يعني بكلفة وتعب ومشقة، بأن كانت تسقى بالدلاء والسواني، بالدلاء: يعني بالدلاء، يعني بالدلو، يأخذ مثلا من البئر ينزح الماء من البئر ويسقي هذا، يجب عليه نصف العشر. والسواني هي الإبل التي يسقى بها الماء، كانوا في ذاك الزمن يؤتى بالإبل فتسقى بها الماء من البئر ثم يسقى بها الزرع، فإذا كان بالدلاء والسواني ونحوها مما فيه كلفة ومشقة كالمكائن، مكائن، مكائن الضخ هذه، فهذا أيضا مما فيه كلفة، فهذه فيها نصف العشر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر، وفيما سقيا بالسواني أو النضح نصف العشر». والحديث في البخاري من حديث ابن عمر، فيما سقت السماء: يعني بالأمطار والثلج والبرد، والأنهار الجارية، والعيون النابعة، أو كان بعلا: يعني يشرب بعروقه كالنخل، هذا يجب فيه العشر. وفيما سقيا بالسواني أو النضح، النضح: يعني الإبل التي يسقى بها، ثم النواضح، نصف، نصف العشر. إذا الذي يسقى من غير كلفة ففيه العشر، يجب فيه العشر. كم العشر الآن؟ علمنا النصاب كم النصاب؟ ثلاثمائة صاع، النصاب ثلاثمائة صاع، العشر سيكون كم؟ ثلاثين صاع، العشر ثلاثون صاعا، إذا كان يسقى من غير تعب ولا كلفة ولا مشقة فالواجب عليه ثلاثون صاع. وإذا كان بكلفة ومشقة فنصف العشر وهو خمسة عشر صاع، نصف العشر وهو خمسة عشر صاعا. طيب إذا كان نصف سنة بكلفة ونصف سنة بغير كلفة، نصف سنة مثلا يسقى بالأمطار ونصف سنة يسقى بكلفة بالدلاء والسقى، أي سقى من البئر، فكم الواجب؟ الواجب ثلاثة أرباع العشر، وهذا بإجماع العلماء، الواجب ثلاثة أرباع العشر. وإذا كان أحيانا بكلفة وأحيانا بغير كلفة، أحيانا بكلفة وأحيانا بغير كلفة، ينظر إلى الأكثر والأغلب، فإذا كان الأغلب بكلفة فإنه يجب فيه نصف العشر، يعني مثلا إذا كان ثمانية أشهر بكلفة، ثمانية أشهر بكلفة، وبقية الأشهر أربعة أشهر بغير كلفة، هنا يجب نصف العشر، العبرة للأغلب، تكون العبرة للأغلب، والذي يقل يكون تبعا. وهكذا العكس إذا كان ثمانية أشهر من غير كلفة بالأمطار، وأربعة أشهر بالسقي والكلفة، فيكون فيه العشر. طيب ننتهي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.