شرح السنة للإمام البربهاري 51

شرح السنة للإمام البربهاري 51

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 51، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إثبات صفات الله تعالى السمع والبصر

يشرح إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى بالأدلة القرآنية. موقف أهل السنة والجماعة من إثبات هذه الصفات من غير تأويل ولا تكييف.

إثبات صفات أخرى لله تعالى

يناقش إثبات صفة اليدين والعلم لله تعالى مستدلاً بالآيات القرآنية. يشرح كيفية الجمع بين الآيات المختلفة في صيغة الإفراد والتثنية والجمع.

بشارة العباد عند الموت

المؤمن يبشر بالجنة عند موته فيحب لقاء الله، بينما الكافر يبشر بالنار فيكره لقاء الله. يُحمل هذا على ردة فعل العبد على البشرى.

ختام الدرس والدعاء

ينهي الدرس بدعاء الله أن ينفع بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يؤكد أن الله تعالى أعلم.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مواصل إخواني في الله لما مضى ذكره وتم دراسته في هذه الرسالة المسماة بشرح السنة، يقول المؤلف البربهاري رحمه الله تعالى: والله تبارك وتعالى سميع بصير، سميع عليم، يداه مبسوطتان. قد علم الله أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم، علمه نافذ فيهم، فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام ومن به عليهم كرمًا وجودًا وتفضلاً، فله الحمد. في هذه الفقرة، أخواني في الله، مسائل لعل بعضها قد مر معنا في أوائل مبحث أو أوائل رسالة، ففيه إثبات لبعض الأسماء والصفات التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: والله تبارك وتعالى سميع بصير، سميع عليم، فيه إثبات لصفة السمع لله جل وعلا، ولدلة كثيرة مستفيدة في إثبات صفة السمع لله جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. فتلاحظ في هذه الآية جاءت مشتقات السمع: سمع، ويسمع، وسميع. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة السمع لله جل وعلا، ومعنى سميع: أي أنه سبحانه وتعالى يسمع المسموعات. وكابر المبتدعة وخالف الضلال، فلم يثبت صفة السمع لله جل وعلا، وإنما قالوا: السميع أي علمه أو إدراكه للمسموعات. وعلى منهج أهل السنة، فإنهم يثبتون هذه الصفة من غير تأويل ولا تكييف، فيقولون: السميع أي يسمع المسموعات. وفي قول المؤلف رحمه الله تعالى: بصير، كذلك فيه إثبات لصفة البصر، إثبات لصفة البصر. وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة لما قد تقرر ذكره في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. فربنا سبحانه وتعالى يرى، وهو بصير، ومعنى بصير: أي إنه يبصر المرئيات. وقوله: يداه مبسوطتان، كذلك هذه اللفظة هي مختبسة من كلام الله جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. فأثبت ربنا جل في علاه إثبات اليدين له ولجلاله، فنثبتهما من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف، فنثبت هذه الصفة ثبوتًا يليق بجلاله وبعظمته جل في علاه: يداه مبسوطتان. وقد جاءت التثنية: اليدين، في أكثر من موضع كهذه الآية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وهكذا في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فيه التثنية لصفة اليدين. وقد أجمع السلف على إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى، لكن قد يشكل بورود بعض الآيات التي جاءت فيها صفة اليد تارة على صيغة الإفراد وتارة على صيغة الجمع: تارة إفراد وتارة على الجمع. فحمل العلماء رحمه الله تعالى هذه الصيغ بمحمل جميل ليس فيه اضطراب وليس فيه تناقض. فعلى صيغة الإفراد، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، قال العلماء: هنا يد الله هذه يد، وهذه المفرد المضاف، والقاعدة الأصولية عند أهل الأصول أن المفرد المضاف يفيد العموم. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: قد علم الله أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم، علمه نافذ فيهم، فلم يمنع علمه فيهم أن هداهم للإسلام... إلى آخر ما ذكر في ذلك. علم الله السابق، إثبات لعلم الله السابق، فإن الله بكل شيء عليم، وإن الله جل وعلا قد علم بأعمال العباد قبل أن يخلقهم. علم بأعمال العباد قبل أن يخلقهم. وقد مر قريبًا في صحيح البخاري في قصة محاجة آدم مع موسى عليه السلام. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: وعلم أن البشارة عند الموت ثلاث بشارات: يقال: أبشر يا حبيب الله برضى الله والجنة، ويقال: أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار، ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام. هذا قول ابن عباس. هذه البشارات الثلاث التي يبشر بها العباد عند الممات، إما أبشر يا حبيب الله، أو أبشر يا عدو الله، أو أبشر يا عبد الله. أوردها المؤلف رحمه الله تعالى على أنه مما أثير عن ابن عباس، فالله أعلم بصحة هذا الأثر. لكن الذي ثبت في السنة الصحيحة، كما جاء في الصحيحين، أن المؤمن يبشر بالجنة، وأن الكافر يبشر بالنار. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكره الموت؟ فكلنا نكره الموت. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ليس كذلك، لكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه». إذن المؤمن عند موته يبشر عند موته يبشر برحمة الله، برضوان الله، بجنة الله. فإذا بشر المؤمن بهذه المعطيات فإنه يفرح بلقاء الله، فيفرح الله جل وعلا بلقاء المؤمن. ثم قال: «وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه». والعكس بالعكس، فالكافر والمارق والمنافق إذا بشر بغضب الله وبنار الله جل وعلا فإنه يكره لقاء الله لعلمه بما وعد به وأنه سيعذب بالنار، فلا يحب أن يلقى الله لعلم أنه إذا لقى الله سيلقى هذا الجزاء، فيكره لقاء الله، فيكره الله جل وعلا لقاءه. إذن يُحمل هذا الحديث على ردة فعل العبد على بشرى. فالمؤمن يُبشر برحمة الله ورضوانه وجنته، وأما الكافر يُبشر بغضب الله وسخطه وناره. فهناك لفظة في قول أثر ابن عباس على صحة هذا أثر ويحتاجها نظر ببعض الروايات، قال: ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام. هناك لفظة: بعد الانتقام، أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الانتقام. هنا إذا صحت هذه اللفظة سيُزال إشكال، وله توجيه. فتكون عندنا البشارات ثلاثة: أبشر يا حبيب الله برحمة من الله وجنته، والثاني: أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار، والثالث: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الانتقام. على هذه اللفظة صحة لفظ الانتقام، فيُحمل هذا الأثر على اختلاف النداء، واختلاف النداء على حسب مقامات العبودية. فالناس على ثلاثة: فعندنا السابق والمقتصد، وعندنا الظالم لنفسه، وعندنا الكافر، ويدخل فيه المنافق. فأمام مقام العبودية على مقام الناس في العبودية. إلى هنا، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.