المحاضرة بعنوان أعمال يجد بها المسلم طعم الإيمان، والتي كانت بمسجد عبدالرحيم بالحوطة بالشحر يوم الجمعة 17 صفر 1448هـ الموافق 31 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع مفهوم حلاوة الإيمان وطعمه في قلب المؤمن مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال السلف. ويبين أن الرضا بالله رباً والإيمان بالقدر خيره وشره من أعظم أسباب ذوق هذه الحلاوة.
يشرح المقطع معاني الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً مستلزماً القناعة بالقضاء واتباع النبي. ويذكر ثلاث خصال لمن وجد حلاوة الإيمان: تقديم محبة الله ورسوله، المحبة في الله، وكراهية الكفر.
يستعرض المقطع أعمالاً تنال بها حلاوة الإيمان ككراهية العودة للكفر وطاعة الزوجة في طاعة الله. ويضيف إقامة الصلاة بخشوع ومجالس الذكر والعلم التي تنزل السكينة على القلوب.
يبيّن المقطع أن مجالس العلم سبب للسكينة والطمأنينة ولذة الإيمان كما في قصة حَنْظَلَة مع النبي. ويشير إلى أن راحة القلب في طلب العلم تفوق ملذات الدنيا وتعليم الناس من أعظم أسباب الانشراح.
يُعد طلب العلم من أعظم الأسباب لنيل الراحة والطمأنينة والدعوة إلى الله على بصيرة. وتتميز المراكز العلمية في اليمن بتوفير العلوم الشرعية المنهجية التي تجذب الطلبة فيجدون السعادة الحقيقية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. في بداية هذا اللقاء، أشكر أخي الفاضل أبا العباس فؤاد بركات، حفظه الله تعالى وبارك فيه، على تقديمه وترحيبه ودعائه لنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه خير الجزاء، وأن يجعل كلماته سببًا في انتشار الخير، وهكذا الحث على حضور مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، فجزاه الله خيرًا وبارك الله فيه. وقد سمعتم عنوان هذه المحاضرة: "أعمال يجد بها المسلم حلاوة الإيمان". الإيمان أيها الإخوة له طعم ولذة وحلاوة في القلب، كما أن الطعام والشراب يكون له لذة وطعم وحلاوة في الفم. فالقلب إذا كان سليمًا صحيحًا، فلا شك ولا ريب أنه يتلذذ بطاعة الله وبالقرب منه سبحانه وتعالى. أما إذا كان القلب مريضًا، فقد يحرم هذه اللذة، كما يحرم المريض في بدنه لذة الطعام والشراب. نعم، كما قال القائل: "وكم من نعمة... كما قال القائل: يجد مرًا من الماء الزلالي". أي: المريض يجد مرًا من الماء الزلالي، ربما ما يستطيع أن يشرب الماء، وإذا شربه يغص به ويشربه بكلفة ومشقة. وهكذا من مرض قلبه، فمهما عمل من الأعمال، فإنه يحرم لذتها وحلاوتها. أيها الإخوة الأفاضل، لقد تكاثرت أقوال السلف في مدى تعبيرهم عن لذة الإيمان وحلاوة الطاعات. فابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مدارج السالكين" ذكر عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه قال: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». ماذا يريد بجنة الدنيا؟ أي: ما يجده المسلم في قلبه من حلاوة ولذة الطاعة والإيمان. ثم ذكر ابن القيم أيضًا بعد ذكر هذا الأثر عن شيخه آثارًا عن بعض العارفين، فقال ابن القيم رحمه الله: «وقال بعض العارفين: إنه لتمر بالقلب - أو ليمر بالقلب - أوقات، أقول: لو كان أهل الجنة على مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب». تمر على قلبه أوقات يشعر فيها بالراحة واللذة والسعادة الغامرة، حتى يقول: «لو لم ينل أهل الجنة من النعيم إلا هذه الراحة التي أجدها الآن، لكفى في طيب عيشهم». إنها لحياة طيبة. وذكر أيضًا عن بعض العارفين أنه قال رحمه الله تعالى: «إنه ليمر بالقلب - أو لتمر بالقلب - أوقاتًا يرقص فيها فرحًا»، أي: بما فيه من السعادة ومن الراحة ومن اللذة، لذة الطاعة والعبادة. وهكذا جاء عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أنه قال: «إنا لفي راحة ونعيم وسرور، لو علم به الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف». وإبراهيم بن أدهم من علماء أهل الحديث، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فانظروا كيف يعبرون عن مدى راحتهم وسعادتهم وطعم لذة الإيمان في قلوبهم. فإذا الإيمان له لذة وله طعم، وقد جاء في الشريعة - أو جاء في الشريعة - أن الإيمان عمومًا والعمل الصالح عمومًا من أسباب طعم لذة الإيمان والحياة، والحياة الطيبة السعيدة، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةٍ ﴾. وقد جاء في تفسير الحياة الطيبة: ما يجده المسلم في قلبه من اللذة والطمأنينة والراحة. فهذه هي الجنة المعجلة للمسلم، كما مر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فالإيمان والعمل الصالح عمومًا من أعظم ما يجد به المسلم لذة الإيمان. وقد نصت الشريعة بما جاء في كتاب الله أو في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام أن بعض الأعمال الصالحة تكون سببًا في طعم المسلم للإيمان. فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا». ذاق طعم الإيمان. إذن هذا الحديث فيه أن للإيمان طعمًا يذوقه المسلم. ذاق طعم الإيمان، من هو هذا الذي يذوق طعم الإيمان؟ أولاً: من رضي بالله ربًا. رضي بالله مدبرًا، خالقًا، متصرفًا فيه، قائمًا بشؤونه وأموره، وكل هذه من معاني الربوبية، ويدخل في ذلك الرضا بقضاء الله وقدره. فإنما يصيب العبد من خير أو شر فهو من فعل الله سبحانه وتعالى وقدره. نعم، فينبغي للمسلم أن يرضى بما كتب الله عز وجل له. وقد جاء في مسند الإمام أحمد، وعند أبي داود والترمذي، من حديث عبادة بن الصامت، أن ولده الوليد قال: دخلت على أبي وهو مريض، وأنا أتخايل أنه يموت - أي: لشدة مرضه توقع ولده أنه مرض الموت - فقال: يا أبتِ، أوصني، واجتهد لي في الوصية. فقال عبادة بن الصامت: أجلسوني. فأجلسوه، رضي الله تعالى عنه، ثم قال: يا بني، يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان - لن تجد، أو لن تطعم، جاء بلفظ "تطعم" - طعم الإيمان، ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. فقال ابنه الوليد: يا أبتِ، وكيف لي أن أعلم خير القدر من شره؟ فقال له: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. ثم قال له مستمرًا في وصيته: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أول ما خلق القلم، فقال له: اكتب. فجرى هذا القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني، إنك إن مت ولست على هذا، متّ من أهل النار». فانظروا إلى قول عبادة لابنه وهو يجتهد في نصحه: «إنك لن تطعم طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره». وهذا من الرضا بالله ربًا. فهو الذي خلق الخلق، وهو الذي يتصرف فيهم كيف ما يشاء سبحانه وتعالى، وهو الذي يقدر على عباده ما شاء سبحانه وتعالى. فكن راضيًا، وكن مطمئنًا، وكن كذلك قانعًا بما كتب الله سبحانه وتعالى لك. فإنّا أيضًا من معاني الرضا بالله ربًا: أن تقنع بما قسم الله لك من رزق، أو من ولد، أو من زوجة، أو من بيت، أو من أي شيء من أمور هذه الدنيا. فإذا كنت كذلك ذقت طعم الإيمان، الإيمان بالقضاء والقدر. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «وبالإسلام دينًا». أي: رضيت بهذا الدين، دين الإسلام، ولم أعتنق دينًا غيره، ولم أرضَ بدين غيره، فهو ديني الذي أدين لله عز وجل به. وهذا يقتضي أن تصدق في هذه الكلمة، فتدخل في الإسلام كافة، وتأخذ بالدين من جميع جوانبه. وهذا من مقتضى الإيمان بالإسلام دينًا. فقد أمر الله عز وجل أن ندخل فيه كاملًا، قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾. أي: خذوا الدين من جميع جوانبه. فإذا عملت بهذا الدين، واعتصمت به، وعملت بشرائعه، واعتقدت بعقائده، وتخلقت بأخلاقه، فأبشر بطعم لذة الإيمان في قلبك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا». والرضى برسول الله صلى الله عليه وسلم نبيًا: أن تصدقه فيما أخبر، وأن تطيعه فيما أمر، وأن تجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن تنافح وتدافع عن سنته، وأن تعمل بها، وأن تنشرها، وأن تدعو إليها. فكل هذا من معاني الرضا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا. فمن حقق هذه الأعمال الثلاثة، فسيجد طعم الإيمان في قلبه. ولذلك فإن من أدعية الصباح والمساء - بل ويكرر ثلاث مرات - أن تقول: «رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا»، تأكيدًا لما جاء في حديث العباس. فكأنك تعاهد - تعاهد - كأنك تعاهد الله في كل صباح ومساء أنك على هذا العهد وعلى هذا الرضا. فلا يكفي أن تقول ذلك بلسانك ولا تعمل بقلبك وجوارحك. وهكذا من الأعمال التي جاءت في السنة، وبها يجد المسلم حلاوة الإيمان، ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، وجد بهن حلاوة الإيمان». إذن الإيمان له لذة، الإيمان له حلاوة، كل هذا ثابت في هذه الأحاديث الصحيحة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار». فأول هذه الثلاث: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. أن يقدم محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام على كل المحاب. فإن الإنسان في هذه الدنيا تأتيه عوارض، وتأتيه أمور تنازعه في طاعة الله، تنازعه في طاعة الله، وما أكثرها في هذا الزمان لكثرة الفتن. رجل يحب الغنى، فقيل له: هذا حرام، الله ينهى عن ذلك. ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله. ولهو الحديث، والغنى، والرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك، لا يكون أن من أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف. فلحبه لي الغنى، لربما لا يبالي بهذه النصوص الشرعية، ولا يقف عند كتاب الله، ولا عند سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا لم يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. رجل يتخلف عن صلاة الفجر، لماذا؟ قال: النوم يغلبني. قدم شهوة النوم على طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. هكذا يعرف الحق وهو واقع في بدعة، فيقال له: هذه بدعة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: وماذا أفعل بقومي، وماذا أفعل بالأموال التي تأتيني منهم، والراتب ونحو ذلك؟ فيؤثر الدنيا على الآخرة، ويؤثر طاعة هواه على محبة الله ورسوله. فلن تجد طعم الإيمان إلا إذا قدمت محبة الله ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام على كل محبوب. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾. ليس لك الخيار، وليس لك التفكير: هل تعمل كذا أو تعمل كذا؟ إذا جاء الأمر من الله أو من رسوله عليه الصلاة والسلام. فإذا تجردت للحق، وقدمت محبة الله ومحبة رسوله على كل محبوب، فستجد طعم الإيمان. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. لا تقدم رأيًا، ولا قبيلة، ولا مالًا، ولا جاهًا، ولا شهوة. لا تقدم شيئًا على طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. فإن كنت كذلك، فأبشر بهذه الكرامة العظيمة، وبهذه المنزلة الرفيعة، ألا وهو طعم الإيمان. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». المحبة في الله لذة وسعادة. يوم أن تلتقي مع أخيك المسلم لا لغرض دنيوي، ولا لمصلحة دنيوية، تحب أخاك المسلم لأنه طائع لله، لأنه من أهل التوحيد والسنة، لأنه من أهل الإحسان. فأنت تحبه لما فيه من الخير، تحبه لله. فالمحبة في الله من أعظم أسباب نيل لذة الإيمان. وهذا الذي عليه أهل السنة. ما الذي أتى بكم في هذا المجلس؟ المحبة في الله، والتذاكر في الله، والاجتماع على طاعة الله. ما ستعطوني مالًا، ولا سأعطيكم مالًا، ولا أطلب منكم مصلحة، ولا تطلبون مني مصلحة. وهكذا هذه الأخوة لأنها لله، فهي طاعة في الدنيا، وهي استمرار في الآخرة، لأنها أخوة من أجل الله. ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾. يوم القيامة، هؤلاء الأخلاء الذين يجتمعون على المصالح الدنيوية وعلى الأغراض الشخصية، يوم القيامة يكونون بعضهم عدوًا لبعض. لماذا؟ لأنهم اجتمعوا على غير مرضاة الله. أما من اجتمع مع أخيه على مرضاة الله، على طلب العلم، على الدعوة إلى الله، على التنافس في الطاعات والقربات، فليَبْشُرْ بهذه البشارة العظيمة، يجد لذة الإيمان. والثالث: قال عليه الصلاة والسلام: «وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار». قيل في تفسير هذا الجزء من الحديث قولان: القول الأول: أنه يكره الرجوع إلى الكفر والفسوق والفجور. ولو كان مسلمًا، كان مسلمًا متمسكًا بالإسلام ومستقيمًا على دين الله عز وجل. فلما أكرمه الله بحلاوة الإيمان ولذة الإيمان، فإنه يكره أن يعود إلى الحال الذي كان عليه قبل الاستقامة. بعض الناس مثلًا، وهذا كثير منا، كان قبل استقامته على انحراف، وعلى كذلك معاصي وعدم استقامة. فأكرمه الله عز وجل بالاستقامة، فهو يكره أن يعود إلى الحال الأولى، لما يجد من الراحة ومن نعمة الاستقامة والسنة. كذلك قد يكون على بدعة، كان من أهل التصوف أو من أهل التحزب، فمن الله عليه بالسنة والتمسك بها، فهو يكره أن يعود إلى البدعة، أو أن يعود إلى المعصية. هذا تفسير ذكره بعض الشراح. ومنهم من خص هذا الجزء من الحديث فيمن أسلم من الصحابة، فهو يكره أن يعود إلى الكفر، الكفر بمعنى الخروج من الإسلام، الخروج من الإسلام بعد أن أسلم. وتفسير الحديث على وجه العموم هو الأقرب والله أعلم، لأن الحديث عام. نعم، فإذا كره العبد أن يعود إلى الكفر، سواء كان كفرًا أصغر أو كفرًا أكبر، سواء كانت المعاصي والفجور، أو الردة والعياذ بالله والخروج من الإسلام، والفجور من الإسلام، فهذا أيضًا مما جاء في ذكر أعمال يجد بها العبد حلاوة الإيمان. كذلك من هذه الأعمال: طاعة المرأة لزوجها. طاعة المرأة لزوجها. ودليل ذلك حديث معاذ، والذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، ويصححه العلامة الألباني، في قوله عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها». ثم قال في نفس هذا الحديث: «ولن تجد المرأة طعم الإيمان حتى تطيع زوجها، حتى تطيع زوجها». هذه اللفظة الذي يصححها العلامة الألباني عليه رحمة الله. فينبغي للمرأة أن تعظم أمر الزوج، وأن تحترمه، وأن تطيعه في طاعة الله. فإذا أمرها بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فقد تحرم المرأة من لذة الطاعة ولذة الإيمان لأنها تخالف أمر زوجها، أو تكون ناشزًا لزوجها. الشيخ الألباني عليه رحمة الله، سألته امرأة، فقالت له: يا شيخ، كنت قبل الزواج صوامة قوامة، وكنت أقرأ القرآن فأجد لذة عجيبة في قراءة القرآن. فلما تزوجت، ما وجدت ذلك، ذهبت هذه اللذة. فقال لها الشيخ الألباني عليه رحمة الله: كيف أنت مع زوجك؟ فغضبت هذه المرأة، قالت له: يا شيخ، أنا أسألك عن لذة الطاعة، القرآن قبل الزواج، وأنت تقول لي: إيش خبر زوجك؟ فقال لها: يا بنية، إن المرأة إذا كانت طائعة لزوجها وجدت لذة الإيمان، فلعله بسبب أنك بينك وبين زوجك شيء، حرمت هذه اللذة. ثم ساق لها أحاديث كثيرة في وجوب طاعة المرأة لزوجها، وأول حديث ذكرها لها هذا الحديث: «لن تجد المرأة طعم الإيمان حتى تطيع زوجها». ذكر لها هذا الحديث. فتحذر المرأة: إن أرادت لذة العبادة والطاعة، فلتطع زوجها. وكذلك تقوم بشؤونه وبما يسعده، سواء كان في أكله، أو في شربه، أو في بيته، أو في عياله، أو في فراشه وقضاء وطره، أو نحو ذلك. فهذا أيضًا من أسباب لذة المرأة للطاعة والعبادة. وهكذا من الأعمال التي يجد بها المسلم لذة وحلاوة الإيمان: الصلاة. لما جاء عند النسائي - أو النسائي - من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». صححه العلامة الألباني، لكن بدون زيادة "ثلاث". زيادة يعني: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ»، هذه زيادة شاذة، والمعنى يدل على بطلانها. فإن قرة العين في الصلاة ليس من الدنيا، بل هو من الآخرة. نعم، الطيب والنساء قد يكون من الدنيا، لكن قرة عين المسلم في صلاته هذا ليس من أمور الدنيا، بل هو من أمور الآخرة. فإذن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»، يعني: راحتي ولذتي وطمأنينة قلبي جُعِلَت في الصلاة. ويؤيد ذلك ما جاء عند الترمذي من حديث رجل من خزاعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنه بلالًا أن يقيم الصلاة، فيقول له: «يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا، أَرِحْنَا بِهَا». أي: أرحنا بهذه الصلاة. فإذن الصلاة لذة وراحة للمسلم. كيف لا تكون الصلاة لذة وراحة، والمسلم يقرب من ربه في هذه الصلاة، ويناجيه، ويناديه، ويدعوه، ويتصل بخالقه سبحانه وتعالى؟ جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». ما ألذ وأحلى أن تضع جبهتك على الأرض، ثم تضع حوائجك، تضع همومك، تضع همومك، تضع مسائلك بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهو قريب منك، وهذا الموضع من مواضع استجابة الدعاء. فكيف لا تكون الصلاة راحة ولذة وسعادة للمسلم، وهو يناجي ربه، وهو يدعو ربه، وهو يتصل بخالقه؟ فإن الصلاة صلة بين العبد وربه، وينال العبد الراحة والطمأنينة وقرة العين في الصلاة بحسب تعظيمه لهذه الصلاة. فكلما كان العبد مؤديًا لهذه الصلاة بأركانها وشروطها وواجباتها، يصليها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت الراحة واللذة أعظم وأعلى. وينال العبد من الراحة في هذه الصلاة بقدر تعظيمه لها. فإن كان خاشعًا فيها، متدبرًا لما يقول فيها، قد تواطأ لسانه مع قلبه، فيقرأ ويعي ما يقرأ، فهذا لا شك أنه سينال أعلى مراتب اللذة والراحة في هذه الصلاة. فاعتنوا، حفظكم الله، بها، بأن تؤدوها في وقتها، وبخشوعها، ومع جماعة المسلمين. وأن تدخل إلى هذه الصلاة في أولها، لا تتأخر عنها، لا تتأخر عنها. فإن التأخر عنها يفوتك أجر عظيم، إذ لم تدرك الصلاة كلها، ولم تدرك أجر الجماعة كلها. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على هذه الصلاة، أن يحرص على هذه الصلاة. كذلك من الأعمال التي بها ينال العبد الراحة واللذة والسكينة والطمأنينة: هذه المجالس، مجالس الذكر ومجالس العلم. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس عند الترمذي: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا». قيل: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حِلَقُ الذِّكْرِ». الرياض هي البساتين الجميلة التي فيها من الأشجار، وفيها من الثمار، وفيها من الأنهار. فلا شك أن الإنسان إذا دخل إلى هذه الرياض، ينشرح صدره ويرتاح قلبه. ألا ترون في هذه الأيام الناس، لربما يذهبون إلى أماكن الاخضرار؟ الأيام هذا موسم حوف، كثير من الناس يذهبون إلى حوف، لماذا؟ لما يرون فيها من الاخضرار ومن الأجواء الطيبة، فيشعرون بشيء من الراحة ومن الانشراح. فهذه المجالس هي رياض الآخرة، رياض الجنة، لأن المسلم يجد فيها راحته. ألم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في مسلم، من حديث أبي هريرة: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ»؟ أجيئ السكينة. قال أهل العلم: هي الطمأنينة، هي الطمأنينة والخشوع والراحة. هذه هي السكينة. ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. أنزل السكينة، لأن بالسكينة تهدأ النفوس وتطمئن القلوب. وطمأنينة القلوب هي راحتها وهي سعادتها. ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الغار، أنزل الله عز وجل عليهم السكينة: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ ﴾. فأنزل الله سكينته عليه، أنزل سكينته على نبيه عليه الصلاة والسلام. فالسكينة هي طمأنينة، وهي الراحة. وهذا أمر مشاهد، وأمر يحس به ويشعر به كل من لازم هذه المجالس. ما الذي جاء بكم إلى هذه المجالس؟ لما فيها من الخير، ولما فيها من الراحة، ولما فيها من العلم، ولما فيها من السكينة. وقد وجد ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث حَنْظَلَة في مسلم. جاء حَنْظَلَة إلى أبي بكر الصديق، وقال: يا أبا بكر، نافق حَنْظَلَة. قال: وما ذاك؟ قال: نكون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيذكرنا بالجنة والنار، حتى وكأنها رأي عين، حتى وكأنها رأي عين. قال: حتى وكأن الطير على رؤوسنا. يعني: من شدة ماذا؟ من شدة السكينة والخشوع. من آثار السكينة والخشوع: أن الخاشع تجده ثابتًا في مكانه، تجده ثابتًا في مكانه كأنه عمود. كما ذكر ذلك عن بعض السلف: كان إذا صلى جاء الطير فوقع على رأسه، يظن أنه جذع من النخل، لما يرى من سكونه، ما يتحرك. بل جاء من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، جابر بن عبد الله، في غزوة ذات الرقاع، والحديث صحيح، العلامة الألباني، في قصة ذلكم، فقام يصلي من الليل، فجاءه سهم حتى غرز في يده، فنزل منه الدم، فاستمر في صلاته، ولم يبالي بهذا. سبحان الله! سهم وهو لا يزال ثابت في صلاته. لماذا؟ لما يجد من الخشوع في الصلاة، ولما يجد من الراحة والسكينة والطمأنينة. فقول حَنْظَلَة: «حتى وكأن على رءوسنا الطير»، يعني: يجدون الخشوع في هذه المجالس، والراحة. لكن لماذا قال: نافق؟ قال له أبو بكر: قال لأبي بكر: فإذا رجعنا إلى بيوتنا، عافسنا النساء والأطفال والضيعات، فنسينا كثيرًا، فنسينا كثيرًا. فقال أبو بكر: وأنا كذلك، أشعر بهذا. فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه الخبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَدُومُونَ عِنْدِي عَلَى مَا تَكُونُونَ عَلَيْهِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقَاتِ»، لما يكون في قلوبهم من اليقين ومن الإيمان. ثم قال له: «وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً». يعني: ساعة في طاعة الله، وفي طلب العلم، والجلوس في مجالس العلم، وساعة في أمور دنياك. لأن الحديث يفسر بعضه بعضًا. فما معنى قوله: «عافسنا الزوجات والأولاد والضيعات»؟ يعني: يذهب الإنسان إلى بيته، فيريد من زوجته ما يريد الرجل من زوجته، فهذا أمر حلال. هل هو معصية؟ هل هو غناء؟ هل هو يعني: شيء محرم، قات أو خمر، أو شيء من هذه المحرمات والملهيات؟ لا، إنما أمر حلال. وكذلك الأولاد، ما يكون من مداعبتهم، ومن تقبيلهم، وهذا أمر مشروع في شرع الله عز وجل، أن تداعب أولادك، وأن ترحمهم، وأن تلاطفهم. فهل هذا أمر محرم؟ لا، هذا أمر جائز. وكذلك الضيعات: الضيعات عن المهن والحرف. إنسان يكون مثلًا عنده وظيفة، عنده مهنة يعمل فيها، هذا ليس بأمر محرم. وقت هذا، طيب. بعض الناس يفهم حديث حَنْظَلَة فهمًا خاطئًا، يقول: اسعَ لربك، واسْعَ لقلبك، ويريد لقلبك يعني: للمعاصي. لا، الحديث يفسر بعضه بعضًا. فالشاهد من هذا الحديث: أن هذه المجالس من أسباب السكينة والطمأنينة، ولذة الطاعة والعبادة. وهكذا المسلم لا يقتصر على هذه المجالس فحسب، بل ينبغي عليه أيضًا أن يكون من أهل العلم، وممن يكون له في أسبوعه من التزود من العلم النافع، فإنه كذلك سينال باستمراره في مجالس العلم أجر مجالس العلم، وزيادة لذة العلم. فالعلم أيضًا له لذة، قد عبر سلفنا الصالح عن ذلك، وقد تقدم معنا أثر إبراهيم بن أدهم. وهذا الأثر له قصة، يدل كذلك على أن العلم، وطلب العلم، والرحلة من أجل العلم، والتنقل من مجلس إلى آخر من أجل العلم، هذا من أسباب الراحة، ومن أسباب اللذة. ف جاء في "تاريخ الإسلام" هذا الأثر، قرأته في "تاريخ الإسلام" للذهبي: أن إبراهيم بن بشار قال: خرجنا مع إبراهيم بن أدهم لطلب الحديث، فجئنا عند نهر يقال له: نهر الأردن، ومعنا أبو يوسف الغسولي، وأبو عبد الله السخاوي. قال: فأخرج أبو يوسف الغسولي كسيرات يابسة، كسيرات يعني: خبز أو نحو. قال: فأكلناها، فحمدنا الله. قال: فأراد أحدنا أن يأتي بماء لإبراهيم بن أدهم، وكان أرفعهم علمًا. قال: فقام إبراهيم بن أدهم، ورفع قميصه، ودخل إلى النهر، ثم أخذ ما بكفيه وشرب، فحمد الله، سمى الله وشرب، فحمد الله. ثم جاء إلينا وقال: «هذا الأمر، إنا في راحة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف». أيش من راحة؟ أكلوا كسيرات من الخبز، وشربوا من النهر. ليست الراحة راحة الأكل والشرب والمال والدنيا والفرش. الراحة: راحة القلب، الراحة: راحة الطاعة والأنس بالله سبحانه وتعالى. فطلب العلم من أعظم أسباب اللذة والراحة وطعم كذلك الإيمان. لذلك ذلك الخليفة المنصور، خليفة من الخلفاء، قيل له: هل بقي شيء من لذات الدنيا لم تنله؟ هل بقيت لذة من لذات الدنيا ما تحصلت عليها؟ أنت أمير، أي شيء تريده عندك، من الأموال ما هو كفيل أن يأتي لك بكل شيء، أي شيء من المأكولات، من المشروبات، من الزوجات. فقال: بقيت خصلة واحدة. قال: وما هي؟ قال: أن أكون على مصطبة. والمصطبة هو المكان المرتفع في فناء البيت، كان يجلس عليه المحدث، ويجلس حوله الطلاب، يكون مرتفعًا حتى يبلغ الصوت. فقال: بقي أن أجلس على مصطبة، ويكون حولي أهل الحديث، فيقول أحدهم: حدثنا، ذكرتَ، رحمك الله. انظر هذه اللذة التي ما ذاقها، هذه اللذة التي ما نالها. ففي اليوم الثاني جاء الندماء، يعني: الجلساء، الأمير، وجاء أبناء الوزراء بدفاترهم ومحابرهم. فلما رآهم، قال: لستم أنتم، ما هو أنتم الذي أعني. لستم أنتم، إنما هم: المشققة دنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم. وهكذا عدد من صفات علماء الحديث. فلما تتزود من العلم، فتحقق المسائل، وتدعو الناس إلى الخير وإلى العلم، فهذا والله ستجد الراحة، وستجد اللذة في قلبك. لماذا؟ لأنك أولاً تحسن إلى الناس، والإحسان إلى الناس من أعظم أسباب الراحة. ربما أحيانًا لو أحسنت إلى أحد الناس بملعقة، ملعقة الدنيا، لوجدت من الانشراح، ولوجدت من الراحة والطمأنينة الشيء الكثير. فكيف بالإحسان إلى الخلق بتعليمهم ونصحهم وإرشادهم؟ هذا من أعظم الإحسان، من أعظم الإحسان، ومن أعظم المعروف الذي يقدمه المسلم لإخوانه: أن يعلمهم، وأن كذلك يأخذ بأيديهم إلى طريق الحق والخير. فإذن هذا من أعظم الراحة التي يجدها طلاب العلم: أن يتعلموا، وأن يبثوا العلم، وأن يشغلوا أوقاتهم في تعلم العلم وتعليمه. تعلم العلم وتعليمه. فلا شك أن هذا من أعظم ما ينال به العبد الراحة والطمأنينة. يقول القائل: سَهَرِي لِتَنْقِيحِ الْعُلُومِ أَلَذُّ لِي ** مِنْ وَصْلِ غَانِيَةٍ وَطِيبِ عِنَاقِ وَتَمَايُلِي طَرَبًا لِحَلِّ عُوَيْصَةٍ ** أَشْهَى مِنَ الدُّهَاقِ وَالْعُشَّاقِ وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الْفَتَاةِ لُدْفَتَهَا ** نَقْرِي لِأُلْقِيَ الرَّمْلَ عَنْ أَوْرَاقِي سبحان الله! هذه هي اللذة الحقيقية. يوم أن تكتب العلم، وتحقق العلم، وتنشر العلم، تكون خطيبًا، تكون مدرسًا، تكون معلمًا، تنير الأجيال، وكذلك تدعو إلى الله عز وجل. فلا شك أن هذا من أعظم الأسباب التي بها ينال العبد الراحة والطمأنينة. كان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى ينادي طلابه، ويقول: «والله يا أولادي، أنتم خير من الأمراء على الأسرة، أنتم خير من الأمراء على الأسرة». لما يرى في طلابه من الراحة ومن السعادة. تأتي في منتصف الليل، فتجد الباحث يقرأ على السراج، سُمِّيَ الفانوس، هذا كان معهم، هذا ما كان هناك كهرباء، ولا هذه الجوالات، ولا الكشافات، كانت أمور بدائية. بل بعضهم على الشمعة، جالس في الكرسي، وعنده شمعة. سبحان الله! كم يشعر من راحة وطمأنينة وانشراح صدر! هذه الحياة التي هي من أسعد أيامنا، ومن أفضل حياتنا، يوم أن تكون مع العلم، يوم أن تكون مع الدعوة إلى الله عز وجل، تخرج هنا وهناك خطيبًا وواعظًا ومذكرًا. ولا ينال الإنسان هذه المنزلة إلا بالعلم. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾. والبصيرة هي أعلى مراتب العلم، فهو العلم بالشيء، وهو كذلك الحكمة في تبليغ هذا العلم، في تبليغ هذا العلم، وأن تضع العلم في موضعه اللائق به. فإذن: طلبوا العلم من أعظم أسباب راحة القلب. فألزموا هذا الخير. الحمد لله، أهل السنة في مساجدهم لا تنقطع دروسهم، سواء كانت الدروس العامة، أو الدروس الخاصة. وقد من الله عز وجل علينا في هذه البلاد بمركز علمي فيه من العلوم الشرعية المنهجية على مستويات، وفيه من الدروس العامة، وفيه من الدروس الخاصة، غير دروس المستويات، ينهل الطالب من هذه العلوم النافعة. استغرب البعض، استغرب كثير من الناس: كيف هؤلاء الأجانب يأتون من بلدانهم، ما عندهم الكهرباء تنطفي، وما عندهم أزمات في البترول، ولا في شيء من أمور الحياة، ويتركون ذاك النعيم، ويأتون إلى هذه البلاد وغيرها من البلاد في طلب العلم؟ ما الذي أتى بهم؟ ما يجدون من راحة، من طمأنينة. لربما أحيانًا تلقي الدرس والطلاب يتصببون عرقًا، ومع هذا صابرون، وفي أتم الراحة والسعادة، في أتم الراحة والسعادة. لماذا؟ لأنهم يرون السعادة والراحة والطمأنينة في جلوسهم في هذه المجالس، وفي تزودهم من العلم النافع. فلا نحرم أنفسنا من هذا الخير الذي من الله سبحانه وتعالى به علينا في هذه البلاد، البلاد اليمنية. ربما ما تجد هذه المراكز في غيرها من البلاد. فمن شكر الله عز وجل أن ننهل من علوم هذه المراكز، وأن نجد ونجتهد في تحصيل العلم النافع. يقول أحد العارفين، وقد ذكر ذلك ابن القيم أيضًا في كتابه "مدارج السالكين": يقول: «مَسَاكِينُ أَهْل