المحاضرة بعنوان فضل الدعوة إلى الله، والتي كانت ضمن الدورة العلمية المكثفة الرابعة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الأحد 6 محرم 1448هـ الموافق 21 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
النجاة من الخسران تتحقق بأربع خصال هي العلم، العمل، الدعوة إلى الحق، والصبر عليها كما دلت سورة العصر. الدعوة إلى الله سبب للفلاح وبقاء خيرية الأمة، والتخاذل عنها يؤدي إلى عاقبة وخيمة كما حدث مع الأمم السابقة.
أهل السنة هم الأحق بالدعوة إلى الله وإهمالهم لهذا الواجب يفسح المجال للفرق الضالة. الدعوة تتطلب العلم والبصيرة ولا يستهان بأي باب منها كتعليم العقيدة والفقه والقرآن لصغار وكبار.
من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه والدال على الخير كفاعله. العلم النافع والدعوة إلى الله أفضل الصدقات الجارية لبقائهما إلى يوم القيامة بعكس صدقة المال أو دعاء الولد الصالح.
يسأل المتحدث الله بمنّه وكرمه أن يوفقه والمستمعين لما يحب ويرضى. ويختتم المحاضرة بحمد الله رب العالمين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فنعمة عظيمة أن يوفق المسلم إلى طريق العلم وطريق العمل بالعلم، فهذه نعمة عظيمة ومنة جسيمة يمن الله عز وجل بها على من يشاء من عباده، ويخلق ربك ما يشاء ويختار. وأنتم في هذه الدورة الطيبة المباركة قد تزودتم بما يسر الله لكم من العلوم الشرعية في العقيدة وفي الفقه وفي السيرة وفي غيرها من العلوم الشرعية، وظننا بكم أن هذا العلم يتبعه العمل، فهو الثمرة وهو الغاية من طلب العلم. وفي هذا المجلس وهذه الكلمة التوجيهية التي هي من برامج هذه الدورة، أحببت أن أذكر نفسي وإخواني بأمر ثالث ورابع يتبع العلم والعمل، ألا وهما الدعوة إلى هذا العلم والصبر عليه. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾، فذكر العلم والعمل ثم التواصي بالحق وهو الدعوة إلى الحق، والصبر على ذلك لأن طريق الدعوة يحتاج إلى صبر. فمن أسباب السلامة من الخسران توفر هذه الصفات الأربع في المسلم: العلم والعمل والدعوة والصبر. فلا يكفي طالب العلم أن يكتفي بالعلم في نفسه دون أن يدعو إلى هذا العلم، فهذا مما يذم في طالب العلم، فينبغي عليك أن تستشعر فضل الدعوة إلى الله وما جاء في أجرها وفي ثوابها لمن أخلص النية لله سبحانه وتعالى. فإن القيام بالدعوة إلى الله انتثال لأمر الله ولأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾، فأتباع الرسل هم الدعاة إلى الله عز وجل. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾. والقاعدة المعروفة المعلومة عند أهل العلم أن الأمر إذا وجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو موجه إلى الأمة جميعا، إلا ما خصه الدليل. وهكذا فإن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى سبب للفلاح، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، فالدعوة إلى الله عز وجل إما أمر بمعروف وإما نهي عن منكر، فهذا هو الفلاح للعبد. وكذلك الدعوة إلى الله عز وجل سبب لبقاء الخيرية لهذه الأمة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾، ما نالت الأمة هذه الخيرية إلا بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر. ولذلك ما ذمت الأمم السابقة من اليهود والنصارى إلا بسبب تخاذلها عن القيام بالدعوة إلى الله عز وجل، فلعنهم الله، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾، ما كانوا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فأهلكهم الله وطردهم من رحمته سبحانه وتعالى. فإذا لم يقم بالدعوة إلى الله طلاب العلم وأهل السنة فمن يقوم بها؟ وقد صدق الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إذ يقول: «لولا أهل المحابر لخطب الزنادقة على المنابر». إذا لم يكن أهل السنة هم أهل المنابر لما هم عليه من صحة المعتقد وسلامة المنهج وغزارة العلم، فمن يقوم بالدعوة إلى الله؟ هل الصوفية عباد القبور الذين يدعون إلى الوثنية وإلى عبادة القبور؟ أهل الرافضة الذين يشركون بالله عز وجل ويدعون الحسن والحسين ويسبون صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويشككون في ثوابت هذا الدين في القرآن والسنة؟ إذا لم يقم أهل السنة بهذا الواجب العظيم الدعوة إلى الله عز وجل فمن يقوم به؟ هل هم أهل التكفير وأهل التفجير وأهل الفتن؟ ينبغي لأهل السنة أن يعرفوا قدر هذه النعمة وأن يشكروها وأن يقوموا بها حق قيام. وكذلك لا تحتقر يا أيها السني أي باب من أبواب الدعوة. نعم، من شروط الدعوة إلى الله العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ﴾، أي على علم، وكما قال الله عز وجل: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾، والحكمة هي العلم ووضع الأمور مواضعها، ولا يكون ذلك إلا بالعلم. فلا تحتقر ولا تستصغر بابًا من أبواب الدعوة إلى الله عز وجل. إن فتح الله عز وجل عليك في باب الوعظ والتذكير والخطب والكلمات فاجتهد في ذلك، ولا تفتر ولا تكسل ولا تتوانَ. إن فتح الله عز وجل عليك في باب العقيدة والتوحيد وفهم عقيدة أهل الإسلام، درست الأصول الثلاثة، درست القواعد الأربع، درست كتاب التوحيد، درست العقيدة الواسطية، درست العقيدة الطحاوية، لا تبخل على إخوانك، افتح درسًا في مسجدك، كذلك في مدرستك، لا تتكاسل ولا تتأخر. إذا دعيت إلى باب من أبواب الدعوة إلى الله عز وجل، فتح الله عز وجل عليك في علم الفقه، درست صفة الصلاة، درست صفة الوضوء، درست منهج السالكين، درست في بلوغ المرام، درست في عمدة الأحكام، درس إخوانك، درس جيرانك، ولو أن تفتح درسًا بعد كل صلاة فيستفيد الناس ويتعلم الناس أمر عبادتهم. فتح الله عز وجل عليك في القرآن في التجويد، درس أبناء المسلمين، ولو كانوا صغارًا ولو كانوا أطفالًا، فإن في ذلك أجرًا عظيمًا، ويكفيك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». لو أن تمسك حلقة بين مغرب وعشاء تدرس فيها أبناء المسلمين كتاب الله، هؤلاء يكبرون وهم بين يديك وهم يحفظون القرآن، فإذا بهم يكونون أئمة ويكونون مدرسين، فينفع الله بهم الإسلام والمسلمين. جاء رجل عند الإمام الأعمش رحمه الله تعالى وكان يجلس مع الغلمان يدرسهم، فكأنه أنكر على الإمام الأعمش، قال له: أنت الإمام الأعمش وتجلس مع هؤلاء الغلمان؟ فقال له: اسكت، هؤلاء هم الذين يحفظون لك دينك، الكبار يمرضون، الكبار يموتون، كم فقدنا من علماء وكم فقدنا من دعاة وكم فقدنا من طلبة علم نجباء، فمن الذي يخلفهم؟ إذا لم ينتشر العلم، تنتشر الدعوة إلى الله، ويتعلم الصغير من الكبير ويأخذ العلم الصغير من الكبير، فلا ينبغي أن نتوانى وأن نتكاسل في هذا الباب. وهكذا فإن باب الدعوة إلى الله عز وجل من أعظم الأبواب تكثيرًا للحسنات ورفعًا للدرجات، بل هو من أعظم أبواب الصدقات الجارية. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا». علمت ولدًا الفاتحة، لك أجرها ما تلا هذا الولد هذه الفاتحة في صلاته، علمته القرآن ثلثه أو نصفه أو كله، فلك أجر ما تلا من هذه الآيات. وكذلك علمت الناس الصلاة، فصلوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلك أجر صلاتهم ما صلوا، فضل عظيم وأجر كبير، فأنت تدل الناس على الخير. جاء عند أبي داود من حديث أنس بن مالك أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تحملني أو تستحملني؟ بمعنى تركبني معك، تركبني معك، فدله النبي صلى الله عليه وسلم على شخص آخر لأن ما معه ما يركبه عليه، ثم جاء هذا الرجل وقال: يا رسول الله قد أخذني فلان وأركبني، فقال عليه الصلاة والسلام: «الدال على الخير كفاعله». رسول الله دله فقط على هذا الأمر فوجد أجر ركوب هذا الرجل، إذا كان هذا في ركوب دابة فكيف بدلالتك الناس على الخير، على الصلاة، على بر الوالدين، على صلة الأرحام، على الحج والعمرة والصدقة؟ أنت ما عندك مال، حثثت الناس على الصدقة فاستجاب بعض الناس وتأثروا بهذه الموعظة وهذه الذكرى فتصدقوا، فلك أجر الصدقة التي تصدقوا بها، الدال على الخير كفاعله، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. الدعوة إلى الله عز وجل من أعظم الصدقات الجارية التي لا تفنى ولا تنتهي بخلاف غيرها من الصدقات الجارية. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». قال العلماء: طلب العلم والدعوة إلى الله عز وجل بانتفاع الناس بعلمك أفضل من صدقة المال وأفضل من الولد الصالح الذي يدعو لأبيه، لماذا؟ لأن الصدقات الجارية بالمال قد تبقى مئة سنة، مئتي سنة، وتذهب وتندثر، بنيت بيتًا للفقراء والمساكين تريدها صدقة جارية، كم سيعمر هذا البيت؟ مئة سنة، مئتين سنة، ثلاثمئة سنة، أربع مئة سنة، ثم ماذا بعد هذا؟ ثم تذهب هذه الصدقة الجارية، انتفع بها مدة انتفاع الناس بها. معه ولد صالح، كم يعيش هذا الولد يدعو له؟ ثمانين سنة، مئة سنة، ثم يموت هذا الولد وينقطع دعاء هذا الولد. لكن العلم يبقى ما بقيت السماوات والأرض، منذ متى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا يزال علمهم بين أيدينا؟ أكثر من 1400 سنة، هل البيت يبقى 1400 سنة إلى أن يشاء الله؟ وكذلك العلماء من التابعين وغيرهم من العلماء من أهل الكتب الستة، البخاري ومسلم وغيرهم، وهكذا الفقهاء أصحاب المذاهب، الشافعي، كم نحن نقول: قال الإمام الشافعي، قال الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ما زالت علومهم بيننا وستبقى بين الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فهذا باب عظيم ينبغي أن نحرص عليه، ولا يمكن للعبد أن يصل إلى الله إلا بالعلم كما تقدم، فلا دعوة إلا بعلم، فهذا يدعو إلى التزود من العلم. وإذا رجعنا إلى بلداننا وإلى مساجدنا أن نحرص على بث الدعوة ونشر الدعوة ونشر العلم، كل بقدر قدرته وطاقته، ولا يكلف العبد نفسه ما لا يعلم وما لا يطيق. أسأل الله بمنه وكرم وجود إحسانه أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه، والحمد لله رب العالمين.