أثر العلم في إصلاح الفرد

أثر العلم في إصلاح الفرد

المحاضرة بعنوان أثر العلم في إصلاح الفرد، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الرابعة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 ذو الحجة 1447هـ الموافق 12 يونيو 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية استغلال الوقت في طلب العلم وسيرة السلف في الاجتهاد فيه

يبرز المقطع فضيلة العلم ووجوب بذل الوقت والجهد في طلبه، مستعرضًا نماذج من الصحابة والتابعين كابن عباس وأبي هريرة والإمام الشافعي الذين آثروا العلم على ملذات الدنيا. وتعتبر الدورات العلمية المكثفة المعاصرة امتدادًا لهدي السلف في استغلال الأوقات.

أثر العلم النافع على الفرد وصفات العالم العامل

يوضح المقطع أن العلم النافع يثمر خشية الله والعمل الصالح، مستدلاً بآيات تصف أهل العلم بالوفاء والصبر والصلاة والإنفاق. ويضرب المثل بالإمام أحمد بن حنبل الذي أثر علمه في سمته فأخذ عنه الآلاف الآداب والأخلاق.

أثر العلم في تهذيب النفس وحمايتها من الفتن وأهمية تعليم الأبناء

يبيّن المقطع أن التلقي عن العلماء يكسب المتعلم الأدب والسمت والخشوع لا مجرد المعلومات، مستشهدًا بوصية أم مالك لسفيان الثوري. كما يؤكد أن العلم حصانة من فتنة الشهوات والشبهات، داعيًا الآباء للعناية بتعليم أبنائهم.

حلم الشيخ ابن باز وتأثر الشاب بأخلاقه

يروي المقطع موقفًا في محاضرة مكتظة حيث قاطع شاب الشيخ ابن باز بالسب، فتركه يتحدث ثم دعا له بالخير، فبكى الشاب واعتذر وصار من ملازمي الشيخ. يبرز الموقف أثر العلم في تهذيب النفس مقارنًا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فهذه مقدمة بين يدي محاضرة الشيخين حفظهما الله تعالى. فكما تعلمون أن هذه المحاضرة افتتاح للدورة المكثفة العلمية التي ستبدأ من يوم غد إن شاء الله تعالى. فهذه الدورة العلمية التي فيها كثرة الدروس وكثرة العلوم، وهذا ينشط طالب العلم، وأيضًا ينشط ظهنه، ويتلقى علمًا في فترة يسيرة، يتلقى علمًا كثيرًا، يدرس أو يدرس كتبًا من كتب العلم في أنواع من العلوم، وهذا يؤهل طالب العلم إلى الاستمرار في العلم. وقد كان سلفنا الصالح لما عرفوا فضل العلم صار وقتهم كله علمًا، عرفوا أن هذا العلم هو به الرفعة في الدنيا والآخرة، عرفوا أن هذا العلم يحتاج إلى أن المرء يجتهد فيه ويعطيه أسماء أوقاته وأفضل الأوقات وأكثرها. فإن العلم كما قال الإمام الزهري رحمة الله عليه: «إن أعطيته كلك لم يعطك إلا بعضه». هذا إن أعطيته كلك، أي وقتك كله في العلم. وهذا لمعرفة فضل هذا العلم العظيم الذي قد أشاد به ربنا سبحانه وتعالى وبأهله، وبيّن أنه لا يستوي أهل العلم بغيرهم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فهذا الذي يعرفه أهل العقول الصحيحة وهل القلوب السليمة، يعرفون أن العلم هو أفضل ما صرفت فيه الأوقات، وأيضًا بذلت فيه النفائس. ولهذا كما قلنا تكالب العلماء على العلم. فابن عباس رضي الله تعالى عنه، بل والصحابة جميعًا، كانوا يلازمون النبي عليه الصلاة والسلام لأجل أن يأخذوا عنه العلم. وقد برز من هؤلاء جماعة من الصحابة ممن لازم النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر أوقاته إلا عندما يكون عند أهله، فمنهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأيضًا أبو سعيد الخدري، وغيرهم من صحابة رسول الله. ثم أيضًا أبو هريرة الذي تلقى علمًا كثيرًا من عند النبي عليه الصلاة والسلام، حتى كان رضي الله عنه يصبر على الجوع لأجل العلم، فلذلك تلقى علمًا عظيمًا، تجد أنه ما من كتاب في الحديث إلا وغالبًا يذكر فيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وكذلك هؤلاء الصحابة، حتى يقول أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: «إن كنت لأظن أن عبد الله بن مسعود وأمه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم» من كثرة ما يدخل. كان ابن مسعود حريصًا على العلم فكان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا ويصاحبه، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا حتى في دخول بيته، فقال له: «إذنك إذا رأيت سوادي أنا، حتى لو لم تنادي، إذا رأيت سوادي في البيت فهذا إذنك». وهذا من كثرة ما يدخل على النبي عليه الصلاة والسلام لأجل أن يأخذ العلم، فعرفوا قيمة هذا العلم، فلذلك بدلوا فيه الأوقات. ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، ثم لازم كبار الصحابة، كان لا ينفك عن عمر، أنا دائمًا ملازم لعمر رضي الله تعالى عنه. النبي عليه الصلاة والسلام دعا له: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل»، فكان يلازم كبار الصحابة، وخاصة عمر، حتى أن عمر كان يدخله مجلسه، ومجلس عمر كان فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح، فكان يدخل ابن عباس وهو ابن سبع عشرة سنة أو حولها. وكان ابن عباس أيضًا لما مات عمر كان يأتي إلى بيوت الأنصار من الصحابة كزيد بن ثابت وغيره، فيخرج من الصباح ويأتي عليه الظهر وهو لا زال في الطلب، قال: «حتى أني أقيل عند أبياتهم، القيلولة الظهر، يبيت عند أبياتهم أو يقيل عند أبياتهم، حتى تأتي الريح فتسفه، فيخرج الرجل من هؤلاء من الأنصار رضي الله تعالى عنهم فيقول: يا ابن عم رسول الله، ابن عباس، ألا كنت تتكلم أنك هنا حتى أخرج لك». وهكذا كان أصحاب النبي، وكذلك من التابعين كانوا يلازمون أصحاب، ابن عباس كانوا يلازمونه ما ينفقون عنه، مجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقتهم علم. وهكذا درج العلماء على هذه الوتيرة أنهم يكثرون من أخذ العلم. فهذه الآن هذه الدورات إنما هي صورة من صور طلب طلب العلماء والسلف لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو للعلم كله. أنا كان يجعلون أوقاتهم كلها في علم، مثل هذه الدورات الآن، الآن لقلة همم الناس وقلة همم طلب العلم، طلبة العلم، فتأتي هذه الدورات تنشطهم، ويأتي الطالب منذ أن يصبح وهو في طلب العلم إلى أن يمسي وهو في حلقات في العلم وفي الدراسة. وهذا كما قلنا كان دأب السلف، وقصصهم كثيرة جدًا، نأخذ على سبيل المثال قصة واحدة من هذه القصص الكثيرة التي حصلت للسلف في مما يدل على أن أوقاتهم كلها علم. ما ذكره الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الشافعي بن إدريس الرازي رحمة الله عليه، قال: «ذهبنا إلى مصر لأجل أن نطلب العلم، قال: فكنا في الصباح ندور على المشايخ، وفي المساء نكتب وننسخ ما كتبناه». أنا في الصباح يذهبون إلى المشايخ، وفي المساء يكتبون ما قد ينسخون ما قد كتبوه حتى يبقى عندهم، وأيضًا يقارنون به بنسخة الشيخ. قال: «فجئنا ذات يوم، فجئنا إلى شيخ من هؤلاء المشايخ، فرأيناه أو قالوا لنا أنه مريض ولا يخرج اليوم، قال: فقلنا نذهب إلى السوق نشتري سمكة، قال: فذهبنا فاشترينا سمكة، فأتينا بها إلى البيت لأجل أن نطهيها نطبخها، قال: فحضر وقت الشيخ الآخر، فتركناها وذهبنا إلى درس الشيخ». وهكذا كنا ندور في الصباح على المشايخ، وفي المساء، وفي المساء ننسخ ما قد كتبناه، حتى أن السمكة جلست ثلاثة أيام لم نستطع أن نطبخها، قال: «ثم أكلناها نيئة من كثرة اهتمامهم وشغلهم وأوقاتهم كلها في العلم». والقصص التي جاءت عن أهل الحديث كثيرة جدًّا في هذا الباب، وفي استغلالهم لأوقاتهم. فلذلك أيها الإخوة الكرام، فهذه الدورات العظيمة، هذه الدورات التي تنشط أذهان طلبة العلم، وأيضًا تحببهم إلى العلم، تحببهم إلى العلم لأن هذا العلم له لذة، فمن التذ بهذا العلم فلا يجد لذة أفضل منها إلا لذة الدنيا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: «من هومان لا يشبعان: هوم في دنيا، وهوم في طلب العلم». أنا صاحب الدنيا الذي يجمع الأموال، كلما جمع مالًا كلما فرح وسعد بهذا المال، وهكذا طالب العلم كلما طلب العلم وجاء بالفوائد فرح بهذه الفوائد التي تلقاها وبهذا العلم الذي درسه، وشتان بينهما. ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله لما قيل له: كيف حرصك على طلب العلم؟ قال: «كجامع الدنيا، كالذي يجمع الدنيا». انظر إلى الذي يجمع الدنيا كيف يكون حرصه على الدرهم والدينار، فهكذا يكون طالب العلم حريصًا على الفوائد وحريصًا على أوقاته أنه يجعلها في العلم. فلذلك كما قلنا أيها الإخوة، هذه الدورات استفيدوا منها كثيرًا، ومن جاء إلى مثل هذه الدورة أو إلى هذه المحاضرة فهو داخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». فإذا أخلص العبادة في سماع العلم وفي كذلك الحرص عليه، فإن الله عز وجل يجعل له بابًا عظيمًا مختصرًا إلى جنته سبحانه وتعالى، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة. فلذلك نرحب بالإخوة الذين جاءوا إلى هذه المحاضرة وجاءوا كذلك إلى هذه الدورة، ونقول لهم: أهلا وسهلا بكم، وسواء كان من داخل الشحر أو من خارجها، وقد تعنوا وجاءوا لأجل طلب العلم، فنرحب بهم ونقول لهم: أهلا وسهلا بكم. وإن شاء الله تعالى كما سمعتم المحاضرة عند الشيخين الفاضلين أبي معاذ وأبي هاشم حفظهم الله تعالى، فأترك المجال لهما، حفظكم الله وجزاكم الله خيرًا. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. أما بعد، فكما سمعتم عنوان هذه المحاضرة، وبمناسبة افتتاح هذه الدورة الرابعة والعشرين في هذه الدار المباركة العامرة بالعلم وطلبة العلم، فاسم هذه المحاضرة وعنوان هذه المحاضرة: «أثر العلم على الفرد والمجتمع». وفي هذا المقام وفي هذه المشاركة أتناول الجزء الأول من هذا العنوان، ألا وهو أثر العلم على الفرد، وأتركوا الجزء الثاني من هذه المحاضرة، أثر العلم على المجتمع، لأخي الشيخ الفاضل أبي هاشم حفظه الله تعالى. العلم أيها الإخوة وسيلة إلى كل فضيلة، فأثر العلم هو الثمرة من العلم، فالعلم بمنزلة الشجرة وأثره والعمل به هو الثمرة. فلذلك لو تدبرنا كتاب الله وتمعنا ما ذكر ربنا سبحانه وتعالى من صفات العلماء ومن صفات أهل العلم، لوجدنا أن هذه الصفات إنما هي من أثر العلم، من أثر العلم. وهكذا في حياة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وهذا هو العلم النافع. العلم النافع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يرزقه، هو العلم الذي يثمر العمل والذي يؤثر في طالبه وفي آخذه. فكما جاء عند ابن ماجة من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا أصبح يقول: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا». فالعلم النافع هو العلم الذي يؤثر على صاحبه. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. لماذا كان العلماء هم أهل الخشية؟ لأن العلماء من أكثر الناس معرفة بخالقهم في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله وحكمه سبحانه وتعالى، فأورث هذا العلم في قلوبهم الخشية، فهم من أخشى الناس ومن أتقى الناس لربهم سبحانه وتعالى. وهكذا لو نظرت في كتاب الله عز وجل، ما أن يذكر العلم والعلماء إلا ويذكر ربنا سبحانه وتعالى أثر هذا العلم في نفوسهم. فمن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ثم ذكر صفات هؤلاء الذين علموا ما أنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام فأصبحوا من أولي العقول النيرة، من أولي الألباب، فقال سبحانه وتعالى بعد هذه الآية في ذكر صفاتهم وأثر العلم عليهم: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾. انظروا إلى هذه الصفات، إنما كانت من أثر العلم. فمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق كمن هو أعمى، فالبعيد عن العلم هو أعمى عما معنوي، فلا يكاد يميز بين الحق والباطل، ولا بين التوحيد والشرك، ولا بين الطاعة والمعصية، وهكذا. وكذلك ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم أثرًا آخر من آثار العلم على العلماء، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فذكر فضل العلماء في هذه الآية يدل على أن الأعمال المتقدمة إنما كانت من أثر العلم، إنما كانت من أثر العلم. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ أي يطول القيام لله سبحانه وتعالى راكعًا وداعيًا لربه سبحانه وتعالى. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا بيّن ربنا عز وجل أن هذا العلم له أثر في الخشوع وفي كثرة البكاء والعبادة إلى غير ذلك. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. انظروا كيف وصلوا إلى هذه الصفات العظيمة وإلى هذه العبادات الكثيرة، إنما كان ذلك بأثر وبسبب العلم. فالعلم يا عباد الله لا شك أن له أثرًا بالغًا في صاحبه وفي من طلبه. وهكذا لو نظرت يا عبد الله إلى أثر العلم في العلماء الذين سطر لنا المؤرخون سيرتهم العطرة، وكيف أثر فيهم هذا العلم. بل كان السلف الصالح يوصون أبناءهم وطلابهم بأن يعتنوا بأثر العلم عليهم أكثر من أثر أكثر من طلبهم وتحصيلهم للعلم. جاء في سير أعلام النبلاء أن الإمام أحمد، الإمام أحمد كان يحضر مجلسه خمسة آلاف، خمسة آلاف يحضر مجلس مجلس الإمام أحمد، فكان الذين يكتبون خمسمائة، كم بقي من الخمسة آلاف؟ أربعة آلاف وخمسمائة، هؤلاء إنما يأخذون من سمته وعلمه، يأخذون من سمته وهديه. فهذا يدل على أن الإمام أحمد قد بلغ مبلغًا عظيمًا في الأخلاق والآداب، وما ذاك إلا بأثر العلم. وهذا من فوائد أخذ العلم عن العلماء، فإن العالم إذا جلست بين يديه، والشيخ إذا جلست بين يديه، لا تأخذ منه المعلومات المجردة، بل تأخذ منه الأدب والخلق والسمت وحسن المعاملة، فهذا يؤثر في النفوس أكثر من تأثيره على أكثر من تأثير لربما حش المعلومات على الطالب، على الطالب. فهذا لا شك أنه من أثر العلم. وجاء أيضًا عند الإمام أحمد أن أم الإمام مالك كانت تعتني به، وكانت كذلك تعممه وتلبسه الثياب، وتقول له: «اذهب إلى ربيعة فخذ من أدبه وسمته قبل أن تأخذ من حديثه وفقهه، قبل أن تأخذ من حديثه وفقهه». فانظروا يا عباد الله إلى هذه المرأة الصالحة كيف أنها حثت ولدها ورغبت ولدها في أن يأخذ الأدب وأن يأخذ السمت من العالم، وهذا هو ثمرة العلم، وهذا هو ثمرة وأثر العلم على صاحبه. وكذلك سفيان الثوري، سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: «كانت أمي تقول لي: كانت أمي تقول لي: إذا حفظت عشرة أحرف، أي عشرة أحاديث، إذا حفظت أو كتبت عشرة أحاديث، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك ووقارك وحلمك، فإن لم ترى ذلك فاعلم أنها تضرك أكثر مما تنفعك، أنها تضرك أكثر مما تنفعك». إذا كتبت عشرة أحاديث، ليست المسألة مسألة كتابة ومسألة كذلك حفظ وحشو للمعلومات، ولكن الاعتناء بأمر العمل بالعلم وأثر هذا العلم على طالب العلم. فقالت له: «فانظر، انظر إلى شأنك، انظر في نفسك، هل كانت هذه الأحاديث فيها زيادة في خشيتك، في وقارك، في حلمك، في أدبك، فإن لم يكن شيء من ذلك فهي تضرك أكثر مما تنفعك؛ لأنها تكون حجة عليك». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي مالك الأشعري: «والقرآن حجة لك أو عليك»، يكون حجة لك إذا عملت بهذا القرآن، ويكون حجة عليك إذا لم تعمل بهذا القرآن، والقرآن هو أصل العلوم، والقرآن هو أصل العلوم. وهكذا يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: «كان الرجل إذا طلب العلم ما يلبث حتى يرى ذلك في خشيته وبصره ولسانه ويده وزهده، وكذلك حديثه، وإلى غير ذلك». أي أن هذا العلم يؤثر فيه قبل أن يطلب العلم، لربما صليط اللسان، لربما كذلك طمع في الدنيا، لربما كذلك ينظر إلى المحارم وإلى غير ذلك، فما أن يطلب العلم حتى يؤثر فيه هذا العلم فيبتعد عن كل ما ينافي ويناقض هذا العلم. فهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. وهكذا العلم له أثر كذلك في الحصانة، يكون هذا العلم فيه حصانة لصاحبه من الوقوع في فتن الشهوات، وكذلك في فتن الشبهات. أما في فتن الشهوات فدليل ذلك ما جاء في قصة قارون، لما خرج على قومه في زينته، قال الجهل: «ماذا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم». خرج متبخترًا، خرج متكبرًا وناكرًا وجاحدًا لنعمة الله عز وجل عليه، فتمنى هؤلاء الجهال أن يكونوا مثله والعياذ بالله. فماذا قال أهل العلم؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. فهؤلاء الذين ثبتوا أمام هذه الفتنة وأمام هذه الشهوة التي افتتن بها من افتتن من أهل الجهل وممن بعدوا عن طلب العلم. وهكذا طلب العلم له أثر في حصانة الفرد من الوقوع في الشبهات، من الوقوع في الشبهات. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. الراسخون في العلم لا يقعون في هذا الزيغ وفي هذه الفتن والشهوات، يعصمهم الله سبحانه وتعالى منها. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. انظروا كيف نجاهم الله عز وجل من كيد الشيطان ومن إلقاء شبه الشيطان، وأما من قسى قلبه ومن مرض قلبه فإنه عرضة للوقوع في هذه الشبهات. ومما يجمع شبهة أو يجمع فتنة الشبهات والشهوات قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فبالصبر يدفع أهل العلم الشهوات، وباليقين يدفع أهل العلم الشبهات. فإذا من أثر العلم على صاحبه أن الله سبحانه وتعالى يعصمه من الشهوات ومن كذلك الشبهات، ومن كذلك الشبهات. كذلك العلم يا عباد الله له أثر على المسلم في أن ينتفع بنفسه وأن ينفع غيره، أن ينتفع بنفسه وأن ينفع غيره. فإن أهل العلم من الأفراد في المجتمع الذين ينتفع بهم المجتمع وينتفعون كذلك أو وينفعون كذلك أنفسهم. فإذا أهمل الإنسان نفسه أو أهمل الآباء أبناءهم، فكان هذا الإهمال سببًا لفساد هؤلاء الأبناء ولفساد كذلك الآباء، إذ أنهم لم ينتفعوا بأبنائهم، لم ينتفعوا بأبنائهم. وهذا فيه دعوة للآباء أن يحرصوا على الدفع بأبنائهم إلى العلم وإلى التعليم وإلى هذه الدورات التي يعود نفعها لا على الابن فحسب بل كذلك على الأب. يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: «فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة». ثم قال: «وكان أكثر فساد الأبناء إنما كان من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، أي الآباء أضاعوا الأبناء صغارًا، فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم، أي الأبناء لم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا». لأن الابن إذا لم يكن من أهل الخير ومن أهل العلم ومن أهل الصلاح، فإني له أن يبر بوالديه وأن ينفع والديه. فهذا يدعو الآباء إلى أن يعتنوا بأبنائهم وأن يحثوا أبناءهم على العلم والتعليم. وأختم هذه المشاركة بقصة ذكرها أحد طلاب الشيخ ابن باز عليه رحمة الله، ذلك العالم الذي ضرب أروع الأمثلة في زماننا هذا في الورع وفي الأدب وفي السمت وفي الأخلاق، وهذا من أثر العلم، فهو علامة زمانه ووحيد دهره في الرسوخ في العلم، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. هذه القصة يقول صاحبها: «كان»، وهذا يدل على حسن أدبه وعلى كذلك علو أخلاقه رحمه الله تعالى، وهذا من أثر العلم. يقول راوي هذه القصة: «كان العلامة ابن باز في محاضرة مسجد مكتظة بالناس والطلاب، وكأن الشيخ كان يتكلم على التحذير من بعض المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة، كالرد على التكفيريين والخوارج ونحو ذلك، فقام أحد الشباب المتحمسين المتأثرين بهؤلاء وقاطع الشيخ، وقاطع الشيخ ورفع صوته وبدأ يهجم على الشيخ بالسب وبالتهم الكاذبة ونحو ذلك، فهم حراس الشيخ ومحب الشيخ أن يقعوا بهذا الشاب الذي أساء الأدب مع هذا العالم الجليل، فنهاهم الشيخ عن ذلك وقال لهم: دعوه يخرج ما في قلبه. فتكلم هذا الشاب وصاح وأخرج، والشيخ يستمع والناس يتعجبون من حلم الشيخ، من حلم الشيخ، والشيخ ينصت والناس ينصتون، إلى أن تعب هذا الشاب، فقال له الشيخ: جزاك الله خيرًا، أسأل الله إن كان كلامك صحيحًا أن يهديني وأن يغفر لي، وإن كان كلامك غير صحيح أسأل الله أن يهديك وأن يغفر لك، وجزاك الله خيرًا على هذه النصيحة». انظروا إلى هذا الكلام، والشاب يستمع، فتعجب هذا الشاب من هذا الأسلوب ومن هذا الأدب، فما كان من هذا الشاب إلا أن بكى وتأثر من خلق هذا الشيخ الجليل، وأقبل على الشيخ ابن باز عليه رحمة الله وقبل رأسه واعتذر له، وصار من كبار ومن ملازم الشيخ ابن باز عليه رحمة الله. انظروا إلى أثر العلم، انظروا إلى أثر. وهذا مأخوذ من هدي النبي عليه الصلاة والسلام وخلق النبي عليه الصلاة والسلام. ما أشبه هذا الموقف بما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه أعرابي وقال له بعد أن وضع الرداء في عنق النبي صلى الله عليه وسلم حتى أثرت حاشيته على كتفه عليه الصلاة والسلام، وهو يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «مر لي من مال الله، ليس من مالك ولا مال أبيك». فالنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم في وجهه وينهى أصحابه أن يفعلوا به شيئًا، ثم يعطيه عطاءً عليه الصلاة والسلام. هكذا هي أخلاق العلماء، وهكذا وهذا هو أثر العلم على صاحبه. ما تجد صاحب العلم في مجتمعه كذابًا، ولا قاطعًا لرحمه، ولا كذلك خائنًا في تعامله، لا في وظيفته، ولا في كذلك تجارته، ولا في بيعه وشرائه، ولا في شيء من معاملاته، لأن العلم قد أثر فيه، لأن العلم قد أثر فيه. ولو جلسنا في هذا المقام نذكر خلق العلماء ونماذج وصور من أخلاق العلماء لطال بنا المقام، فأكتفي في هذه المشاركة بما ذكرت. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.