ختام الزاد

ختام الزاد

المحاضرة بعنوان ختام الزاد، والتي كانت ضمن دورة زاد الصائم الثانية بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة يوم الخميس 14 شعبان 1446هـ الموافق 13 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية إصلاح النفس قبل رمضان واستعداد شعبان

يُناقش أهمية إصلاح النفس قبل دخول رمضان، ويُبين أن إصلاح النفس مطلوب دائمًا ولكن له أهمية خاصة في شعبان استعدادًا لرمضان. يُشدد على أن إصلاح النفس يكون بفعل الطاعات مثل الصيام في شعبان.

فضائل شهر شعبان وضرورة اغتنامه

شهر شعبان هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، وقد حث النبي على استغلاله بالطاعة والعبادة، إلا أن الكثير من الناس يغفلون عن استغلال هذا الشهر الفاضل. يُبين أن كثرة الصيام في شعبان من العبادات التي تُعدّ النفس لرمضان.

أوجه إصلاح النفس قبل رمضان والتسامح بين المتخاصمين

ينبغي إصلاح النفس قبل رمضان بإقبال العبد على الطاعات وإصلاح ما بينه وبين الناس من شحناء، كما أن التسامح و الصلح بين المتخاصمين له فضل عظيم حيث يؤخر الله المغفرة للمتخاصمين حتى يصطلحا. دلت على ذلك أدلة من السنة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، فإننا نحمد الله الذي لا إله إلا هو، نحمده على فضله وعطائه، وعلى تيسيره وامتنانه، نحمده جل في علاه على نعمائه، وعلى ما كان من عظيم آلائه، نحمده سبحانه وتعالى على عظيم النعم، وعلى ما من به علينا من كثرة المنن. نحمده سبحانه وتعالى في الأولى والآخرة، نحمده جل في علاه على ما أعطى وسلب، وعلى ما أخذ ووهب، نحمده سبحانه وتعالى على كل حال، وفي كل زمان ومكان، فهو المحمود على كل لسان، جل عن الأشباه والأنداد. من عظيم ما نحمد الله جل وعلا عليه، ونحن في هذا المقام، هذا المجلس المبارك الذي اجتمعنا فيه وإياكم، لا على أغراض دنيوية، ولا على مصالح شخصية، وإنما اجتمعنا على ذكر الله جل في علاه. إخواني في الله، إن هذا المجلس بالنسبة لي يعقد بعد طول الغياب، لمدة تربو أو تقارب من أربعة أشهر، كان الانقطاع بسبب السفر في تلك الرحلة العلاجية التي نسأل الله عز وجل الشفاء لنا ولكم ولجميع مرضى المسلمين. وطلب منا أخونا الفاضل، الأخ الحبيب، النجيب، أبو خليل مصطفى باثقيل، حفظه الله، المشاركة في هذه الدورة، ولو بختامها، فكان الأمر كما أراد حفظه الله تعالى ورعاه، وأطال الله في عمره وأبقاه. وهذه الدورة، إخواني في الله، هي دورة زاد الصائم، وهي الدورة الثانية في تعدادها، وهي المقامة في هذا المسجد المبارك، مسجد ابن عباس، من مساجد أهل السنة الشامخة في هذه البلاد الحضرمية. مسجد نسأل الله جل وعلا أن يبارك فيه، وفي أهله، وفي رواده، وفي عامريه، سواء كان العمارة الحسية أو العمارة المعنوية، مبانيًا، نسأل الله أن يبارك فيمن بناه وشيده، وهكذا من ساهم في تجديده، سواء كان من الرجال أو كان من النساء، من الصغار أو كان من الكبار. نسأل الله أن يبارك في الجميع، فهذا المسجد، إخواني في الله، قرة عين لأهل السنة، بما حباه الله جل وعلا من أنشطة، ومن عمارة دؤوبة لذكر الله، وللدعوة في سبيل الله، وجزى الله القائمين عليها خير الجزاء. ومن تابع هذه الدورة المباركة من أسبوعها الأول، فإنه قد استفاد علمًا كثيرًا، ونصائح جمة، سمعها من المشايخ الفضلاء، ومن مشايخ دار الحديث بالشحر، الذين حباهم الله جل وعلا بالعلم والفهم والحصافة والرصانة، وقوة الطرح، والسهولة في التعبير، جزاهم الله خير الجزاء. وكانت كذلك بمشاركة من أهل الديس في افتتاحية الدورة، فكانت هذه الدورة بحق لؤلؤة تضاف في جهود دار الحديث بالشحر، فالحاصل أن هذه الدورة قد جاءت على كثير من المواضيع، وهي مهمة جدًا في بابها، وخاصة ما نحن قادمون عليه، وما نحن بصدده، ألا وهو شهر رمضان المبارك. فإن هذا الشهر لابد له من عدة، وإن عدة الشيء ينبغي أن تتخذ قبل الدخول فيه، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله، وإن الإنسان إذا أراد شيئًا هيئ له عدته، ومصداق ذلك في قول ربنا عز وجل: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾. فإن عدة رمضان، إخواني في الله، تكمن في مثل هذه المجالس المباركة، التي يا عبد الله تزداد بها علمًا وتنويرًا وتثقيفًا في معرفة ما ينبغي أن تتعلم حول هذا الشهر من مسائل وأحكام وآداب وسلوك، وهكذا أقوال وأفعال وأعمال. وكانت المواضيع التي طرحت من قبل إخواننا المشايخ موسومة بعنوان، إلا ما كان من موضوعي فقد طرح باسم ختام الزاد، فكانت الحيرة فيما أتحدث به معكم، إخواني في الله، فيما يناسب هذه الدورة المباركة، وخاصة أننا في هذه الفترة الزمنية لو تأملنا نجد أنفسنا أننا بين موسمين، بين موسم حاصل وبين موسم واصل. فالموسم الحاصل هو شعبان، والموسم الواصل هو رمضان، فكانت الحيرة في اختياري بين الكلام حول الموضوعين، لكن رأيت أن أربط بينهما برابط، إذ أن للواحد منهما تعلق بالآخر. إخواني في الله، مما أذكره، ومنه تكون الوقفة والانطلاق في هذه الليلة المباركة، بإذن الله، أثر من الآثار الثابتة عن السلفين الصالحين، وهم أثر عن عمر بن قيس المُلائي رحمه الله تعالى أنه قال: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان". وفي رواية: "طوبى لمن أصلح نفسه في شعبان"، هذه العبارة قد تناقلها العلماء في كتبهم، ناقلين مقرين لما فيها من معاني جليلة، وهي نعم قد احتوت على معاني وعلى مضامين يستدعي لكل مسلم ومسلمة أن يولي لها شأنًا وأهمية. فقول هذا الإمام رحمه الله تعالى: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، طوبى هي كلمة مدح وثناء، وتأتي بعدة معاني، ومنها قرة عين، وهنيئًا لك يا من يوفق لهذا العمل، وما هو هذا العمل الذي به يا عبد الله تستحق هذا الإطراء؟ "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، يعني في شعبان، هنا إشكال، إخواني في الله، ويمن أولى هذه الوقفات مع هذا الأثر، إصلاح النفس، الشريعة نادت به في كل زمان، وفي كل مكان، إصلاح النفس لا يحد بفترة زمنية أبدًا. بل قال ربنا جل وعلا: ﴿قد أفلح من زكاها﴾، تزكية النفس تكون على الدوام، في شعبان، في شوال، في رجب، في جمادى، ينبغي للمسلم أن يصلح نفسه دائمًا وأبدًا، ولهذا كان من دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام: "اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها". وهذا الدعاء يكون دائمًا معنا، لا يفارق ألسنتنا، نلهج إلى الله جل وعلا في أن يعيننا على إصلاح أنفسنا، فإذا كان الأمر كذلك بأن المرأة ينبغي أن يصلح نفسه دائمًا وأبدًا، فعلى ما في هذا الأثر، قال من قال: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان". الجواب، إخواني في الله، يدور على أحد أمرين، طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان، يدور على أحد أمرين، إما إصلاح النفس لذات شعبان، أو إصلاح النفس لغير شعبان، نبقى مع الاحتمال الأول، طوبى لمن أصلح نفسه لذات شعبان. لماذا نصلح أنفسنا خصوصًا في شعبان؟ لأن شعبان يعتبر من المواسم الفاضلة، من أعظم مواسم أهل الإسلام، بل هو من مواسمه العظام، جاءت في حقه الفضائل الكثيرة، والمناقب العديدة، يكفيه شرفًا أن هذا الزمن الذي نحن فيه نتقلب بين أيامه ولياليه. أن هذه الفترة الزمنية هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله جل في علاه، روى النسائي في سننه من حديث أسامة بن زيد قال: "قلنا يا رسول الله لم نرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال عليه الصلاة والسلام: ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين". ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، شعرنا بهذا أو لم نشعر، فالأعمال كلها ترفع إلى الله سبحانه وتعالى، والفترات التي ترفع فيها الأعمال إلى الله عز وجل تعتبر من المواسم، لأن الشرع حثنا على أن نقبل في هذه الفترات التي ترفع فيها الأعمال. حثنا الشرع على الترغيب من الزيادة والاستزادة من الطاعة والعبادة، تأمل معي، عندي في شرع الله جل وعلا أن رفع الأعمال يكون يوميًا، هناك رفع يسميه العلماء بالرفع اليومي، يوميًا ترفع الأعمال، جاء ذلك في الصحيحين. قال عليه الصلاة والسلام: "ترفع أعمال الناس"، أو قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا ينام وما ينبغي أن ينام، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل"، هذا رفع يومي، وهذا الرفع اليومي متى يكون وقته؟ وقته كما جاء أيضًا في الصحيح في صلاتي الفجر والعصر، كما قال عليه الصلاة والسلام: "يتعاقب فيكم ملائكة بالليل والنهار، يجتمعون في صلاة الفجر والعصر"، فدل على أن فترة رفع الأعمال توافق عمل صالح، توافق عمل صالح ألا وهي الصلاة. ننتقل إلى فترة أخرى من رفع الأعمال، ألا وهي ما يسميه الفقهاء برفع الرفع الأسبوعي، يكون في يومين من أيام الأسبوع، كما جاء ذلك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: "تعرض أعمال الناس يوم الاثنين والخميس". ففي هذه الفترة الزمنية الأسبوعية من رفع الأعمال، حث نبينا عليه الصلاة والسلام أن نجعلها موسمًا من مواسم الأعمال، فقال عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن صوم الاثنين والخميس: "تعرض أعمال الناس يوم الاثنين والخميس، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم". ثم نأتي إلى المرحلة الثالثة، وهو الرفع السنوي، فعندي رفع يومي، ورفع أسبوعي، ورفع سنوي، وهو إجمال الأعمال في العام كله، يرفع في شعبان، ولهذا كان من شأن نبينا عليه الصلاة والسلام أن جعل هذه الفترة الزمنية موسمًا من مواسم أهل الإسلام. فماذا كان يعمل؟ كان عليه الصلاة والسلام يصوم، قال: "شعبان ذاك شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"، فدل ذلك إخواني في الله أننا نحن الآن نتقلب في موسم عظيم من مواسم أهل الإسلام. وأن المسلم عليه أن يستغل هذه الأيام بما يستطيع من أقوال وأفعال وأحوال، لكن للأسف مع أن الله جل وعلا حبان بهذا الموسم العظيم فضلًا منه وتفضلا جل في علاه، إلا أننا نرى أن الكثير من الناس في غفلة تامة عن هذا الموسم العظيم. فنجد أن الغفلة ضربت عليهم بكل جنباتها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام عن شهر شعبان: "ذاك شهر يغفل عنه الناس"، الغفلة حاصلة، ومن تأمل في السواد الأعظم من البشر من أهل الإسلام، يجد مصداقية ما أخبر عنه نبينا عليه الصلاة والسلام من غفلة الناس عن استغلال شعبان. فتجد طائفة من الناس في أيام شعبان، خصوصًا من ينشغل بالقيل والقال، بإضاعة الأوقات، بالجلوس والذهاب إلى الساحات، والجلوس والتسكع في الطرقات، أو الذهاب إلى الأسواق تحت ما يسمى وتحت ذريعة التبضع لرمضان. يأخذ الساعات والطوال هو وأهله، يمر في هذا المركز، ومر في المركز الثاني، وأحيانًا يذهب إلى خارج الشحر، وأحيانًا إلى البلدة، وتأمر عليه الليالي والأيام، وهو يتفسح، وتنقضي الأيام، وما عمل عملًا صالحًا، ولا قولًا ناصحًا. ناهيك عن من يشغله باللعب والسهر والسمر، فتمضي عليه الليالي والأيام، وهو خلو من الأعمال، وطائفة من الناس من صور الغفلة التي ابتلي بها، ابتلي بأن ينكب على المحرمات، يسترسل في فعل المعاصي والذنوب والسيئات. ولك يا عبد الله أن تسأل مثلا عن المشاكل الأسرية في هذه الأوقات بالذات، المشاكل الأسرية، القطيعة، الهجران بين الأهل، بين الجيران، بين الأصحاب، بين الزملاء، بالأمس يعني الاتصال حول مشاكل أسرية، بالأمس تجد أن الوضع يزداد تأزمًا. وأن الناس يزدادون في المعاصي، ذاك الذي ابتلي بالتدخين أو التخزين، تجده من الآن يشتد، وقد أرجع العلماء أرجع العلماء السر في تمادي الناس في فعل المعاصي في هذه الأوقات بالذات إلى مسألة، وهي تعود إلى مسألة تصفيد الشيطان في رمضان. الشياطين تعرف أنه إذا دخل عليها رمضان ستسلسل وتصفد بالسلاسل والأصفاد، فهي قبل أن تربط، وقبل أن يربط، تؤمر بأن تسلسل، تسعى الآن بكل ما أوتيت من قوة، بماذا؟ بأنها تدخل في قلوب العباد بوسواسها وبخطراتها. فتملأ قلوب الناس بالأفعال الشيطانية، ولهذا لا غرابة أنك تسمع الآن من الفضائح والفضائع هنا وهنا، فهذه يا عبد الله من صور غفلة الناس في هذه الأوقات بالذات، كذلك من صور الغفلة التي ابتلينا بها ما نحن نسمعه في مثل هذه الأوقات، وخاصة في هذه الليلة. وهي الوقوع في البدع والمحدثات في شعبان، يوقع الناس فيه من البدع ما لا يوقعون في أي زمان، في شعبان خاصة، وخاصة في ليلة النصف من شعبان، فذاك الذي يخصها بقيام، ذاك الذي يخصها بذبح قربان، ذاك الذي يخصها بدعاء وابتهال. ذاك يخصها باحتفال، الاحتفال بليلة النصف من شعبان، ومنهم من يأتي بما يسمى بالصلاة الألفية، ألف ركعة، بدعة حمقاء شنعاء، حرمها العلماء، وهكذا قس أشكال وألوان من البدع، ما أنزل الله جل وعلا عليها من سلطان، وتكالبت كلمة العلماء على التحذير منها، وعلى تحريمها. لكن في آمن من الناس إلى الآن، وهم لا زالوا في غفلة عن شعبان، هو شهر سنة، جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام استغلاله بما ثبت عنه في السنة الصحيحة، لكن في آمن من الناس استهوتهم الشياطين، فاستغلوهم بالبدعة. وصورة رابعة من صور الغفلة أيضًا في شعبان، من ذهبت به الشياطين إلى أعظم صور الغفلة، وهو الوقوع في الكفريات والشركيات، وهل هذا حاصل في شعبان؟ أي نعم، بل وهو حاصل بكل جلاء في بلادنا اليمنية. وأعني به زيارة قبر نبي الله هود، متى تمت؟ في شعبان، في اليوم الثامن والتاسع والعاشر، تزامنًا مع أيام الحج، ويسمونه حج المشاهد، حج قبر نبي الله هود، وثنية جاهلية، يعيدون ما كان عليه فعل الجاهلية الأولى، من قمة الشرك والكفر الذي يعمل في هذه البلاد. فتأمل يا عبد الله غفلة الناس في شعبان، ذاك بإضاعة الأوقات، ذاك بفعل المخالفات، ذاك بارتكاب البدع والمحدثات، وذاك بالوقوع في الكفريات والشركيات، كل أنواع الغفلة اجتمعت في شعبان، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه". غفلة عظيمة، إلا أن القليل من العباد من يوفق، من يوفق إلى الهداية، وإلى الاستفادة، والجباية، فيعرف قدر شعبان، ولهذا كان من أقوال العلماء: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، أي في شعبان، هذه نعمة. إذا رأيت من نفسك يا عبد الله أن الله أنعم عليك أنك تعتني بإصلاح نفسك، احمد الله، لأن الكثير من البشر قد ضلوا عن هذه المسألة العظيمة، هذا إذا قلنا إخواني في الله أن إصلاح النفس لذات شعبان، هنا تأتي المسألة الثانية، أو أن إصلاح النفس في شعبان ليس لذات شعبان. لا وإنما لأجل رمضان، لأجل رمضان، وهذا إذا قلنا إلى أن شعبان مجرد عن الفضائل، لا يعتبر موسم من المواسم، ما فيه فضيلة، فعلى ماذا يحمل هذا الأثر؟ "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، قال علماء هنا التزكية، لأنك يا عبد الله ستقدم على رمضان، وماذا في هذا؟ لو قلنا أننا قادمون على رمضان، فلماذا نمدح على إصلاح أنفسنا في شعبان؟ قال العلماء ذلك لأمرين اثنين، لأمرين اثنين، الأمر الأول، ويقاعدة سطرها جماعة من أهل العلم، مفادها على أن الأعمال الفاضلة إذا كانت ملتصقة بالفرائض، فإن أجرها يعظم. هذه قاعدة يذكرها جماعة من أهل العلم، الأعمال الفاضلة إذا التصقت بالفرائض، فإن أجرها أعظم، مثاله عندي في الصلاة ما يسمى بصلاة النوافل، وهي كثيرة وكثيرة جدًا، تتنفل ليعبد الله بما شئت من النوافل، لكن إذا جئت إلى أشد النوافل التي ينبغي أن تحرص عليها. قال العلماء هي السنن الرواتب، وما هي السنن الرواتب؟ قالوا هي السنن الملتصقة بالفريضة، قبل الصلاة أو بعد الصلاة، مع أن هذه السنن هي من نوافل الصلوات، من النوافل، لكن لما التصقت بالفريضة، فإن أجرها أعظم من غيرها، أعظم من غيرها، بإمكانك أن تتنفل في أي وقت شئت. لكن لما تأتي إلى سنة راتبة، اعلم أن أجرها أعظم من السنة المطلقة، لماذا؟ لهذه القاعدة، النافلة إذا التصقت بالفريضة، فإن شأنها أعظم، وتنتقل إلى هذه القاعدة، طبق جماعة من أهل العلم هذه القاعدة في باب الصيام، قالوا: الصيام المطلق كثير. لكن أفضل الصيام ما كان ملتصقًا بالفريضة، ما هي فريضة الصيام؟ رمضان، فكل صيام التصق برمضان من قبل ومن بعد، فهو من أعظم الصيام، قبل رمضان شعبان، فهو من أفضل الصيام، وبعد رمضان شوال، فهو من أفضل الصيام، لهذا جاءت مسألة اختلفها العلماء في ميزان الشرع. أيهم أعظم صيامًا، أن تصوم شهر الله المحرم، الذي قال عنه نبينا أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، أو أن تصوم شعبان؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى تفضيل صيام شعبان، وأنه مقدم على صيام شهر الله المحرم، لهذه القاعدة. بل بعض مستدل بما رواه الإمام الترمذي في سننه من حديث أنس، أن النبي لما سئل عن أي صيام أعظم بعد رمضان؟ قال: "شعبان تعظيمًا لرمضان"، قال: "شعبان تعظيمًا لرمضان"، إلا أن هذا الحديث معل ضعيف لا يصح. فالشاهد إخواني في الله الذي أريده أن أذكره في قول من قال من السلف الصالح: "طوبى لمن أصلح نفسه في شعبان"، أو قل قبل رمضان، ليس لذات شعبان، لا، لكن لقرب شعبان من رمضان، فإن شعبان اكتسب منزلة اكتسبها عن باقي الشهور. فالله سبحانه وتعالى خص هذا الشهر أن جعله قريبًا من رمضان، وما خصه الله إلا لشأن، إلا لشأن، لهذا كان ينبغي أن نعتني بهذا الشهر أشد اعتناء من غيره، هكذا خرج العلماء هذه المسألة، فهذا طوبى لمن أصلح نفسه في شعبان، ليس لذات شعبان، وإنما تعظيمًا لرمضان. أو يقال أن إصلاح أنفسنا في شعبان ليس لذات شعبان، وإنما لرمضان، ليس تعظيمًا لرمضان كما استفنا، ولكن تمرينًا لرمضان، تمرينًا لرمضان، وهذه مسألة تربوية، مسألة تربوية، مفادها إخواني في الله أن المسلم إذا انقطع عن العبادة انقطاعًا طويلًا. فأراد أن يستأنف الرجوع، فإنه يجد في أول أمره مشقة، ولا بد مشقة، ولا بد، وتأمل في حق الصائمين مثلا، بعض الناس لربما صام رمضان الذي قبل عام، ثم انقطع عن الصيام تمامًا، ما يصوم، لا يعرف شيء من النوافل، ولا من التطوع. إلى أن يأتي الرمضان القادم، فأول ما يدخل في هذا في رمضان الجديد، يجد ماذا؟ المشقة، يجد التعب، يحس بمرارة الجوع، بمرارة الضمأ، لو ربما اشتكى، لو ربما التوى من المنغصات ومن الآلام، لو ربما تذمر، وكل ساعة وينظر إلى ساعته مثل المغرب تأخر المغرب. لا ما تأخر المغرب هذا ووقته، لكن يرى أن الوقت قد مضى، لو ربما يستطيع أن يمارس حياته التي مارسها قبل أيام، لو ربما إذا ذهب إلى عمله يذهب إليها متكاسل متقاعس، لو ربما يتغيب عن عمله، بل إذا ذهب إلى صفه الدراسي لربما ارتمى في الصف. وإذا طالبه المدرس بأن يسمع أو يقوم، يقول: يا أخي أنا صائم، يا أخي صائم، لا تكلفني، يعني لا تبلغ، لا تعنف، عليك فيني الذي مر علي هذا، إذا اتقى الله هذا، فإنه يدخل في صيام بكلف، لكن إذا لم يكن متقين لله، للأسف إنه يفطر، يفطر. وكم تأتينا من أخبار محزنة، يحزن لها القلب، عن بعض الناس الذين هم شباب، لا كبار في السن، ولا ضعفة، بل شباب في أوج قوتهم، لو ربما ما يأتي الظهيرة، يأتي تأتي الظهيرة عليه إلا يقول: أخي أنا تعبت، إيش هذا؟ فيذهب إلى أقرب زاوية من زوايا بيته. أو إلى مستودعه فيفطر بينه وبين أصحابه، وبين شياطينه، وتمر يمر عليه شهر رمضان على هذا، لربما إن صام من رمضان أيام معدودة، ثم بقيت الأيام يمر عليها مرور الكرام، كرام مفطر، بحجة أنه ما يستطيع، إخواني في الله، هذه الآفات تظهر لفي حق من هذا؟ في حق الذي انقطع عن الصيام، لكن قل لي بربك الذي تمرس على الصيام، ثم يأتي إلى شعبان، ويسمع عن نبي الأنام عليه الصلاة والسلام أنه يكثر من الصيام، يكثر من الصيام، فماذا تظن في حق المسلم؟ والمسلم قد صام أيام من شعبان، خمسة أيام، ثلاثة أيام، الاثنين والخميس، بضعة أيام. فإذا دخل عليه رمضان، هل سيجد تعب؟ لا والله، ما سيجد تعب، بل سيجد رمضان سهل، أن قد اعتاد وتعود، ولهذا يقول العلماء: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، لأنك بإصلاح نفسك، إن استطعت أن تسيطر عليها، فإنك سيطر عليها في رمضان بأسهل ما يكون. هذا في رمضان، وقس على ذلكم سائر الطاعات والعبادات، حتى قراءة القرآن، بعض الناس ربما ما اعتاد على قراءة القرآن، فإذا أقبل رمضان لربما يأتي بهمة، فإذا أقبل يقرأ يقرأ يقرأ، يجد أن اللسان ثقلت عليه، ثقلت، وما يستطيع، لربما في الليلة الأولى والثانية يمشي. ثم الثالث ما استطاع، ثقلت عليه العبادة، لا ما تمرس عليها، لكن لأنه فعلك ما كان يفعل سلفنا الصالح من إقباله على قراءة القرآن، وعن إقبال على ذكر الله، يجد أن رمضان أسهل ما يكون في التلاوة والصلاة، وهكذا قس يا عبد الله سائر الطاعات والعبادات. فعبارة من قال من أئمة سلفنا الصالح: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، أي في شعبان، فهو إما يخرج إما لأن شعبان موسم من مواسم الأعمال قد مضى، أو على أن شعبان ليس موسم، لكنه تصلح به الأنفس لتعظيم رمضان، أو للتمرن على رمضان، هذا إخواني في الله. الإشكال الأول الذي نقف عليه في هذه الليلة مع هذا الأثر، نقف عند إشكال ثاني، وهو: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، أصلح نفسه، إصلاح النفس، خبر رمضان، بأي وجه من الوجوه؟ إصلاح النفس باب كبير، إصلاح النفس بماذا يكون؟ دلت الأدلة على أن المسلم والمسلمة إن أراد أن يصلح نفسه قبل رمضان في شعبان مثلا، يحاول أن يعتني ببابين اثنين، بإصلاح ما بينه وبين الله، وإصلاح ما بينه وبين الناس، وفي كلا الأمرين قد جاءت عليه الأدلة، قد جاءت عليه الأدلة. نبقى في الأمر الأول، دلت الأدلة على أن من أعظم ما ينبغي أن يتوجه إليه الأنام قبل دخول رمضان، أن يصلح أنفسهم فيما بينهم وبين الله جل وعلا، بالإقبال على الطاعات والعبادات قدر الإمكان، دليله ما كان من فعله عليه الصلاة والسلام من كثرة الصيام. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان إلا قليلًا"، يصوم شعبان إلا قليلًا، وقالت رضي الله تعالى عنها، أو قال أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، وهم مندهشين من صومه، قالوا: يا رسول الله لم نرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ يعني وصلت إلى مرحلة يعني أثارت الدهشة، يعني صومك كثير جدًا، فدل ذلكم على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلح نفسه بكثرة الصيام، والإقبال على الله في رمضان، وهذا ليس فقط في الصيام، بل بسائر الأعمال، حتى أن سلفنا الصالح كانوا ينشغلون في شعبان بماذا؟ بكثرة قراءة القرآن، بل كان هذا الشهر يسمى ماذا عندهم قديمًا؟ يسمى بشهر القراء، هذا لا تظن شهر القراء رمضان، لا، شهر القراء عند السلف هو شهر شعبان، يسمى عندهم بشهر القراء، لماذا؟ لكثرة ما يذكرون الله فيه، ويقرؤون فيه القرآن. حتى أن منهم من كان يتفرغ لقراءة القرآن الليالي والأيام الطوال، فكانوا ينشغلون بإصلاح أنفسهم بالذكر والتسبيح والتهليل، وبذكر الله جل في علاه، أذان بعد الأذان، إخواني في الله، نواصل. قلنا إخواني في الله مما يتعلق بهذا الأثر العظيم: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، الوقفة الثانية في أوجه إصلاح النفس قبل رمضان، في أي المكامن ينبغي أولًا؟ ذكرنا أنه يكون فيما بينك وبين الله، وذلك بالإقبال على الطاعات والعبادات. كما فعل رسول الأنام، والسلف الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، هذا وجه، والوجه الثاني من وجه أوجه إصلاح النفس قبل الدخول إلى رمضان، فيما بينك وبين الأنام، وبين عباد الله، ومما يدلل به على هذا الأمر ما جاء في السنن من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله اطلع على أهل الأرض جميعًا فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن"، إن الله اطلع ليلة نصف من شعبان على جميع خلقه فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، هذا الأثر نعم وقع الخلاف في صحته. وصحه جماعة من العلماء كالإمام المنذري رحمه الله تعالى، والشيخ الألباني، انتصر لصحة هذا الحديث، وذكر له الشواهد الكثيرة التي تؤيد صحته، فهذا الحديث إخواني في الله من الأحاديث التي تدل على فضيلة شعبان بشكل عام. أن خصه الله بليلة عظيمة، وهذه الليلة هي هذه الليلة، ليلة النصف من شعبان، مضى معنى أن الناس اختلقوا فيها البدع العظام ما أنزل الله بها من سلطان، أما هذا الحديث ليس فيه بدعة، هذا الحديث إنما يطلب منك السلوك، وهو أن تكون موحدًا، وأن لا تكون مشاحنًا. فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "قال المشاحن هو المعادي"، فمن كان مبتلىً بالشحناء والعداوة والبغضاء، فإنه يحرم من هذا الخير العظيم، ومن هذا الفضل العميم الذي أن الله عز وجل يفتح باب المغفرة لكل خلقه من الموحدين. إلا من كان بينه وبين أخيه شحناء وعداوة وبغضاء، والحكم يدور في حق الرجال والنساء، هذا الحكم، لو تلاحظ صحيح أنه نزل في ليلة النصف من شعبان، لكن لو تلاحظ المعنى، تجد ويكأن الشرع يمهد لهذا الفضل، يمهد بأن الناس ما يدخلون رمضان إلا وهم بقلوب طاهرة صافية من الإحن ومن الشحناء والبغضاء. تخيل بالله يا عبد الله لأن مسلمًا سمع بهذا الفضل فيقول: مغفرة، قال: سامحت، وعفوت، وغفرت عمن أساء إلي، وعمن اعتدى علي، مسامح، كل ذلك مرضاة لله، وطلب لمغفرة الله، طب هذا الآن الذي من الآن أبهر النوايا الحسنة. كيف سيدخل إلى رمضان؟ هل سيبقى في قلبه شيء؟ الجواب لا، هذا صف، وذاك صف، وذاك صف، وذاك صف، ويكأن شعبان إنما جاءك مرحلة لتصفية النفوس، لأن أحيانًا تصفية النفوس تحتاج إلى أيام حتى يزول ما في القلب. فتمضي الليالي والأيام، ما يدخل رمضان إلا والناس على قلوب طاهرة صافية، وهذا من أعظم مقاصد استقبال رمضان، حتى قال من قال من السلف: وقد سئلوا: كيف كان استقبالكم لرمضان؟ قال: "ما كان أحد منا يجرؤ على استقبال هلال رمضان وفي قلبه حقد على أحد". ما نستطيع، ما كان أحد منا يجرؤ على استقبال هلال رمضان وفي قلبه حقد على أحد، ما نستطيع، يدخل رمضان في قلوبنا حقد، نحن نستطيع بهذه الدرجة، فكانت هذه المزية، وهي غفران الذنوب للمتحابين والمتصافين من دون المتشاحنين. هذا يدل على أن من أعظم ما ينبغي أن نسعى إلى إصلاح أنفسنا قبل رمضان هو إصلاح ما بيننا وبين إخواننا، بين جيراننا، بين عامة المسلمين، لأن قضايا الشحناء والعداء والبغضاء إخواني فينا، ليس فقط حدها أنها سيئات تكتب علينا. بل إن من شؤمها أنها حواجز وموانع تمنع عنا الانتفاع بأعمالنا، هنا البلية، هنا البلية، الشحناء والبغضاء تعتبر موانع تحجزنا من الانتفاع بأعمالنا الصالحة، قد دلت على ذلك الأدلة الكثيرة، فتأمل ما يكون من الشحناء العامة بين المسلمين. ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحنا، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا". تأمل الحديث، تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك