المحاضرة بعنوان من معالم الصراع بين الحق والباطل، والتي كانت ضمن الدورة العلمية الثالثة والعشرين بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 ذو القعدة 1446هـ الموافق 5 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُناقش الصراع الدائم بين الحق والباطل منذ خلق آدم عليه السلام وتكالب أهل الباطل ضد أهل الإيمان. يُشير إلى تحالف أهل الباطل ضد الحق مستشهدًا بالآيات القرآنية.
يُحذر من المنافقين وأهل الباطل المتحدين ضد الإسلام وأهله، ويُشدد على أهمية الاتحاد والقوة واستقامة الكلمة بين المسلمين. كما يحذر من التنازع والتحزب الذي يخدم مصالح الأعداء.
يشرح مخططات الشيطان لتفكيك صف المسلمين وإثارة العداوة بينهم، ويبين أن أعظم ما يفعله الشيطان هو تفريق أهل الإسلام. كما يوضح فرح الشيطان عند نجاح أعوانه في التفريق بين الأسر والأحبة.
يجب على المسلم الحصيف أن يجمع الكلمة ويعفو عن إخوانه، ويتجاوز عن الإساءة وظلم الآخرين. كما يُشدد على أهمية التغافل كأحد شيم الكرام في التعامل مع الإخوان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، في هذا اللقاء المبارك، وفي هذا الوقت من أوقات الدورة، ما يكون من النصائح والتوجيهات، والذي فيه أحب أن أستعرض معكم عظيم ما حبان الله جل وعلا به من هذا الخير عموما، من انتشار الإسلام في أقطار المعمورة، وأخص بالذكر ما كان من انتشار السنة هنا وهنالك، وأخص ونحن في هذه البلاد المباركة، ما ترتقي جبلا ولا تنزل واديا إلا وترى لدعوة أهل السنة أثرا وإقبالا واجتماعا، وهذا من عظيم ما نتحدث به. لكن هذا الخير، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أنه يؤشر إلى مؤشر آخر ينبغي أن نتأمل فيه وأن نراعيه، ما هو؟ أن هذا الخير سيجابه بالشر، سيجابه بالشر، والقاعدة في هذا الباب أنه ما من خير موجود إلا وسيبتلى بشر مرصود، ما من خير موجود إلا وسيبتلى بشر مرصود، على مقدار الخير الذي يكون سيقابله الشر، سيقابله الشر. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، لا إيمان خير إذا ستكون هناك شر فتنة تقابله. وكما قال سبحانه وتعالى في تصفية الصفوف: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، الطيب يقابله خبيث لابد، خير يوجد ما يقابله من الشر. وقد جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتل الرجل على قدر دينه، على قدر دينه، فإن كان في دينه صلب اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه». على هذه القاعدة: خير موجود، شر المرصود يعادله، يقابله، يوازيه، لكن يخالف في الاتجاه، هذا الأمر إخواني في الله. وهذه القاعدة هي في الحقيقة تتفرع منها مسألة عظيمة، وهي مسألة الصراع بين الحق والباطل، الصراع الدائم بين الحق والباطل، وهذا الصراع قديم جدا، لا أقول في كل الأعمار، في كل الأحقاب، وفي كل القرون، بل منذ أن خلق الله الأرض وخلق الله البسيطة وخلق الله الكون، وهذا الصراع وجد منذ أن أوجد الله عز وجل آدم عليه السلام. ما الذي خلق؟ خلق إبليس الشيطان، فقلنا: «يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك»، خير قُبل بالباطل، «إن هذا عدو لك ولزوجك». ولهذا بدأ الشيطان، وهو رأس الشر ورأس الباطل، أخذ يعد العدة يدعو أولياءه، ويأتي بأصناف من الباطل والشر، يجمع هؤلاء لكي يقابلوا الحق. إخواني في الله، الكلام عن الصراع بين الحق والباطل له مقام يطول ويطول، ولكن حسب في هذا المقام الإشارة إلى بعض معالم الصراع، إشارة أو إشارتين نذكرهما بعجالة. فمن معالم الصراع بين الحق والباطل أن الباطل إزاء مجابهة الحق قاموا واحتشدوا وتجمعوا وتآلبوا وتكالبوا من كل حدب وصوب، كل الباطل أصبحوا في خندق واحد ضد الحق، ضد الإسلام، ضد الإيمان، ضد السنة، ضد الطاعة والعبادة. فها هم أهل الباطل الذين هم في الخارج، أخبر ربنا عز وجل عن تكاتفهم واتحادهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، بينهم ولاية، اليهود والنصارى بينهم ولاية، مع أن هذه ملة وهذه ملة، وهذا دين وهذا دين، لكن تجمعوا بماذا؟ على ضرب الإسلام وأهله. ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فتجد أن الكفار أعداء الخارج على اختلاف مللهم ونحلهم ومشاربهم يتحدون. كذلكم أعداء الداخل ممن هم يحسبون على الإسلام وهم من أعدائه، هم كذلكم على هذا الوصف من التكالب، من الاتحاد، التجمع. قال ربنا: ﴿وَالْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، أهل الشقاق، أهل النفاق، ضعفاء في الإيمان، يتحدون، يتحدون من هذه الأحزاب اللادينية، من العلمانية واليسارية والقومية والبعثية، ومن كان من أهل الشهوات والملذات، يتحدون، يضع ذاك يده في يد أخيه على حرب الإسلام، وعلى حرب أهل الطاعة والإيمان. وهكذا قس أهل البدع وأهل الأهواء، يشكلون تكتلات وأحزابا، وما يسمى بالطاولة المستديرة، يجتمعون على محاربة السنة، وعلى أهل السنة. فأهل الباطل يتخذون من هذا من أعظم ما يتخذون في صراعهم للحق وأهله مسألة التحشد، الاحتشاد، والاجتماع، والتكالب. بل وصل الأمر كذلكم إلى قوة هذا التجمع، ما كان من تجمع الإنس مع الجن، ليس فقط الإنس مع الإنس في الداخل والخارج، بل حتى الإنس مع الجن. قال ربنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِ نَبِيٍ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، شياطين من الإنس مع شياطين من الجن، يوحي بعضهم إلى بعض، تعاون مشترك، تعاون مشترك فيما بينهم على حرب الإسلام، على حرب أولياء الله جل في علاه. ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، الشياطين توحي إلى أوليائها من البشر، تأتي لهم بالتلبسات، تأتي لهم بالشبهات، تأتي لهم بهذه الأمور التي تشكك الإنسان، بعض هذه الشبهات قوية، تجد أن هذا من وحي الشيطان، الشيطان يمد أولياءه من أعداء الدين. تعاون بين الإنس والجن، بل ربما استعان الشيطان وأهل الباطل كذلك بغيرها من العوالم، بغيرها من العوالم. ذكر البخاري في الأدب المفرد في أمر تلكم الفأرة التي كانت تجر فتيلة فيها شعلة نار، تجرها وتجرها حتى أتت بها إلى خمرة كان نبينا صلى الله عليه وسلم جالسا عليها، فأرادت جارية أن تمسك الفأرة أو أن تمنعها، فأمرها نبينا أن تكف عنها، دعيها. فإذا بهذه الفأرة تجر الفتيلة حتى أتت بها عند الخمرة التي جلس عليها نبينا وألقتها، ألقتها حتى احترق من الخمرة موضع درهم، موضع درهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد أحدكم أن ينام فاطفئوا سروجكم، فإن الشيطان ليأمر مثل هذا أن تفعل مثل هذا، إن الشيطان ليأمر مثل هذا أن تفعل مثل هذا». إذا نحن، إخواني في الله، أمام أعداء كثر، كثر حول هذا العالم بما فيه من سعته، من العوالم والكائنات، من الإنس والجان، من الأديان والملل والنحل، كل من كان في الباطل قد يكون إلى خندق واحد ضد الحق وأهله. بل مع أن هؤلاء قد يكون بينهم ما بينهم من النزاع، من الفتن، من عدم الراحة لبعضهم، كما قاربنا: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾، عندهم اختلاف، أشياء عندهم تصفية حسابات، لكن إذا كان العدو الحق اتحدوا وتركوا. فإذا كان الأمر كذلك، إخواني في الله، إذن فينبغي على المسلم، وخاصة من كان من أهل السنة، أن يراعي قوة هذه المجابهة من أهل الباطل، وأن يعرف أن الوقت يحتاج إلى طراص الصفوف، وأن يتقوى المسلم بأخيه المسلم. ولهذا جاءت الأحاديث والآثار والآيات الدالة على وجوب الاتحاد والقوة واستقامة الكلمة والطراص فيما بيننا: «كونوا عباد الله إخوانا، إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص»، ليس بنيان بل مرصوص، رص. لكن للأسف نجد ما عليه العالم الإسلامي مثل هذه الأزمان، هنا وهنالك، على خلاف هذا، التنازع يدب على أي شيء، وفي كل شيء، ليس الإسلام عموما، بل حتى من كان من أهل السنة، لربما يمزق هذا الصف، الصف السلفي أو السني، على أشياء ما تستحق، تصفية حسابات، أو على مؤاخذات، أو أن ما قدمني، أو أن ما أعطاني، أو أن ما اكترث بي، أو ما بالى بي. فلا زال معول الهدم يهدم هذا الصف إلى فرق وأفكار وآراء، وشحن القلوب بالشحناء والبغضاء، في حين أن أعداء الدين يجتمعون من كل حدب وصوب. فافهم هذا يا عبد الله، فافهم هذا يا عبد الله، وما يعده أعداء الدين لهذه الأمة من الأضرار ومن الفساد. ولهذا الشيطان يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى عدم اتحاد الكلمة، أعظم ما يفعله الشيطان بعد إيقاع الناس في الشرك، هذا أمله العظيم الذي يكون فيه التخليد في النار، إذا ما ظفر بإيقاع الناس في نار الجهنم السرمدية الأبدية، انتقل إلى المرحلة الثانية، وهي تفكيك الصف، إضعاف أهل الإسلام. لأن بضعفهم تضعف المجابهة، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، عندما دخل اليأس ظن منه أن ما هناك أحد سيتبعه، «انتقل إلى المرحلة الثانية، إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن رضي بالتحريش بينهم»، هذا مآله. يعلم أن قوة الحق باتحاد أهله، اتحدوا، اجتمعوا، ازدادوا قوة، تفرقوا ضعفوا، ولهذا لا زال يضعف فينا. ومن أعظم ما يطلبه الشيطان من أعوانه السعي إلى الإفساد، وأعظم أنواع الإفساد التفريق بين أهل الإسلام، كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، يوقع بينكم هذا همه، وهذا أمله، أن يوقع بيننا العداوة والبغضاء، أن تقع بيننا القطيعة والعداوة. لأن بهذه الظواهر يقع بين اتحاد كلمة، اجتماع صف، بالعكس، تجد المهاترات، تجد الشحناء والبغضاء. وقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأقربهم أدناهم منزلة أعظمهم فتنة». الشيطان يرسل أعوانه في شرق الدنيا وفي غربها ليُفسدوا، وجعل لهم رتب، أعظمهم فتنة أعلاهم رتبة، فيجتمع الشياطين بعد أداء المهام التي ذهبوا إليها، فيقول أحدهم للشيطان: «لازلت بفلان حتى قال قولا عظيما، أتى بكلام شديد»، فيقول الشيطان: «ما صنعت شيئا، ما فعلت شيئا». فيأتي الآخر ويقول: «لازلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أهله، فرقت بينه وبين أهله»، فيقول الشيطان: «نعم أنت، نعم أنت». وفي رواية: «فيضمه ويلتزمه». فالشيطان يفرح من أعوانه إذا قاموا بهذا المخطط، التفريق بين الأسر، التفريق بين البيوت، التفريق بين الأحبة. لهذا عظم الشارع خطورة الهجران في الدين، «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه. بل منعت الشريعة كل ما يؤدي إلى ظاهرة القطيعة: «لا تشاحنوا، لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا»، «المسلم أخو المسلم». تأتي الأوامر العظيمة في هذا الباب الذي تدل على أن الإنسان يحرص. وأختم هذا المقام إخواني بما بهذا الأثر، ومنهم من أورده مرفوعا، ومنهم من أورده موقوفا، عن أبي أمامة: «أن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يفرشه أهله، إذا قام أهل البيت، تأتي الزوجة مثلا فتفرش الفراش تهيئه على أحسن الوجود». «إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما هيأه أهله فيرمي فيه القذى والعود ونحوه»، انظر، يرمي بالوصخ داخل الفراش، لماذا؟ قال عليه الصلاة أو على الحالة المرفوع: «لكي يغضبه على أهله»، لأن الرجل إذا جاء بعدك إلى الفراش يرى هذا البعفر، يرى قذى، حبالا أو عصيا، فيظلم أن هذا من إهمال المرأة، فيغضب عليها. قال: «ليغضبه على أهله، فلا يغضب على أهله، إنما هو من فعل الشيطان»، انظر لفعل الماكر الخبيث، لربما يندس بين أهل الإسلام فيثير بينهم الضغائن. فشاهد إخواني في الله أني أردت من هذه المقدمة، وهذا من معالم الصراع، وهو أن من أعظم ما يفعله أهل الباطل بمعونة الشيطان، بمعونة أعداء الداخل والخارج، بمعونة الكائنات، بمعونة الإنس والجان، من أهل البطلان، أنهم يجتمعوا ويحتشدوا على الإضرار والأذية لأهل الإسلام. ولهذا وجب على المسلم الحصيف العاقل النبيه النبيل أن يعرف هذا المقصد الشرعي، وأنه يحرص على جمع الكلمة، وعلى إتمام الصف، وأنه يراعي في أمر إخوانه، ويستخدم العفو والصفح والإحسان، يعفو عن من ظلمه، يحسن لمن أساء إليه، ويتجاوز، ويستخدم التغافل، فلا يزال التغافل من شيم الكرام. أقف إلى هذا الحد، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.