فضيلة عاشوراء

فضيلة عاشوراء

المحاضرة بعنوان فضيلة عاشوراء، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ظهر يوم الخميس 8 محرم 1447هـ الموافق 3 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في فضائل يوم عاشوراء

يتحدث الدرس عن فضائل يوم عاشوراء وتحري النبي صلى الله عليه وسلم لصيامه وعظيم أجره. يكفر صيام هذا اليوم ذنوب سنة كاملة، ويشترط أن يكون تكفير الصغائر دون الكبائر.

مراحل تطور صيام عاشوراء

كان صيام عاشوراء في مكة ثم فرض في المدينة بعد هجرة النبي، وأصبح مستحبا بعد فرض رمضان. فرض عاشوراء استمر لفترة قصيرة في السنة الثانية للهجرة.

حكم صيام يوم عاشوراء ومخالفة اليهود

يستحب صيام التاسع مع العاشر لمخالفة اليهود، ويجوز صيام العاشر منفردا. لا كراهة في صيام يوم السبت إذا صادف يوم عاشوراء.

خاتمة الدرس والدعاء

يختم الدرس بدعاء بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال. ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن فضائل هذا الشهر الذي نحن، وإياكم، نستغله، وتحت ظله، ألا وهو شهر الله المحرم، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى صيامه، ألا وإن من أعظم أيامه هو اليوم العاشر منه، والذي يعرف بيوم عاشوراء، هذا اليوم الذي خصه الله جل وعلا بالتبجيل والتقديس والتعظيم والتشريف. من فضائله، ما كان من تحريه عليه الصلاة والسلام لصيامه، كما جاء في الصحيح من حديث ابن عباس، قال: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم كان يفضله على غيره كهذا اليوم»، أي يوم عاشوراء، كان يتحرى عليه الصلاة والسلام، وهذا التحري يدل على شدة تعظيمه وتتبعه لوجوده حتى يتمكن من صيامه عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا دأب السلف، فإن جماعة من الصحابة ومن التابعين بلغ من اعتنائهم بصوم عاشوراء أنهم كانوا يصومونه بالأسفار، وحجتهم في هذا المقام بأن رمضان له عدة من أيام أخر، أما عاشوراء فليست له عدة، إذا مضى انقضى، ولهذا كانوا لا يفرطون فيه، فكانوا يصومونه في حلهم وفي ترحالهم. ومن فضيلة عاشوراء أيضا، إخواني في الله، ما جاء من عظيم أجره الذي جعل الله عز وجل فيه لعباده، فقد قال عليه الصلاة والسلام عن صوم يوم عاشوراء: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»، وفي رواية: «أن يكفر السنة الماضية»، فهذا اليوم، والذي لا يتجاوز عدة ساعات، إن صمته، يا عبد الله، حزت على هذا الفضل العظيم، أن الله جل وعلا يكفر عنك ذنوب سنة، سنة كاملة، وهذا فضل، وهذه رحمة من عظيم رحمات الله على هذه الأمة المحمدية. وقد أشرنا إلى أن من عظيم منته على خلقه وعباده أن فتح لهم مواسم الخيرات، وهذا منها، يوم واحد يكفر الله عز وجل به ذنوب سنة، وقد ذكرنا في دروس قديمة سابقة أن هذا التكفير إنما يكون في الصغائر، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء إنما للصغائر»، فهذه الفضائل، ومنها عاشوراء، ما يكون من صومه إنما يعرج على الصغائر، أما الكبائر فدونك، يا عبد الله، بالتوبة، فلابد من توبة تكون بينك وبين الله عز وجل. وهنا ننتقل، إخواني في الله، إلى مسألة مهمة، ألا وهي في أحوال عاشوراء في ميزان الإسلام، هذا اليوم المعظم المبجل، تطور معنا من حالة إلى حالة في حياته عليه الصلاة والسلام. أوائل مراحل عاشوراء، أو ما يتعلق بصيامه على وجه الخصوص، ما كان في مكة، إذ كان أهل مكة، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية»، تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فنبينا كان يصوم عاشوراء وهو في مكة. وهنا قد يستشكل بعض الناس إشكالا يقول: وكيف أهل الجاهلية يصومون؟ نقول: ما هناك إشكال، لأن الجواب: وكيف أهل الجاهلية يحجون؟ فأهل الجاهلية من كفار قريش كان عندهم تحنث، عندهم تعبد، بما نقل إليهم من بقايا دين إبراهيم الخليل، وبما احتفت بهم من الأديان السماوية، فكان عندهم نوع تعبد، فكان عندهم الحج، وعندهم الطواف، وكان عندهم كذلكم الصيام، فكانوا يصومون عاشوراء، وكان نبينا يصومه في هذه الفترة. المرحلة الثانية، عندما انتقل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهاجر إلى المدينة، في هذه المرحلة وجد نبينا صلى الله عليه وسلم أن اليهود يصومون عاشوراء أيضا، إلا أن اليهود كان يصومون عاشوراء لعلة، وهي أن في هذا اليوم العاشر من محرم نجى الله جل وعلا فيه موسى، فكان من تعظيم اليهود لهذا اليوم شكرا لله أنهم صاموه، فكان هذا اليوم هو يوم صيام عندهم، فلما علم نبينا صلى الله عليه وسلم بصيام اليهود، قال: «نحن أولى بموسى منهم»، فأمر بصيامه، هنا أمر الناس في المدينة، لم يأمر في مكة، أمر بالصيام، وهذا التطور الثاني أن أمر بالصيام، والأمر هنا، إخواني في الله، كان أمر إيجاب، كان أمر إيجاب، فرض على كل واحد أن يصوم عاشوراء، حتى أن الذي أصبح وقد أكل، أمره نبينا أن يمسك وأن يتم صومه، لأنه فرض، فرض حتم لازم. ثم المرحلة الثالثة، عندما جاءت فرضية رمضان، حينها فرض رمضان على الناس، ونسخ فرضية عاشوراء، فأصبح عاشوراء مستحبا لا فرضا، ومن باب التاريخ، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم كيفية نزول هذه الحوادث، نبينا صلى الله عليه وسلم وصل المدينة في ربيع الأول، جلس فترة، ثم دخل عليه شهر الله المحرم، فدخل شعبان، أمر بصيام شعبان، وهذا كان في السنة الثانية، في السنة الثانية وصل المدينة في ربيع الأول، أشهر، جاء شهر الله المحرم، جاء عاشوراء، أمر بصيام عاشوراء، ثم بعد عدة أشهر جاء رمضان، فرض الله عز وجل رمضان، ونسخ عاشوراء، كل ذلك في عام واحد، في السنة الثانية، فتنبه لهذا التسلسل، مجيئه إلى المدينة، فرضية عاشوراء، فرضية رمضان، نسخ عاشوراء، إذن فرضية عاشوراء ما فرضت على الأمة إلا سنة واحدة، بالإجماع، وهو هذا العام فقط، هذا العام فقط، إذن بفرضية رمضان أصبح عاشوراء يوما مستحبا، فجاء فيه الترغيب، من شاء صام، ومن شاء ترك، كما نقل ذلك عن نبينا، وعن عائشة، وعن غيره من الصحابة، نقلوا أحاديث الرسول بالتخيير. ثم تأتي المرحلة الرابعة من صيام عاشوراء، وهو ما يتعلق بالمخالفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمخالفة اليهود، بأن لا نتشابه نحن وإياهم في عبادة واحدة، هم صاموا عاشوراء، ونحن صم عاشوراء، رأس برأس، لا، فماذا فعل نبينا؟ أمر، ندبا ونفلا، بصيام تاسع، وهو التاسع من محرم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لئن بقيت إلى قابل، أي العام القادم، لأصومن التاسع»، إلا أنه قبض عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم، فهو نوى وعزم، ورغب، وحث الناس على أنهم يلحقوا بعاشوراء تاسعا، فلهذا من المستحب أنك، يا عبد الله، أنك تنال عظيم الأجر، أن تجمع بين عاشوراء وبين تاسع، التاسع من محرم، لنيته وهمته، والعاشر من محرم، لفعله وصومه عليه الصلاة والسلام. هنا، إخواني في الله، ألخص هذا المقام، وأختم هذه المسألة، المقام بمسألة، وهي: إذن المسلم والمسلمة هو في ذمته يوم واحد، وهو أن يصوم العاشر، فإذا أراد، ومن المستحب، أن يصوم التاسع، حتى يصل الاقتداء والائتساء برسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو أنه أراد أن يفرد عاشوراء بصوم لوحده، حكمه جائز، أدى المستحب، لو أراد أن يصوم عاشوراء، بعض الناس يسأل: أنا سأصوم عاشوراء فقط، هل علي شيء؟ أبدا، لا عليك شيء، لا توبيخ ولا عتب، لأن الفضل إنما جعل في عاشوراء، صوم عاشوراء: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»، لكن زيادة خير، وزيادة فضل وأجر، صوم التاسع، ما استطعت، فما يضرك، صوم العاشر. تأتي المسألة الثانية: هذا الصوم المنفرد، صمه، يا عبد الله، في أي يوم كان، وافق الأحد، وافق الإثنين، وافق الثلاثاء، وافق السبت، صمه ولو كان منفردا، وهذا الذي عليه جماهير العلماء، لا كراهة عندهم، صحيح، الكثير من الناس يسأل عن مسألة صيام يوم السبت، وهذه مسألة حديثية فقهية، وليس المقام مقام التفصيل فيها، لكن أكثر العلماء، وجماهير العلماء، كادت الكلمة أن تتفق على أنه إنما صيام السبت منفردا يصل إلى حد الكراهة إذا كان لغير سبب، رجل أصبح السبت، قال: اليوم سأصوم السبت، هكذا من غير سبب ولا علّة، بعض العلماء ذهب إلى الكراهة، لما فيه من التشبه باليهود، هكذا قالوا، لحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، ولكن قالوا: لكن إذا كان صومك للسبت لوجود علّة لصومه، كان يصومه أحدنا، كأن وافق يوم عرفة، أو أنه وافق عاشوراء، فلا كراهة فيه، فلا كراهة فيه، ولهذا مثل هذا العام، سيأتي عاشوراء بإذن الله موافقا ليوم السبت، فيسأل السائل: هل يجوز أن أصوم السبت بقصد صيام عاشوراء؟ الجواب: نعم، منفردا، نعم يجوز، فإن استطعت أنك تصوم معه الجمعة، يوما قبله، فهذا أحسن وأفضل، لما مر معنا في حديثه عليه الصلاة والسلام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.