التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 3

التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 3

الدرس في التعليق على كتاب الحج من التمام في أحاديث الأحكام 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الإحرام ومواضعه والهدي والتمتع

يستعرض المقطع مواضع الإحرام من خلال أحاديث ابن عمر وجابر وابن عباس مبيناً جواز الإهلال من المسجد أو بعد الركوب. كما يوضح أحكام الهدي من إشعار وتقليد وحكم من أهدى وأقام في بلده مع ذكر أدلة مشروعية التمتع بالعمرة إلى الحج للأمة جمعاء.

أحكام الهدي المعيب والاغتسال والتلبية ولباس الرجل

يبين المقطع جواز ركوب الهدي عند الحاجة وكيفية التصرف فيه إذا عطب بالنحر والصدقة بلحمه مع النهي عن أكل السائق منه. كما يذكر استحباب الاغتسال والتجرد للإحرام ورفع الصوت بالتلبية للرجال ومحظورات اللباس للمحرم من القمص والعمائم والسراويل والخفاف مع استثناء الخفين المقطوعين.

محظورات لباس المرأة والتظليل والخلاف في الخفين والطيب قبل الإحرام

يذكر المقطع محظورات الإحرام للمرأة من النقاب والبرقع والقفازين وتغطية الوجه وللرجل من المخيط وغطاء الرأس مع جواز التظليل بالمظلة. ثم يناقش خلاف العلماء في اشتراط قطع الخفين لمن لم يجد نعلين ويرجح النسخ بحديث ابن عباس المجيز للسراويل والخفين ويختم بجواز الطيب قبل الإحرام.

أحكام الطيب بعد الإحرام والاشتراط والنكاح في الإحرام

يوضح المقطع جواز التطيب في البدن قبل الإحرام وبقاء أثره بعده بينما يحرم تطيب ثياب الإحرام أو البدن بعده ويجب غسل الطيب دون فدية على الجاهل. كما يبين جواز الاشتراط عند الإحرام لمن يخشى العجز عن النسك وينهي عن النكاح والولاية فيه والخطبة لكونها ذريعة للمحظور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقرأنا في المجلس السابق حديث بذر رضي الله عنه قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، رواه مسلم. وعلمنا أن القول الراجح أن هذا الحكم ليس خاصاً بالصحابة رضي الله عنهم، بل لهم ولسائر الأمة، والأحاديث في ذلك كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام تبلغ مبلغ التواتر، وأدرك ذلك -أي التمتع وفسخ الحج للعمرة- عن بضعة عشر صحابياً، من حديث جابر، وحديث سراقة بن مالك، وحديث سعد بن أبي وقاص، وحديث علي، وابن عباس، وأنس، وابن عمر، والبراء، وأبي موسى، وعائشة. حتى قال سلمة بن الشبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، كل شيء فيك حسن جميل، إلا خصلة واحدة. قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج. فقال الإمام أحمد رحمه الله: كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً، أتركها لقولك؟ يقول: عندي ثمانية عشر حديثاً صحيحاً عن النبي عليه الصلاة والسلام فيها فسخ الحج للعمرة، والأمر فيها بالتمتع، أتركها من أجل قولك؟ ولهذا رجح هذا القول من العلماء المحققين، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهكذا تلميذه ابن القيم رحمه الله ونصره في كتابه "زاد المعاد". قال المصنف رحمه الله: باب الإحرام وما يتعلق به. قال عن ابن عمر رضي الله عنهما: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد. متفق عليه. الإحرام هو نية الدخول في النسك، نية الدخول في النسك بقول المحرم: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم عمرة وحج، أو لبيك اللهم حج. هذا يسمى إحراماً، وهو كما سمعتم نية الدخول في النسك، وليس الإحرام هو نية العبادة. فنية العبادة في القلب، فالإنسان مثلاً إذا أراد عمرة أو أراد حجاً هو ناوٍ لذلك، هو في بلده عنده النية للعمرة أو النية للحج، فكونه يتجهز للسفر ويسافر هذه نية، هذه النية، أما تلفظه بالإحرام فليس هذا تلفظاً بالنية، وإنما هو تلفظ في الدخول في النسك، مثله مثل التكبير في الدخول للصلاة. وهل التكبير هو نية المصلي التي في قلبه؟ الجواب: لا، وإنما هو شروع في الدخول في العبادة، كما أنه لا يصح دخوله في الصلاة إلا بالتكبير، كذلك لا يصح دخوله في عبادة العمرة أو الحج إلا بالإحرام. في حديث ابن عمر هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام أهل من عند المسجد، يعني أحرم عليه الصلاة والسلام من عند المسجد، أي مسجد ذي الحليفة. وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتي معنا أهل حين استوت ناقته على البيداء، أي بعد أن صعد على ناقته، فأخبر جابر بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل وأحرم لما استوى على ناقته. وابن عمر هنا يخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام أهل عند المسجد، فجمع أهل العلم بين الحديثين، فقالوا: أن كل واحد منهم نقل ما رآه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أهل أولاً عند المسجد، ورآه ابن عمر سمعه، ثم أهل مرة أخرى عندما صعد على ناقته، ورآه جابر وسمعه، فنقل ذلك، فكل نقل ما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، فيدل هذا على جواز الأمرين: جواز أن تحرم من المسجد، أن تحرم من المسجد إذا جئت إلى الميقات، طيب، فتجهزت وصليت مثلاً فريضة أو ركعتي الوضوء أو نحو ذلك، لك أن تحرم وأنت في المسجد بعد أن تنتهي من الصلاة تلبي، ولك أن تخرج وتصعد على الراحلة وتتجه إلى جهة القبلة ثم تلبي، كلا الأمرين جائز، ويدل عليهما حديث ابن عمر في إهلال النبي عليه الصلاة والسلام من عند المسجد، أو بعد الصعود على الراحلة كما في حديث جابر رضي الله تعالى عنه. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشعرتها وقلدتها، أو قلدتها ثم أشعرتها، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلاً. متفق عليه. في هذا الحديث استحباب إشعار الهدي وتقليده. إشعار الهدي: أن يجرح في سنامه الأيمن حتى يخرج منه الدم، ثم يسلت، فيكون علامة على أنه هدي. والتقليد: أن يعلق على عنقه قلادة، والنبي عليه الصلاة والسلام قلدها بنعلين كما سيأتي، ولهذا استحب العلماء أن يكون تقليدها بالنعل، أن يكون تقليدها بالنعل، ولو قلدت بغير النعل لا بأس، لكن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل. وإشعار الهدي هذا بالنسبة للإبل والبقر، وأما الغنم فإنها لا تشعر لأنها لا تتحمل ذلك، لا تتحمل الإشعار، لكنها تقلد، يعلق على رقبتها قلادة تدل على أنها هدي. وكذلك أيضاً فيه: أن من أهدى هدياً إلى البيت الحرام وهو مقيم في بلده، أنه لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم. فالنبي صلى الله عليه وسلم أهدى إلى البيت هدياً وأقام بالمدينة، قالت: فما حرم عليه شيء كان له حلاً، يعني ما يتعلق بثياب، لبس الثياب المفصلة على الجسد، الطيب، النساء، تقليم الأظافر، إلى آخره، تغطية الرأس، هذا كله ما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم لما أهدى هدياً إلى البيت. إذن من أهدى هدياً إلى البيت لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، عليه كله حكم المحرم. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسالت الدم، وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. رواه مسلم. في هذا الحديث بيان صفة الإشعار: أنه يكون بجرحها في صفحة سنامها الأيمن، أي لبّل، وسالت الدم، أي يعني أوقفه برماد أو نحو ذلك، فبقي علامة على أنها هدي، وقلدها نعلين، جعل لها نعلين في القلادة في عنقها دلالة على أنها هدي، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. هنا في هذا الحديث: ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام أهل لما صعد على ناقته، وفي حديث ابن عمر أنه أهل عند المسجد، وقلنا: كلا الأمرين جائز. ابن عمر أخبر بما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام أنه أهل من عند المسجد، وابن عباس وجابر سمعا النبي عليه الصلاة والسلام أهل لما صعد على ناقته. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة غنماً. متفق عليه. فيه جواز إهداء الغنم، جواز إهداء الغنم: أن يهدي المسلم غنماً إلى بيت الله الحرام، وهذا فيه رد لمن منع ذلك كالحنفية، فإنهم لم يروا إهداء الغنم، وهذا رد عليهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أهدى مرة غنماً إلى بيت الله الحرام. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة، قال: اركبها. قال: إنها بدنة. قال: اركبها. قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها. متفق عليه. هذا الحديث فيه جواز ركوب الهدي، جواز أن يركب المسلم على الهدي الذي أهداه إلى بيت الله الحرام، لكن أكثر أهل العلم قالوا: هذا عند الحاجة، إذا احتاج إلى ذلك، ما عنده ظهر يركبه إلا هذا الهدي، فيجوز له أن يركبه. لهذا الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الرجل أن يركب هذا الهدي الذي أهداه، وكان في يعني متحرجاً من ركوبه، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: اركبها، حتى ركبها، فدل هذا على الجواز عند الحاجة، أن يركب المسلم الهدي. وقوله: والنعل في عنقها، هذا دليل على أنها هدي، أنها مقلدة، قد قلدها النعل. قالوا: وعن جابر رضي الله عنه أنه سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً. رواه مسلم. هذا الحديث يبين أن ركوب الهدي يكون عند الحاجة، إذا لم يجد ظهراً يركبه فله أن يركب الهدي، فإذا وجد بعد ذلك ظهراً آخر فإنه لا يركبها بل ينزل منها ويركب ما تيسر له من غير الهدي. فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاز ركوبها بالمعروف إذا ألجئت إليها، يعني اضطررت، ما عندك ظهر غير هذا الهدي الذي أهديته، فلك أن تركبها، فإذا وجدت ظهراً غيرها فإنك تنزل وتركب الظهر الآخر. قالوا: عن أبي قبيصة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث معه بالبدن، ثم يقول: إن عطب منها شيء فخشيت عليه موتاً فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك. رواه مسلم. هذا الحديث فيه: أن الهدي إذا أهداه صاحبه، وطبعاً الهدي سيكون معه من يسوقه ويسير معه، فإذا عطب منها شيء، يعني مرض أو تعب، أو أوشك على الموت، فهنا إذا خشي عليها الموت ينحرها، ينحرها ثم يغمس نعلها في دمها ويضرب به صفحتها، وهذا حتى يعلم أنها هدي، حتى يعلم الناس أنها مهداة إلى بيت الله الحرام، فيأتي الفقراء والمساكين فيأكلون من لحمها. قال: ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك. نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل منها شيء السائق الذي يسوق الهدي ومن معه، لا يأكلون شيئاً من لحمها. لماذا؟ قال أهل العلم: حتى لا يتجرؤوا أو يطمعوا أن يأكلوا شيئاً من لحمها فيدعون أنها عطبت فيقومون بنحرها، فإذا علموا أنها لا تحل لهم، أنها لا تحل لهم، ولو حصل هذا حقيقة فإنهم لن يتجرؤوا أن ينحروا منها شيئاً وأن يتلفوا منها شيئاً، لأجل هذا نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلوا منها شيئاً، بل يدعونها للفقراء والمساكين من أهل تلك البلاد أو تلك البقعة التي حصل فيها نحرها. قالوا: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل. رواه الترمذي وحسنه. هذا الحديث حديث حسن بالشواهد، وإلا فيه يعقوب بن عطاء بن رباح، فيه ضعف، لكن الحديث له شاهد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: من السنة إذا أراد الإحرام، وإذا أراد دخول مكة أن يغتسل. رواه الدارقطني والحاكم. وقوله: من السنة، أي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قول الصحابي: من السنة كذا، له حكم الرفع عند جمهور أهل العلم وأهل الأصول، فيكون في حكم المرفوع. فدل هذا الحديث على استحباب الاغتسال عند الإحرام، إذا أراد المسلم أن يحرم فإنه يتجرد من ثيابه ويغتسل، والاغتسال سنة مستحبة، ليس واجباً ولا شرطاً، لكن مستحب أن يغتسل ثم يحرم ويلبي. ومع الاغتسال أيضاً يعني يزيل ما يحتاج إلى إزالة من تقليم الأظافر وإزالة شعر العانة وشعر الإبط، حتى يكون على أكمل هيئة في النظافة والطهارة. قالوا: عن خلاد بن السائب عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال. رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة. رواه الخمسة: أي الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وهذا فيه استحباب رفع الصوت بالتلبية، استحباب رفع الصوت بالتلبية، عندما تهل وتلبي فترفع صوتك: لبيك اللهم عمرة، أو لبيك اللهم عمرة وحج، أو لبيك اللهم حج. وهكذا أيضاً رفع الصوت بالتلبية بعد ذلك، هذا بالنسبة للرجال، أما النساء فتسمع نفسها، تسمع نفسها عند الإهلال. قالوا: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران ولا الورس. متفق عليه. وزاد البخاري: ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين. هذا الحديث فيه بيان ما يمتنع منه المسلم والمحرم من الثياب. سئل النبي عليه الصلاة والسلام: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فكان الجواب: لا يلبس، لأن ما يلبسه يعني شيء محدود، يلبس الإزار والرداء، لكن الذي لا يلبسه أكثر، فكان الجواب عليه في بيانه، فقال: لا تلبسوا القمص، القميص معروف الذي يغطي الجسد كله، ولا العمائم التي تغطي الرأس، ولا السراويلات: ما يلبس تحت الإزار، ولا البرانس: البرانس ثياب أهل المغرب، القميص ويكون فيه القبعة متصلة بالقميص يغطى بها الرأس، يسمى برنس، ولا الخفاف، كذلك الخفاف: الخف ما يغطي الرجلين فوق الكعبين من الجلد، ما يغطى به الرجلان من الجلود فوق الكعبين، ويلحق به ما كان بمعناه من الجوارب والشرابات من الصوف والقطن إلى غير ذلك. قال: إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، يعني إذا لم يجد إلا أحد النعلين، ما وجد المحرم نعلين، فيلبس الخفين ويقطعهما، يقطعهما أسفل من الكعبين حتى يكون في حكم النعل، حتى يكون في حكم النعل، هذا معنى قوله: وليقطعهما أسفل من الكعبين. قال: ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسه الزعفران والورس، يعني طيب، لا تلبس شيئاً من الثياب قد طيبت، لأن الطيب ممنوع منه المحرم. وقال في زيادة البخاري: ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين. المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب إلا أنها لا تنتقب، لا تلبس النقاب، ومعنى البرقع: وهو ما يشد على الرأس ويغطى به الوجه، هذا ممنوع، لكنها تغطي وجهها بالخمار، تسدل الخمار سدلاً، تسدل الخمار سدلا إذا كانت عند الأجانب من الرجال، غطت وجهها بالخمار، إن لم يكن عندها أحد كشفته، كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان إذا مر بنا الركبان سدلنا الخمر على وجوهنا، وإذا مروا كشفنا عن وجوهنا. فليس معنى لا تنتقب المرأة: معنى أن تكشف وجهها وتبقى في سائر وقت إحرامها وجهها مكشوف، لا، المقصود أنها تمتنع من النقاب والبرقع وما كان بمعنى، لكنها تغطي وجهها بالخمار بأن تسدله سدلا على وجهها، ولا مانع أن يلاصق الوجه، بعض النساء تتحرج، ربما تلبس لها قبعة من أمامها كذا من أجل أن لا يتصل الخمار في وجهها، هذا لا، ما عليه حد، دليل، ما عليها حرج لو التصق بوجهها ما عليها حرج في ذلك. ولا تلبس القفازين، القفازين: ما يغطي اليدين، هذا تمتنع منه المرأة، طيب، وتلبس بعد ذلك ما شاءت من الثياب. بالنسبة للرجل: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وما كان بمعنى من الثياب التي تفصل على الجسد، فإنه يمتنع منها، مثل ذلك: الفنيلة الداخلية، كذلك الشميز، الشميز كذلك يمتنع منه، والمعوز المتصل بعضه ببعض غير مفصول، أما الفوطة السباعية فيجوز لبسها لأنها في معنى الإزار، إنها مفتوحة. طيب. وبعض الفقهاء يعبر عن هذه الأشياء الممنوعة بلبس المخيط، بلبس المخيط، وهو تعبير فيه شيء من التوسعة في اللفظ، وليس المقصود ما فيه خيوط، ولكن مقصودهم: ما كان مفصلاً على الجسد، ما كان مفصلاً على الجسد، فهذا يمتنع منه المحرم. وأيضاً ما يغطى به الرأس من عمامة أو قلنسوة، أيضاً هذا يمتنع منها المحرم، وكذلك الطيب، لكن هذا في الثياب وبعد الإحرام، أما قبل الإحرام سيأتي بيانه: أنه يجوز قبل أن يحرم أن يتطيب في بدنه. قالوا: عن أم الحسين قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. رواه مسلم. هذا الحديث يسدل به العلماء على جواز أن يتظلل المحرم بمضلة، يتظلل المحرم بمضلة، يستعمل المضلة فوق رأسه، لا مانع من ذلك، لا يفهم من نهيه عن تغطية الرأس أن التظلل منه عنه، لا، التظلل ما فيه شيء، يتظلل بثوب، بمضلة يحملها، يغطي بها رأسه من الشمس أو من المطر أو نحو ذلك، لا حرج عليه في ذلك، ويدل عليه هذا الحديث: قال: والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأذكر في بعض السنوات الماضية كان بعض المحرمين يأتي، وربما قلعوا سقف السيارة، قلعوا سقف السيارة، ويظنون أنه ما يجوز أن يكونوا محرمين وسقف السيارة فوق رؤوسهم، ها نرانين، نعم نرى هذا قبل سنوات عديدة، نرىهم يفعلون هذا، هذا من الجهل، من الجهل. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل. متفق عليه. الآن هذا الحديث، حديث ابن عباس، يعارض حديث ابن عمر. في حديث ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، يعني في حديث ابن عمر اشتراط لمن لبس الخفين إذا لم يجد النعلين أن يقطعهما، اشتراط القطع، أن يقطعهما أسفل من الكعبين. وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعرفات فقال: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يشترط القطع. وهنا اختلف أهل العلم: هل هذا الحديث يقيد بحديث ابن عمر الذي فيه اشتراط القطع، أو يكون حديث ابن عباس ناسخاً لحديث ابن عمر، ويكون حكم القطع منسوخاً بهذا الحديث، بحديث ابن عباس؟ فمنهم من قال: يقيد حديث ابن عباس بحديث ابن عمر، ويشترط القطع في لبس الخفين. ومنهم من ذهب إلى النسخ: أن حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر، وهذا هو الصحيح، هذا هو الصحيح: أن حديث ابن عباس ناسخ لحديث ابن عمر. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر اشتراط القطع في حديث ابن عمر لم يسمعه من كان موجوداً معه في عرفة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا في المدينة. حيث ابن عمر لما اشترط القطع كان النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ولما حج النبي صلى الله عليه وسلم وخرج إلى الحج، إليه الناس من كل مكان، حتى حج معه عليه الصلاة والسلام مئة ألف، فهؤلاء الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات لم يسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم لما اشترط القطع في المدينة، ولو كان القطع لازماً وشرطاً لوجب بيانه، لوجب بيانه. وقال أهل العلم: حمل المطلق على المقيد إذا كان يتسبب في تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإنه لا يجوز، ولا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحال، وإنما يكون الحديث المتأخر ناسخاً للحديث المتقدم، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "الفوائد". فيلزم من ذلك: لو اشترطنا القطع، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر البيان، ولو كان هذا أمراً لازماً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بينه في المدينة، وإنما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بحكم عام، قال: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولم يشترط القطع. فهنا يكون هذا الحديث ناسخاً للأول، فيجوز لمن لم يجد النعلين أن يلبس الخفين، ولا يشترط أن يقطعها إلى الكعبين. وهكذا أيضاً: من لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل، مع أن السراويل أيضاً مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر، لكن أجاز النبي صلى الله عليه وسلم هنا لمن لم يجد، من لم يجد إزاراً. وتعرفون في ذاك الزمن كانت الثياب قليلة، وكان الناس أكثرهم في فقر، يعني ربما ما يجد الواحد إلا ثوباً واحداً يلبسه، إلا ثوباً واحداً يلبسه، فإذا لم يجد إزاراً يلبسه فله بهذه الحال أن يلبس السراويل، أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لبس السراويل في هذه الحال. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. متفق عليه. وعنها رضي الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضح طيباً. متفق عليه. هذا الحديث فيه جواز أن يتطيب المسلم قبل إحرامه، يعني في بدنه يتطيب في بدنه، أما تطيب ثياب الإحرام ما يجوز كما سيأتي معنا حديث علي بن أمية، وأما تطيب في البدن يعني تطيب في إبطيه، في رجليه، في رأسه، هذا جائز، حتى لو بقي أثر هذا الطيب بعد الإحرام، لو بقي أثر هذا الطيب بعد الإحرام ما يضر، لأن بقاءه هو من باب الاستدامة، من باب الاستدامة للابتداء، والقاعدة عند أهل العلم: أن الاستدامة أقوى من الابتداء. ابتداء التطيب مع الإحرام ما يجوز، ابتداء التطيب بعد الإحرام ما يجوز، لكن استدامة الطيب واستمراره الذي استعمل قبل الإحرام فبقي بعد الإحرام، هذا لا يضر، هذا لا يضر. فعائشة تقول: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، يعني وهو حل قبل أن يحرم تطيبه، ثم يحرم. قالت: ولحله قبل أن يطوف بالبيت، يعني عندما يتحلل التحلل الأول بعد رمي جمرة العقبة وقبل أن يطوف طواف الإفاضة، فإنها كانت تطيبه عليه الصلاة والسلام. وفي الرواية الأخرى قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يطوف على نسائه، يعني يذهب ويطوف على نسائه في ليلة واحدة، يطوف على نسائه في ليلة واحدة، والنبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، تقول: أنه يعطي قوة أربعين رجلاً عليه الصلاة والسلام، فكان يطوف أحياناً على نسائه في ليلة واحدة، نسائه التسع. قالت: ثم يصبح محرماً ينضح طيباً، يعني يقتسل من الجنابة، وما زال فيه أثر الطيب، الطيب ما زال فيه في جسده وهو محرم، ويستمر في إحرامه، ما يضر، لأنه تطيب قبل الإحرام، تطيب قبل الإحرام، فلتطيب المسلم قبل أن يحرم، ثم اقتسل وبقي أثر الطيب بعد الاقتسال، ما يضر، ما يضر في إحرامه. واضح؟ فيستمر في إحرامه، وكذلك يبقى الطيب في جسده، بخلاف التطيب بعد الإحرام، ما يجوز، إذا أحرمت ما يجوز لك أن تطيب في بدنك أبداً، لكن قبل الإحرام يجوز. قالوا: عن علي بن أمية رضي الله عنه قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به، معه فيه ناس من أصحابه، إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب، يعني قد تطيب وأكثر من الطيب في جبته وفي ثيابه، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بالطيب؟ فذكر الحديث، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك. متفق عليه. هذا فيه: أن المسلم إذا طيب إحرامه، طيب ثياب الإحرام، وكان جاهلاً بالحكم، أو تطيب في بدنه بعد أن أحرم ويجهل أن الطيب محرم على المحرم، فالواجب عليه أن يغسله، أن يغسل الطيب الذي أصابه في بدنه بعد أن أحرم، يزيله، وكذلك يغسل ثياب الإحرام ويزيل الطيب الذي فيها، وليس عليه شيء، ليس عليه فدية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام هنا ما أمره بالفدية، لأنه كان جاهلاً، كان جاهلاً، فدل هذا على أن الفدية لا تجب على الجاهل، ومثله الناسي والمخطئ، وإنما تجب على المتعمد. وكونه أمره أن يغسل الطيب الذي فيه، لأنه تطيب بعد الإحرام، تطيب بعد الإحرام، وفرق بين التطيب قبل الإحرام وتطيب بعد الإحرام: قبل الإحرام جائز، ولو استمر بعد الإحرام، والتطيب بعد الإحرام لا يجوز، فإذا فعل ذلك وجب عليه أن يزيله وأن يغسله. قالوا: عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي، واشترطي أن محلي حيث حبستني. متفق عليه. ضباعة بنت الزبير هي بنت عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، كانت تحت المقداد بن عمرو بن الأسود رضي الله عنه. في هذا الحديث: أنها كانت شاكية، يعني مريضة، وخشيت أن يزيد عليها المرض فلا تستطيع أن تكمل حجها، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: حجي، واشترطي أن محلي حيث حبستني، أن محلي حيث حبستني، يعني تقول: اللهم لبيك اللهم حجاً، ومحلي حيث حبستني. فهذا يدل على جواز الاشتراط عند الإحرام، إذا وجد سبب يخشى منه المسلم عدم إكمال نسكه، إذا في سبب من مرض، أو مثلاً خوف في الطريق، سمع أن في الطريق قطع طرق مثلاً، أو حرب، أو شيء من ذلك، فيخاف أنه يمنع من إتمام النسك، أو نحو ذلك، فهنا لا بأس أن يشترط، هذا الاشتراط: اللهم محلي حيث حبستني. وفائدة هذا الاشتراط: أنه إن حصل له مانع يمنعه من إتمام النسك، فإنه يتحلل، وليس عليه شيء، ليس عليه هدي إحصار، لأنه قد اشترط. وأما إذا لم يشترط، وجب عليه هدي الإحصار: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. لكن هذا الاشتراط يسقط عنه، أو يسقط عنه وجوب هذا الهدي. والصحيح -يعني من أقوال أهل العلم-: جواز الاشتراط عند الإحرام، خلافاً لمن قال بأن هذا الحديث منسوخ، أو أنه خاص بضباعة بنت الزبير، وهذا ليس بصحيح، لأن هذا حكم عام، صيغة النبي سلم خاطبها بقوله: اشترطي أن محلي حيث حبستني، لكن هذا الحكم يعتبر حكماً عاماً لسائر الأمة، ولا دليل على التخصيص، ما قال لها النبي سلم: هذا خاص بك، لا، ما قال: لهذا خاص بك، فيدل هذا على أنه يجوز لغيرها ممن كان مثلها أن يشترط كما اشترطت، والشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق، والأصل في الأحكام الشرعية العموم لسائر الأمة. قالوا: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب. رواه مسلم. هذا الحديث فيه نهي المحرم عن الزواج: لا ينكح المحرم، يعني لا يتزوج، أو يعقد له، لا يعقد له على امرأة وهو محرم، ولا ينكح، يعني لا يزوج غيره، لا يكون ولياً للمرأة لتزويجها وهو محرم، فلا يكون زوجاً، ولا يكون ولياً، ولا يخطب، حتى الخطبة لا يجوز أن يخطب وهو محرم، لأن الخطبة ذريعة إلى وقوع النكاح، ذريعة إلى وقوع النكاح، فنهى الشرع عن النكاح وعن أسبابه، ومنها الخطبة، وكل ذلك ممنوع على المحرم. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.