الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 134، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اشتكى سعد بن أبي وقاص في حجة الوداع، وأجازه النبي للوصية بالثلث. يُستدل من الحديث أن الوصية تجوز بالثلث لغير الوارث.
يذكر المقطع قصة سعد بن أبي وقاص مع النبي أثناء مرضه ودعاء النبي له بالشفاء. يشير إلى أحاديث تبرز فضل العيادة وكتابة الأجر للمريض.
يشرح الحديث أن الله يكتب للمريض مثل ما كان يعمل وهو صحيح، وأن المرض يكفر الذنوب. يُبين أن الصبر على البلاء يُكافأ عليه الإنسان بأجر عظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، أن أباها قال: اشتكيت بمكة شكوى شديدة، وكان هذا عام الفتح، كما جاء في الرواية بالصحيح، وهو في حجة الوداع. قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله، إني أترك مالا، وإني لم أترك إلا بنتا واحدة، أفأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث؟ قال: لا. قال: أوصي بالنصف وأترك لها النصف؟ قال: لا. قال: فأوصي بالثلث وأترك لها الثلثين؟ قال: الثلث، والثلث كثير. ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعدا وأتم له هجرته. فما زلت أجد برد يده على كبدي فيما يخال إلي حتى الساعة. الحديث صحيح، ووافقه الصحيحين. وفي هذا الحديث أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه اشتكى -يعني مرض- في حجة الوداع، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام يزوره ويعوده. والنبي عليه الصلاة والسلام كان هو الحاكم والأمير، وفي هذا ما ينبغي عليه أن يكون الحاكم من تفقد الرعية، وكذلك زيارة مريضهم، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيترك مالا، وليس له إلا ابنة واحدة، وهذا لما كان في هذا المرض. وقد أخبره النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيعيش، كما جاء في رواية الصحيح: «إنك لعلك أن تخلف، فينتفع بك أقوام ويضربك آخرون». ووقع ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان بعد ذلك له أبناء كثر. فقال: أفأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث؟ قال: لا. قال: أوصي بالنصف وأترك لها النصف؟ قال: لا. قال: فأوصي بالثلث؟ قال: وأترك لها الثلثين؟ قال: الثلث، والثلث كثير. يعني أجاز له النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصي بالثلث، وأخبره أن الثلث كثير، يعني الأفضل لو كان أقل من الثلث، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما في الصحيح: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع»، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». فالوصية تجوز بشرطين: أن يكون في ثلث المال، وأن تكون لغير وارث. أما الزيادة على الثلث فلا تجوز، ولا يجوز أن يوصي لوارث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». ولو أوصى بأقل من الثلث فهذا أفضل، وهذا لمن كان ذا مال، إذا كان غنيا فيستحب له الوصية. وأما إن لم يكن غنيا فهذا الأفضل في حقه أن لا يوصي، وأن يترك المال للورثة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». قال: «الثلث، والثلث كثير». وهذا كذلك أيضا حكم التصرف في المال في مرض الموت، الموت. التصرف في المال في مرض الموت هو المسمى بالعطية، إذا تصرف في مال في مرض موته، فإنه لا ينفذ منها إلا الثلث، كالوصية لا ينفذ منها إلا الثلث. وقد استدل العلماء بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد تجاوز لكم بثلث أموالكم عند وفاتكم»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال: ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني -أي النبي عليه الصلاة والسلام وضع يده على جبهة سعد، ثم مسح وجهه وبطنه- ثم قال: «اللهم اشف سعدا وأتم له هجرته». ووقع ما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه شفي، رضي الله تعالى عنه، وعاش بعد ذلك ما كتبه الله سبحانه وتعالى له. وقوله: «وأتم له هجرته» يعني أن لا يموت بمكة. وفي رواية الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أتمم لأصحاب هجرتهم». دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن تتم لهم هجرتهم، وذلك بأن لا يموتوا في مكة؛ لأنهم هاجروا منها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرثي لخوله حين ماتت بمكة. وكان سعد رضي الله تعالى عنه يخاف أن يقع له مثل ما وقع لها، أي أن يموت بمكة. بل هذا كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هذا السؤال. وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أن يقيم في بلد الذي هاجر منه ثلاثة أيام، كما جاء في الصحيحين من حديث العلام الحضرمي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة للمهاجر بعد الصدر» -يعني بعد الرجوع من منى- وذلك بعد فراغه من الحج أو من العمرة. يعني الذين هاجروا من مكة أجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيموا ثلاثة أيام بعد حجهم وعمرتهم، ولا يكونوا في ذلك في حكم المقيمين. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إذا كان الذي رحل من بلد الكفر إلى بلد الإسلام لم يصدق بذلك الهجرة لله سبحانه وتعالى، وإنما ترك هذا البلد، فذلك له أن يرجع إلى بلده. وأما إن تركها لله سبحانه وتعالى ونوى بذلك الهجرة، فيكون حكمه حكم المهاجرين -يعني أنه لا يرجع إليها- وإن رجع لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام. قال: فما زلت أجد برد يده على كبدي فيما يقال إلي -يعني فيما أظن- حتى الساعة. يعني حتى وقت هذا، وهو يجد برد يد النبي عليه الصلاة والسلام على كبده. وهذا من بركة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله عز وجل في الأنبياء البركة في ذواتهم، وهذا خاص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والشاهد من هذا الحديث هو قوله: «فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني». فإلى هذا أولده رحمه الله في هذا الباب، وهو باب العيادة. جوف الليل، مع أن في حي السعاد ليس فيه أنه في جوف الليل، لكن مراده رحمه الله بذلك مطلق العيادة. وجعله بهذا اللفظ للحديث الذي مر معنا في قصة حذيفة رضي الله تعالى عنه. قال: باب يكتب للمريض ما كان يعمل وهو صحيح. قال: حدثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرفد، عن القاسم بن مخيمرة، عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يمرض إلا كتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح». وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله، كما في الإرواء بشواهده. قال: وحدثنا عارم، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا سنان أبو ربيعة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم ابتلاه الله في جسده إلا كتب له ما كان يعمل في صحته ما كان مريضا». فإن عافاه الله، فإن عافاه -قال: عسله عندكم- عسله، أو غسله. ها غسله. نعم، بالغين، ليس بالعين، كما في مسند الإمام أحمد رحمه الله. قال: وإن قبضه غفر له. قال: وحدثنا موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سنان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وزاد: قال: فإن شفاه عسله. والصواب غسله. والحديث كذلك أيضا صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. وأصل هذا الحديث جاء في البخاري من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما». كتب له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما. لكن رواية البخاري انتقدها الحفاظ، كالدار قطني رحمه الله؛ لأنها من طريق السكسكي، وهو ضعيف. لكن الحديث له شواهد تشهد له، ومن هذه الأحاديث حديث عبد الله بن عمر، وحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما. ويتشهد له في لفظة المرض -يعني إذا مرض- يكتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما. وأما في لفظة السفر فلم يرد في هذه الأحاديث ذكرها. لكن معنى صحيح من حيث الجملة؛ لأن معنى حصول الأجر له إذا مرض -أي إذا صرف عن العمل الذي كان مستمرا عليه من الطاعة لعذر- فإن أجره يكتب له كاملا. فيدل ذلك على أن كل عذر كل عذر يكون مانعا له من ذلك، فإنه يكتب له الأجر كاملا. وجاء في رواية خارج رواية ذكرها الإمام البخاري هنا، في قوله: حديث أنس «ما من مسلم ابتلاه الله في جسده». جاء في لفظ: «إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه، أكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة مثل ما كان يعمل وهو صحيح، ما دام محبوسا في وثاقي». رواه الإمام أحمد، ومن أبي شيبة، وهو صحيح. ففي هذين الحديثين إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من أحد يمرض -كل- كتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح. يعني إذا كان في حال صحته يواضب على النوافل، أو يقرأ القرآن جزءا مثلا من القرآن، أو يحضر مجالس العلم، أو يصلي الليل، أو غير ذلك من الطاعات. إذا مرض وما استطاع أن يعمل هذه الأعمال، يكتب له الأجر كاملا وهو على فراشه. يكتب له الأجر كاملا وهو على فراشه، رحمة من الله سبحانه وتعالى وفضل. وهذا لمن كان مواضبا على الأعمال الصالحة. يكتب له الأجر وهو على فراشه. «ما من مسلم» وهذه الرواية تقيد الرواية الأولى؛ لأن في الرواية الأولى «ما من أحد يمرض»، وأحد نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فتشمل المسلم والكافر. لكنها مقيدة بهذه الرواية «ما من مسلم»، فيخرج بذلك الكافر، فيكون هذا الفضل للمسلم فقط إذا ابتلاه الله في جسده بمرض من الأمراض، إلا كتب له ما كان يعمل في صحته ما كان مريضا. يعني ما دام في مرضه يكتب له أجره الذي كان يعمل في حال الصحة. فإن عافاه -غسله أو غسله- يعني كفرت عنه ذنوبه. ولهذا جاء في رواية الإمام أحمد: غسله وطهره -يعني من الذنوب- يكون هذا المرض مكفرا له من الذنوب، مع ما كتب له من الأجر الذي كان يعمله في حال الصحة. وإن قبضه غفر له -يعني إذا مات في هذا المرض- غفر الله سبحانه وتعالى له. وهذا أجر عظيم يتحصل به من ابتلاه الله سبحانه وتعالى لمثل هذا البلاء، وقد وفقه الله عز وجل قبل ذلك لأعمال صالحة يواضب عليها.