التعليقات على كتاب الأدب المفرد 150

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 150، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عظمة كلمة التوحيد وفضل الذكر

شرح حديث النبي حول عظمة كلمة التوحيد وفضل الذكر 'سبحان الله وبحمده'. النهي عن الشرك والكبر مع توضيح معانيهما وتفسير الآيات القرآنية ذات الصلة.

تعريف الكبر وخطره وآثاره

الكبر هو رفض الحق واحتقار الناس، ويؤدي إلى احتقار المتكبر من قبل الناس. التواضع لله تعالى يرفع من قدر العبد عند الله والناس، بينما يؤدي الكبر إلى غضب الله.

تحذير الإسلام من الكبر وحقيقة النفس

يشرح المقطع خطورة الكبر وآثاره السلبية، ويحذر من عواقبه التي قد تؤدي إلى غضب الله. كما يستشهد بأحاديث نبوية وأقوال السلف لتحذير المسلمين من التكبر.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا عند حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه. وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام حين ذكر مصيبة نوح عليه الصلاة والسلام، فقال: «ولو أن السماوات السبع والأراضين السبع كن حلقة مبهمة لقصمتهن»، لا إله إلا الله. وفي هذا بيان عظمة هذه الكلمة، كلمة التوحيد، وأنها أعظم من السماوات والأرض. قال: «وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء». وفي هذا بيان فضل هذا الذكر، وهو سبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء. والمراد بها هنا، والله أعلم، أي دعاء كل شيء، مما ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وأن يدعو به، وأنها مفتاح للخير. وقد جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وفي مسلم، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «ألا أخبرك بأفضل الكلام؟» ثم قال: «سبحان الله وبحمده». فدل ذلك على أن هذه الكلمات من أفضل الدعاء، وأفضل وأحب الكلام إلى الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر نهيه عن الشرك والكبر، قال: «وأنهاك عن الشرك والكبر». فقلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه، فما الكبر؟ والشرك صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، صرف جزء أو فرد من أفراد العبادة لغير الله عز وجل، فهذا من الشرك الأكبر. وكل وسيلة أو ذريعة توصل إلى الشرك الأكبر فهي من الشرك الأصغر. والشرك، كما هو معلوم، من أعظم الذنوب، وأعظم ذنب عصي الله سبحانه وتعالى به. والشرك بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. فقيل: فما الكبر؟ قال: «هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها» -يعني: هل هذا من الكبر أن يكون للإنسان ثياب جميلة يلبسها، والحلة هو الثوب أو الثياب التي هي عبارة عن إزار ورداء- قال: «لا» -يعني: ليس هذا من الكبر-. قال: «هو أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان»، قال: «لا» -يعني: هل من الكبر أن يلبس الإنسان النعال الحسنة الجميلة- قال: «لا». قال: «فهو أن يكون لأحدنا دابة يركبها»، قال: «لا» -يعني: هل من الكبر أن يكون للإنسان دابة يركبها، يكون له سيارة أو دراجة- هل هذا يعد من الكبر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا». فقال له أصحابه: «هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه»، قال: «لا» -يعني: هل من الكبر أن يكون للإنسان أصحابه يجلسون عنده ويتحدثون معه- قال: «لا». قالوا: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: «سفه الحق وغمط الناس». سفه الحق يعني رده وعدم قبوله، فإن هذا من الكبر؛ لأن هذا المتكبر يرى نفسه أنه أكبر من الحق وأنه أعظم من الحق. هذا من صفات المتكبرين، تأتي له بالأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعرض عنها ولا يقبلها. فهذا مما ينبغي أن يحذر منه المسلم، وهكذا أيضا طالب العلم يحذر أن يقع في الكبر. ربما يحصل بينه وبين إخوانه نقاش بمسألة علمية، ثم يؤتى له بالأدلة التي تدل على خلاف قوله، فينبغي له أن يدع لها وأن يرجع عن قوله ما دام أن الدليل يخالف قوله، ولا يصر ويعاند، فهذا هو الكبر، أن يصر على قوله ويأبى أن يأخذ بالدليل عليه، فهذا قد وقع في الكبر يا ذنب الله. فكيف بمن كان هو أرفع من ذلك؟ قد يقع في الكبر من هو منتسب إلى العلم والعلماء، يقول القول ويظهر خطأه وعدم صوابه، ثم يصر على هذا القول ولا يتزعزع عنه، ولا يأبى أن يرجع، فهذا من الكبر، حتى ولو خالفه علماء الأمة، لو اجتمع علماء الدنيا على خلاف قوله فإنه لا يرجع، هذا هو الكبر بعينه. قال: «سفه الحق وغمط الناس» يعني استحقار الناس والازدراء بهم، يرى أنه أرفع من الناس وأنه أعظم منهم وأفضل منهم، فيرى الناس عنده مثل الذر وأنهم لا شيء، هذا هو حال المتكبر. وإذا وقع ذلك في قلبه فإن الناس ينظرون إليه بهذا المنظر، إذا نظر إلى الناس بنظر الاحتقار والازدراء فالناس كذلك ينظرون إليه بنظر الاحتقار والازدراء. كما قيل لرجل: ماذا ترى الناس؟ قال: أراهم مثل البعوض. قالوا له: والناس كذلك يرونك مثل البعوض. إذا استحقرت الناس استحقروك، وإذا نظرت إليهم بعين الاحتقار نظر إليك بعين الاحتقار، وإذا نظرت إليهم بعين الإكرام والاحترام نظر إليك بعين الاحترام، وكذلك الإكرام والتقدير. ولهذا كلما تواضع العبد لله سبحانه وتعالى كلما زاده ذلك رفعة عند الله عز وجل وعند الناس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». لماذا؟ لأنه يذل نفسه، يرى أنه لا شيء وأنه وضيع وذليل، فيرتفع في أعين الناس، ويجعله الله سبحانه وتعالى في أعين الناس ذا منزلة وكرامة، بخلاف المتكبر فإنه يرى نفسه عظيما، وهو في أعين الناس حقير وذليل. فهذا هو شأن أهل الكبر أنهم يستحقرون الناس، فينبغي على المسلم أن يحذر من الكبر لأنه كبير من كبائر الذنوب، كما سيأتي في الأحاديث المذكورة في هذا الباب. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يونس بن محمد القاسم أبو عمر اليمامي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان». الحديث، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من تعظم في نفسه» -يعني رأى نفسه عظيما، وهذا شأن المتكبر- «أو اختال في مشيته» -يعني تكبر في مشيته أو في هيئته وفي لباسه إذا كان على وجه الكبر- قال: «لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان» -يعني غضب الله عز وجل عليه-. وهذا دليل على أنه وقع في كبير من كبائر الذنوب، فإن الكبيرة هو كل ذنب نهى الله عز وجل عنه أو رسوله، وترتب عليه عقاب في الدنيا أو وعيد في الآخرة. وترتب على هذا الكبر غضب الله سبحانه وتعالى، وإذا غضب الله عز وجل عليه فإنه يعاقب بالعقاب الذي يعاقب الله عز وجل به من غضب عليه. وهذا دليل على أن الكبر ذنب عظيم، ينبغي على المسلم أن يحذر منه، لا يتعاظم في نفسه ولا يختال في مشيته ويتكبر على الناس ويتبختر، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. لماذا تتكبر؟ هل ستمشي في باطن الأرض وتخرق الأرض؟ أو هل ستعلو وتصير مثل الجبال؟ أنت إنسان مثلك مثل الناس، حقير مثلهم، وما يصيبك يصيبهم، فلماذا تتكبر؟ ذكر في ترجمة أحد السلف، وضرب مالك الدار مثالا، أنه مر عليه رجل وهو متكبر، فلم يعبأ به -يعني لم يبال به- فقال له: يا هذا، أما تعرفني؟ هذا المتكبر يقول لمالك الدار: أما تعرفني؟ قال: نعم. قال: أنت أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. قال: فخجل الرجل على نفسه. يعني يقول له: من أنت حتى تتكبر؟ خلقت مما خلق منه الناس، من نطفة، ثم مصيرك إذا مت أن تكون جيفة قذرة، ماذا يبعد عنك الناس ولا يقربك أحد؟ وأنت فيما بين ذلك -يعني فيما بين خلقك وموتك- تحمل العذرة -أي النجاسة- كالناس، فلماذا تتكبر؟ فعرفه بحقيقة نفسه التي بها يعرف أنه على باطل، وأن كبره هذا مما يورده المهالك.