التعليقات على كتاب الأدب المفرد 102

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 102، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم المقاطعة لفترة طويلة بين المسلمين

نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن مقاطعة المسلم لأخيه فوق ثلاث ليال، ومن ماتا على ذلك لن يدخلا الجنة أبدا. المقاطعة لفترة طويلة بدون سبب شرعي تعتبر منهي عنها.

ضوابط الهجر والمقاطعة في الإسلام

الهجر لا يجوز إلا بحجة وبرهان شرعي، ويجب على المسلم ألا يقطع أحدا من المسلمين لأجل أمور الدنيا. الهجر له أنواع وضوابط مختلفة.

التحذير من التقليد الأعمى في الهجر والمقاطعة

التقليد الأعمى في الهجر بلا دليل شرعي مخالف للشرع، ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتوضيح بطلانه. يجب وجود دليل شرعي للهجر.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، عن يزيد، قال: قالت معاذة: سمعت هشام بن عامر الأنصاري، ابن عم أنس بن مالك، وكان قتل أبوه يوم أحد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لمسلم أن يصارم مسلما فوق ثلاث، فإنهما ناكبان على الحق ما داما على صرامهما، وإن أولهما فيئا يكون كفارة عنه سبقه بالفيء، وإن ماتا على صرامهما لم يدخل الجنة جميعا أبدا، وإن سلم عليه فأبى أن يقبل تسليمه وسلامه، رد عليه الملك، ورد على الآخر الشيطان». صاح العلامة الألباني رحمه الله: وفيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يقاطع المسلم أخاه فوق ثلاث، لا يحل لمسلم أن يصارم مسلما، ونفي الحل يدل على التحريم، ومعنى يصارم يعني يقاطع، لا يحل لمسلم أن يصارم مسلما فوق ثلاث، وهذا كما مر معنا إذا كان من غير عذر، إذا كانت المقاطعة من غير عذر فلا يجوز له أن يقاطعه فوق ثلاث، يعني عذر شرعي، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، يعني بعيدان عن الحق ما داما متقاطعين، فهما في بعد عظيم عن الحق. وإن أولهما فيئا يكون كفارة عنه سبقه بالفيء، يعني أولهما رجوعا وقطعا لهذه المقاطعة، فيكون فيئه يعني رجوعه كفارة له، يكون رجوعه كفارة له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، وهذا فيه حث، فيه حث على أن الإنسان لا يستمر في المهاجرة، بل عليه أن يرجع وأن يبدأ أخاه بالسلام حتى ينال هذا الأجر، فيكون رجوعه كفارة له عما حصل منه. وإن ماتا على صرامهما لم يدخل الجنة جميعا أبدا، يعني إن ماتا وهما متقاطعان لم يدخل الجنة جميعا أبدا، وهل معنى ذلك أنهما يكونان مخلدان في النار؟ معلوم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن أحب الكبيرة الذي عنده أصل التوحيد لا يخلد في النار، لا يخلد في النار إلا الكافر، فيكون المراد بهذا الحديث لم يدخل الجنة جميعا أبدا أي لم يدخلها دخولا أوليا، أي أنهما يعرضان للعقاب، ثم بعد ذلك إن كان من أهل الجنة ممن عنده أصل التوحيد فإن مصيرهم إلى الجنة. وفيه أيضا وعيد شديد لمن قاطع صاحبه وتقاطع على أمر الدنيا حتى مات على ذلك، إذا كانت هذه المقاطعة بينه وبين أي أحد من الناس ممن ليس بينه وبينه صلة وقرابة، فيكون جزاؤه أنهما لا يدخل الجنة جميعا، فكيف إذا كان هذا الذي يصارمه ويقاطعه هو من أقربائه، ومن بينه وبينه صلة كأن يكون من أرحامه أو أب أو أم؟ فإن هذا أعظم، فإن الوالدين نهى الله سبحانه وتعالى أن يقال لهما أف، فكيف بمقاطعتهما وكيف بهجرانهما؟ فهذا أعظم وأعظم. فينبغي للمسلم أن يحذر من مثل هذا الأمر الذي ربما يغفل عنه، لا يجوز لك أن تقاطع أحدا من المسلمين من أجل أمر من أمور الدنيا، لأجل مال أو لبيع وشراء أو لاختلاف أنت وإياه على أرض أو غير ذلك من الأمور، فتقاطعه ليس ثلاثة أيام بل سنوات كما يفعل كثير من المسلمين إذا حصل بينه وبين أخيه خصام لربما لم يكلمه حتى يموت، لم يكلمه ولم يتكلم معه ويهجره حتى الموت، فهذا له نصيب ووعيد شديد مما في هذا الحديث: «وإن ماتا على صرامهما لم يدخل الجنة جميعا أبدا». وإن سلم عليه فأبى أن يقبل تسليمه وسلامه رد عليه الملك ورد على الآخر الشيطان، أنت كن خير منه، كن خيرا منه، إذا أبى أن يكلمك وأبى أن يسلم عليك فسلم أنت واجعل الخير يأتي منك، فإن لم يسلم عليك سلمت عليك الملائكة، إذا أبى أن يسلم عليك سلمت عليك الملائكة وهو ترد عليه الشياطين، فإن أبى أن يقبل تسليمه وسلامه رد عليه الملك ورد على الآخر الشيطان، ورد الملك عليك هو تأييد من الله سبحانه وتعالى، وذاك يرد عليه الشيطان وهو خذلان له، فأنت كن خيرا منه، إن لم يرد فلا تبالي، أنت قطعت هذه المهاجرة وهو إن أبى أن يستمر فالإثم عليه وأنت ليس عليك شيء. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا عبده عن هشام بن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف غضبك ورضاك»، قالت: قلت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنك إذا كنت راضية قلت بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت لا ورب إبراهيم»، قالت: قلت: أجل لست أهاجر إلا اسمك. الحديث صحيح وهو في الصحيحين، وهذا الحديث ذكره الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه وبوب عليه باب ما يجوز من الهجران لمن عصى، ثم ذكر كلام كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: إنه جره النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة خمسين ليلة، ثم ذكر حديث عائشة، وأراد بذلك رحمه الله بيان جواز الهجرة أو الهجر إذا وقع المسلم في ذنب إذا وقع في معصية ومخالفة فإنه يجوز أن يهجر كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع كعب بن مالك وصاحبيه، أما بدون ذنب وبذون معصية فلا يجوز، فلا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه. وللأسف تجد كثير من المسلمين اليوم من ربما يهجر أخاه بلا سبب بلا سبب شرعي يؤذي الله بالهجر، وإنما هو هوى إما هوى وإما تقليد لعالم أخطأ وزلت قدمه في مسألة، فتجده يتعصب لقول هذا العالم ويصر أن يأخذ بقوله وهو يعلم أنه لا دليل معه على الهجر، لكن هو التقليد، يقول: أنا مقلد لفلان، سبحان الله متى أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتقليد؟ الله عز وجل حذرنا من التقليد، وهو القائل جل وعلا: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾، وهو الذي أخبر جل وعلا ببراءة المتبعين من الذين اتبعوا: ﴿ولو ترى إذ فريق في الآخرة يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب﴾، وقال الذين اتبعوا: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾، وهكذا الآيات الكثيرة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في مخاصمة المتبوعين للتابعين والتابعين للمتبوعين، كل ذلك بسبب التقليد الأعمى، وهذه أدلة كما قال الإمام الشوكان رحمه الله دالة على بطلان التقليد. فيأتي هذا الشاص ويقول: أنا مقلد لفلان في هجر هؤلاء، فما هي حجته عند الله سبحانه وتعالى؟ سيقول: أنا مقلد ولا متبع، ثم يكون حاله كما أخبر الله سبحانه وتعالى، فهذا لا يجوز للمسلم أن يفعله وأن يهجر أخاه المسلم تقليدا لفلان من الناس ولو كان عالما ولو كان عالما فهو بشر يصيب ويخطئ ويعلم ويجهل، وكيف إذا كان هذا العالم قد خالفه عامة العلماء ولم يتابعه على قوله أحد؟ فيكون قوله شاذا ولا عبرة بقول من شد، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله يعني في باب الجرح والتعديل. فالحاصل أن هجر المسلم لا يجوز إلا ببينه وبرهان إذا فعل شيء يستحق الهجر من معصية وذنب وأبى وأصر إلا على فعله فهنا يهجر حتى يتأدب ويكون الهجر زجرا له، أما يتخذ هوى وتقليد أعمى فهذا لا ينفع صاحبه شيئا. ثم ذكر حديث عائشة رضي الله عنها وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: «إني لأعرف غضبك ورضاك»، قالت: قلت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ يعني يقول النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: أنا أعرف إذا كنت غاضبة وإذا كنت راضية، قالت: فكيف ذاك؟ فقال: «إنك إذا كنت راضية قلت بلى ورب محمد، وإذا كنت ساخطة قلت لا ورب إبراهيم»، قالت: أجل لست أهاجر إلا اسمك، يعني لا أهجر إلا اسمك فقط. وأراد رحمه الله بذلك بيان أن الهجر يختلف، فمن الهجر ما يكون بترك المكالمة بالكلية، ومنها كذلك رد السلام يعني لا يرد السلام عليه على هذا الذي يهجر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة مع كعب بن مالك وصاحبيه، فإنهم هجروا حتى أن رد السلام لم يكن يرد عليهم، قال كعب: كنت آتي فأصلي وأنظر أو فأسلم، قال: كنت آتي النبي عليه السلام فأسلم فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ما يدري هل رد عليه السلام أم لا؟ ثم خرج حتى أتى إلى حائط أبي قتادة وهو ابن عمه وأحب الناس إليه فسلم عليه، قال: فوالله ما رد علي السلام، فوالله ما رد علي السلام حتى بكى رضي الله تعالى عنه، فهذا أعظم الهجر أن يكون برد السلام. ومنها الهجر ما يكون دون ذلك، منه ما يكون بترك كثير الكلام يكون معه بالسلام فقط ويترك مجالسته وكثرة الحديث معه، فهذا نوع من الهجر، ومنه كذلك ما قد يكون بترك الاسم، أنه يهجر اسمه كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها كما في هذا الحديث: «لست أهاجر إلا اسمك». وقال بعض أهل العلم: إن غضب عائشة رضي الله تعالى عنها هنا عوفي عنه، مع أن الغضب على النبي عليه الصلاة والسلام يعتبر كبيرة من كبائر الذنوب، واغتفره فيما حصل من عائشة رضي الله تعالى عنها لأن عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام ويصيبها ما يصيب النساء من الغيرة، فلذلك أغفر لها ما يحصل منها، وكذلك أيضا أن الغضب المؤاخذ به هو الذي يفضي إلى الكفر، الغضب الذي يكون فيه عداوة وبغض، وأما ما كان يحصل منها رضي الله تعالى عنها فهو حاصل عن شدة محبة هو حاصل عن شدة محبة وصلة وقرابة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك اغتفر ذلك ولم تأخذ به رضي الله تعالى عنها.