الدرس في كتاب الصيام 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أقوال العلماء في أقل مدة للاعتكاف، فذهب الشافعي وأحمد إلى جواز ساعة، ومالك إلى يوم أو عشرة أيام، وأبو حنيفة روايتان، والإمامية ثلاثة أيام. كما نبه على خطأ الجهر بنية الاعتكاف عند الدخول للمسجد وفضل انتظار الصلاة فيه.
يستحب الاعتكاف في العشر الأواخر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء في وقت الدخول فذهب الجمهور لليلة الحادي والعشرين ورأى أحمد الدخول بعد فجر العشرين. كما اختلفوا في قضاء الاعتكاف التطوعي إن قطعه، فأوجب مالك القضاء وأسقطه الشافعي، واتفقوا على وجوبه في المنذور.
الأصل في الاعتكاف أنه سنة لا قضاء فيه إلا لمن داوم عليه سنوياً ففاتته سنة فيقضيها اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويختلف حكم التتابع في الاعتكاف بالنذر باختلاف تعين الوقت وإطلاقه والمذاهب، فالمعين يلزم فيه التتابع والقضاء، والمطلق يجوز تفريقه عند الشافعي بينما يوجب المالكية والحنفية التتابع.
أعلن المحاضر عن انتهاء الجلسة الحالية والاكتفاء بما تم طرحه من مسائل، على أن يتم استكمال الباقي في الدرس القادم. مختتماً بقوله: والله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله الإمام محمد بن عبد الله الريمي الحافظ: قال: مسألة: عند الشافعي وأحمد ليس لأول الاعتكاف حد، ويجوز أن يعتكف ساعة. وإذا نذر يعتكف لزمه ما يقع عليه الاسم، وهو ساعة. وعند مالك لا يصح أقل من يوم. وعند أبي حنيفة روايتان: إحداهما كقول الشافعي، والثانية كقول مالك. وعند مالك في رواية: لا أقل من اعتكاف عشرة أيام. وعند الإمامية لا يكون أقل من ثلاثة أيام. هذه مسألة حد الاعتكاف، ما هو أقل الاعتكاف؟ فيذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يجوز أن يعتكف ساعة، والمراد بالساعة أي وقت من الزمن قليل. ولهذا تجد أنهم يعتبرون الاعتكاف مجرد الدخول؛ عندما يدخل الإنسان المسجد ويريد أن يلبث في المسجد، ليس أنه يريد أن يخرج أو مار أو كذا، فهذا يعتبر أيضا معتكفاً. لكن تجد كثيراً من المتأخرين يفعلون هذه النية، تجد في بعض المساجد: "نويت الاعتكاف في هذا المسجد المبارك ما دمت فيه"، وهذا كلام لا يصح وليس عليه أثر من العلم. أي: الجهر بالنية. لكن قد جاء عن الشافعي رحمه الله في كتبه بالأم وغيره، أو المختصر، أيضاً المختصر المزني، أنه قال: أن الاعتكاف يكون ساعة، أن لو جلس قليلاً يعتبر معتكفاً. وهناك من العلماء من حده باليوم، حده باليوم أو الليلة، وليس هناك شيء صريح في الأحاديث إلا ما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه عندما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "نذرت أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة"، في رواية: "يوماً"، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أوف بنذرك". فهذا أقل ما جاء في الاعتكاف في مسمى الاعتكاف، وأنه يسمى اعتكافاً. وجاء الرجل من الصحابة، دار في مصنف ابن أبي شيبة، مثل قول الشافعي: أنه من جلس ومكث في المسجد يعتبر معتكفاً. والأمر سهل إن شاء الله تعالى. إذا دخل الإنسان المسجد فهو في أجر، وفي أيضاً ضيافة الرب جل وعلا. النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن الله عز وجل يستبشر من دخل المسجد". فالنبي عليه الصلاة والسلام... فالنبي عليه الصلاة والسلام... فالنبي عليه الصلاة والسلام... فالنبي عليه الصلاة والسلام... فدخولك المسجد أجر عند الله، أجر تجده عند الله عز وجل. وإذا صليت فهذا أجر آخر كذلك. لهذا أيضاً جاء في الحديث الذي في الصحيحين: إذا كان الإنسان منتظر الصلاة فلا زالت الملائكة تستغفر له. الملائكة تستغفر لك إذا كنت منتظراً للصلاة، ولو كان مثلاً قبل الأذان. لو دخل الإنسان قبل الأذان إلى المسجد ينتظر مثلاً صلاة العصر، فالملائكة تستغفر له، تقول: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، ما لم يحدث. ما لم يحدث، والحدث إما أن يكون حدثاً وهو الذي ينقض الوضوء، أو كذلك حدثاً أيضاً كما ذكر الإمام النووي وغيره: أن يكون حدثاً في الدين، إما بدعة وإما معصية يعصي الله عز وجل، مثلاً: يغتاب في المسجد، ينم، يكذب، وغيرها من هذه الأمور. فالملك يمسكون عن الاستغفار له والترحم عليه. وأيضاً لا شك أن العلماء يستحبون الاعتكاف، ويتأكد هذا الاعتكاف واستحبابه وسنيته في العشر الأواخر من رمضان، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان ما يترك الاعتكاف في العشر، وتركه مرة لعجل تنافس أزواجه، ثم قضاه في عشر من شوال، قضاه في عشر من شوال. وهذا يدل على مواظبة النبي عليه الصلاة والسلام للاعتكاف. قال: مسألة: عند الشافعي ومالك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه: إذا نذر يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان فإنه يدخل في أول ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان، وهو غروب الشمس من يوم العشرين، سواء كان نذراً أو تطوعاً. وعند الأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وأحمد في ظاهر القول: يدخل في أول اليوم الحادي والعشرين. ومن أصحاب من حمل كلامه على الأيام المطلقة، وأما المعينة فقوله فيها كقول الشافعية. معنى: إذا كما قلنا أنه يستحب ويتأكد الاستحباب في العشر، لكن متى يدخل المعتكف إلى معتكفه؟ متى يدخل المسجد ويجلس؟ فمن العلماء من قال: يدخل في ليلة الحادي والعشرين في أولها، بمعنى المغرب، إذا جاء المغرب دخل ليلة الحادي والعشرين. ومن العلماء من قال: أنه يدخل بعد صلاة الفجر الصباح. وأخذ أحمد وإسحاق وغيرهما مما جاء في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى الفجر دخل معتكفه. كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى الفجر دخل معتكفه. وهذا الحديث محتمل، محتمل أنه دخل معتكفه أي المكان الذي يعده للاعتكاف، وهو الخيمة التي كان يعتكف فيها النبي عليه الصلاة والسلام. كانت تعمل له خيمة أو قبة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف فيها. وما جاء في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجر غرفة في رمضان، أنا في العشر اللواخر، احتجر غرفة، احتجر معناه: جعل غرفة، وهي هذه الخيمة، جعلها للاعتكاف. هي سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ودخلها في الصباح، دخلها بعد أن صلى الفجر، دخل معتكفه. فمن العلماء من حمل "دخل معتكفه" على إطلاق، على أنه أول ما دخل في الاعتكاف بعد الفجر. ومن العلماء من قال: أن دخول المعتكف يكون بالليالي، فيدخل بليلة الحادي والعشرين. والأمر سهل، إن شاء الله تعالى. من دخل في ليلة الحادي والعشرين أفضل، ومن دخل بعد الفجر أيضاً فهو متبع للنبي عليه الصلاة والسلام، أو كما دل عليه هذا الحديث. فالأمر سهل إن شاء الله تعالى. قال: مثلاً عند الشافعي وبعض العلماء: إذا اعتكف تطوعاً ثم قطع اعتكافه لم يجب عليه قضاؤه. وعند مالك وبعض العلماء يجب عليه قضاؤه. أنا عند الشافعي أنه يستحب من باب الاستحباب. إذا اعتكف تطوعاً، إيش معى اعتكف تطوعاً؟ أي ليس نذراً. أما إذا نذر الاعتكاف فإنه يجب عليه، ويجب عليه قضاؤه إذا لم يعتكف. أنا إذا قال مثلاً إنسان: "لله علي هذه السنة أنا أعتكف عشرة أيام أو العشر الأواخر"، ثم شغل، جاءه عمل أو جاءه كذا، فشغل عن الاعتكاف، فهنا يقضي هذا الاعتكاف في شوال أو في غير. وأما إذا لم ينذر وإنما تطوعاً، فهل يجب عليه قضاؤه؟ الصحيح أنه لا يجب، لأن الأصل هو الأصل ليس واجباً، فكيف يكون بالفرع وهو القضاء؟ لكن من اعتاد الاعتكاف، من تعود أقصد من تعود الاعتكاف كل سنة ثم شغل في سنة من السنوات ولم يستطع، فيقضيه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. أما من كان يعتكف ويدر سنة، يعتكف سنة يترك، أو يعتكف أياماً ويترك أياماً، فهذا ليس عليه قضاء. إن خرج من اعتكاف ليس عليه قضاء. قال: مثلاً عند الشافعي: إذا نذر اعتكاف شهر بعينه ولم يشترط التتابع وجب أن يأتي به على التوالي، فإن خلا بيوم منه لزمه قضاء، ولا يلزمه الاستئناف. وعند أحمد في رواية يلزمه الاستئناف. هنا هنا يجبون التتابع. إذا نذر أن يعتكف شهراً في المسجد، فقالوا: لابد أن يتابع هذه الأيام. معنى ما يقطع الشهر، وإنما يتابع الشهر، لأن هذا الذي يتبادر إلى الذهن، يتبادر إلى الذهن أنه إذا قال: "أنا نذرت لله أنا أعتكف شهراً"، معنى ذلك شهر متتابع، ليس المراد به شهراً أي متفرق. لهذا أوجب أن يكون متتابعاً. فإن أخلى مثلاً بيوم لزمه قضاء. فإذا أخلى بيوم من هذه الأيام يلزمه القضاء. قال: عند الشافعي وزفر: إذا نذر اعتكاف شهر مطلقاً ولم يشرط التتابع جاز أن يأتي به متفرقاً، والأولى أن يأتي به متتابعاً. معنى: لم يعين الشهر. معنى المسألة الأولى فيه تعيين الشهر. المسألة الأولى فيه تعيين الشهر. معنى يقول: "شهر"، شهر محرم، أو أعتكف شهر رمضان، نذرت أن أعتكف شهر رمضان. فهنا، فهنا يلزمه عند الشافعي وأحمد أنه يأتي به على التوالي، معنى يتتابع، وإن ترك يوماً فإنه يقضي ذلك اليوم. وأما إذا أطلق، قال: "أعتكف شهراً إن شاء الله"، ولم يشترط التتابع، قال: جاز أن يأتي به متفرقاً. قال: والأولى أن يأتي به متتابعاً. وبه قال من الزيدية الناصر ويحى. وعند مالك وأبي حنيفة وأكثر العلماء يلزمه أن يأتي به متتابعاً. أنا لابد أن يأتي به متتابعاً، سواء كان نذراً نذراً مطلقاً أو معيناً. لكن من نذر معيناً فهذا يلزمه لا شك. من نذر شهراً بعينه أو حتى أسبوعاً مثلاً أو عشرة أيام، كما تقدم مثلاً يقول: "نذراً لله" أو "لله علي أن أعتكف عشرة أيام أو العشر الأواخر في هذا الشهر"، أو يقول مثلاً: "أعتكف عشرة أيام في شهر شعبان"، أو في شهر شوال، أو العشر الأولى من شهر شعبان، أو المحرم، فهذا يلزمه العشر هذه لأنه عينها. وأما إذا لم يعين وأطلق، فإنه الأفضل له أن يتابع، الأفضل له أن يتابع، وإن فرق لا شيء فيه. قال: عند الشافعي: إذا نذر اعتكاف ثلاثين يوماً وشرط فيها التتابع لزمه. وإن أطلق النذر أو قال متفرقاً، فإن اعتكف متتابعاً أجزأه، وإن اعتكف متفرقاً أجزأه أيضاً. وعند أبي حنيفة لا يجزئه، وهو قول مخرج في المطلق. معنى: إذا قال: "أعتكف ثلاثين يوماً"، نذر أنه في هذه السنة يعتكف ثلاثين يوماً. فإن شرط فيها التتابع لزمه التتابع، وإن لم يشترط فيها التتابع لم يلزم. فإن تتابع فهو أفضل، وإن فرقها فلا شيء عليه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذه المسائل، ونترك الباقي في الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.