الدرس في كتاب المواريث والوصايا والعتق 1، ألقاها
تصرفات المريض الذي لا يعتبر مرضه مخوفًا للوفاة تكون نافذة وصحيحة كتصرفات الشخص السليم. هذا الحكم يستند إلى أن مرضه لا يُعد سببًا مباشرًا للوفاة.
تصرفات المريض الذي يعتبر مرضه مخوفًا تنفذ من ثلث ماله، ولا تنفذ من رأس ماله إلا بإجازة الورثة بعد وفاته. هذا الحكم يستند إلى حديث نبوي يدل على تصدق الله على المسلمين بثلث أموالهم عند الوفاة.
حكم التصرفات المالية للمريض بمرض مزمن يتوقف على خطورة المرض، فإذا كان غير مخوف جاز التصرف في جميع المال، وإذا كان مخوفًا قُيد بالثلث، ومع الشك يرجع إلى الأصل وهو الجواز.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ثامنًا: كتاب المواريث والوصايا والعطق من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، ويجتمل على أربعة أبواب، أي هذا الكتاب الثامن. الباب الأول في تصرفات المريض، الباب الثاني في الوصية، والباب الثالث في العطق والكتابة والتدبير، والباب الرابع في الفرائض والمواريث. أما الباب الأول في تصرفات المريض، ومعنى تصرفات المريض، أي ما يقوم به المريض من عقود حال كونه مريضًا. ما حكم هذه العقود وتلك التصرفات التي تصدر من المريض؟ وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام على حكم ذلك. الإنسان إذا كان صحيحًا ومعافًا فإنه يتصر في ماله بكل حرية، ولكن بحدود ما جاء به الشرع. ومعنى هذا أن الإنسان المالك لماله، فما دام أنه مالك لماله، فإنه له أن يتصرف بماله كيف شاء في حدود المأذون به شرعًا. أي له أن يشتري ما شاء من المأذون به شرعًا، وأن يبيع، وأن يبتاع ما شاء، وأن يهب لمن شاء، وأن يتصدق بما شاء، إلى غير ذلك. ما دام أنه في حدود المأذون، وهذا في حال كونه صحيحًا. أما إذا كان مريضًا، فلا يقل المرض أن يكون غير مخوف، بمعنى أنه لا يخاف أن يموت بسببه، كوجع الضرس والأصبع والصداع، أي كوجع الضرس والأصبع والصداع، وهو ألم يكون في الرأس، وآلام الجسم التي لا تؤثر ويمكن شفاؤها وبرؤها. أي هذا حد المرض غير المخوف. حد المرض غير المخوف أنه عادة لا يكون عقبه الموت، أو لا يكون سببًا للموت. هذا هو الضابط في المرض غير المخوف، أن لا يكون ذلك المرض عقبه موت، أو أن يكون سببًا للوفاة عادة، أي جرت العادة بذلك. فيعلم من ذلك أن المرض الذي لم يكن، أو جرت العادة أنه لا يكون سببًا للوفاة، كما مثلها هنا كألم الضرس أو ألم الأصبع أو حمى خفيفة أو ما شابه ذلك، فإن هذا المرض يسمى مرضًا غير مخوف. ما حكم هذا المريض؟ وما حكم تصرفاته إذا كان به هذا المرض؟ قالوا: فهذا المريض يكون تصرفه لازمًا كتصرف الصحيح. ومعنى تصرفه لازمًا، أن يكون صحيحًا نافذًا. يكون تصرفه صحيحًا نافذًا كتصرف الصحيح. لماذا؟ لأنه في حكم الصحيح. لأنه في حكم الصحيح قالوا: كتصرف الصحيح. فتصح عطيته وهبته من جميع ماله، وإن تطور إلى مرض مخوف ومات بسببه. فالعبرة بحاله عند العطية والهبة، وهو في هذه الحال في حكم الصحيح. بمعنى أن إنسانًا مثلًا ألم الضرس شيء اعتيادي، إنسان وقع به ألم ضرس، فتصدق بنصف ماله مثلًا أو باع ما باع من ماله، ثم تطور ذلك المرض، أي ألم الضرس، فصار مرضًا خبيثًا، ثم مات من أثر ذلك. ما حكم التصرف الأول الذي تصرف حال كونه ألم ضرس فقط؟ الجواب أن التصرف صحيح، وما عقده وأبرمه وتصرف به من تصرفات، فإنها نافذة ولازمة. لماذا؟ لأنه في حكم الصحيح. هذا هو الحال الأول للمريض. قالوا: أما إذا كان المرض مخوفًا، والمرض المخوف هو الذي لا يمكن شفاؤه وبرؤه، أو جرت العادة أنه يكون سببًا للوفاة، ولا يمكن شفاؤه وماذا وبرؤه. قالوا: بأن يتوقع منه الموت، كالأمراض الخبيثة والمستعصية. فإن تبرعاته في هذه الحال تنفذ من ثلثه لا من رأس المال. لا من رأس المال. قالوا: لأن المال في هذه الحال، أي في حال كونه مريضًا مرضًا مخوفًا، يخشى عليه منه الوفاة، يكون ماله حكم حكم التركة. ماله يكون حكم حكم التركة، وليس له من تركته إلا الوصية، والوصية تكون بالثلث فما دون. ومعنى هذا أنه لو تصدق بنصف ماله في حال كونه مريضًا مرضًا مخوفًا، عن رجل فيه مرض مخوف خبيث على سرير الوفاة، الوفاة على سرير المرض المخوف، الموت يتبعه يومًا بعد يوم. يقول: سأتصدق، أتقرب إلى الله جل وعلا بعمل ينفعني الله جل وعلا به غدًا. فتصدق بنصف ماله وهو على هذه الحال مثلًا، أو باع أو اشترى أو ما شابه ذلك. فكما ذكر أنه لا ينفذ إلا الثلث فما دون. لا ينفذ إلا الثلث فما دون. بل قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسائل كثيرة تحت هذا المعنى، من أن تصرفات المريض مرضًا مخوفًا ليست محصورة ولا مخصورة على مسألة الهبات والصدقات، بل هي أعم من ذلك. بل هي أعم من ذلك. ومن ذلك ما لو أن رجلًا طلق بعض نسائه أو طلق امرأته لأجل أن يحرمها من الميراث. فلينفذ هذا الطلاق أم لا؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك الطلاق لا ينفذ، وأنها ترثه بعد وفاته. أنها ترثه بعد وفاته. لأن هذا يقال: حيلة على المحرم، والحيلة على المحرم لا تزيد المحرم إلا حرمة. فإذا تصرفات المريض مرضًا مخوفًا تكون غير نافذة، ولا لازمة، ولا موجبة لشيء إلا في حدود ما يكون من الوصية بالثلث فما دون. فكما سمعتم، لو أن رجلًا كان مريضًا مرضًا مخوفًا، فتصدق مثلًا بنصف ماله. كم ينفذ؟ الثلث فقط. وما عداه يكون تركه. وما عداه يكون تركه. قالوا: وإن زادت على ذلك فإنها لا تنفذ. قالوا: فإن كانت في حدود الثلث فما دون نفذت. وإن زادت على ذلك فإنها لا تنفذ إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت. لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم». والحديث كما ذكر رواه النسائي وغيره، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قالوا: فدل الحديث وما ورد بمعناه على أنه يجوز التصرف للمريض مرض الموت في ثلث المال. لأن عطيته من رأس المال تضر بالورثة، فردت إلى الثلث كالوصية. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم». إذن ينفذ من تصرفاته هذا الوجه لهذا الحديث: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم». قالوا: فدل الحديث وما ورد بمعناه على أنه يجوز التصرف للمريض مرض الموت في ثلث المال. لأن عطيته من رأس المال تضر بالورثة، فردت إلى الثلث كالوصية. أما إذا كان المرض مزمنًا ولكنه غير مخوف، ولكنه غير مخوف، ولم يلزمه الفراش، كمرض السكر وغيره. ففي هذه الحال تصبح تبرعاته من جميع ماله. تبرعات الصحيح. لأنه لا يخاف منه تعجيل الموت، كالشيخ الكبير. كالشيخ الكبير. إذن المرض المزمن قد يكون مخوفًا، فيكون حكم حكم المرض المخوف. وقد يكون غير مخوف، فيكون حكم حكم المرض غير المخوف. وتترتب عليه آثاره. وتترتب عليه آثاره. قالوا: أما إذا ألزمه الفراش، فلا تصح تبرعاته ولا وصاياه إلا في حدود الثلث لغير الوارث. لأنه مريض ملازم لفراش، يخشى عليه من الموت. فلا تعتبر تصرفاته وتبرعاته في هذه الحال كالمريض مرض الموت. والعبرة بما تقدم ذكره من أن ذلك المرض المزمن إذا جرت العادة بأنه مخوف، فحكم حكم المخوف. وإن جرت العادة بأنه ليس بمخوف، فإنه يكون حكم حكم غير المخوف. فيأخذ حكم ويأخذ ما ترتب عليه من آثار. وما ترتب عليه من الآثار. وقد يكون المرض مترددًا بين هذا وذاك. قد يكون المرض مترددًا بين هذا وذاك. فها هنا ينظر إلى الأصل. يرجع إلى الأصل. ما هو الأصل في تبرعات الإنسان بماله؟ الأصل الجواز. الأصل الجواز. فإذا تردد الأمر بين كونه مخوفًا أو غير مخوف، رجع إلى ماذا؟ إلى الأصل. لأنه عند الشك يرجع إلى اليقين. فلا يزال اليقين بمجرد الشك للتردد بين هذا وذاك. ولكن هذا الحكم قد يختلف من شخص إلى آخر. قد يختلف من شخص إلى آخر. فرب إنسان يكون به هذا المرض الذي ما جرت العادة على الوفاة منه دائمًا، بل منهم من يشفى منه، ومنهم من يكون ومنهم من يتوفى. فالناس في ذلك على أحوال. منهم من يزاد خوفه، ويعرف من حاله أنه كأنه يتهيأ الموت. فهذا يعامل معاملة من به مرض مخوف. يعامل معاملة من به مرض مخوف. وآخر عرف من حاله أن به المرض، لكنه لا يباري بذلك المرض. مع أنه مرض متردد أو فيه تردد. تارة يتوفى منه، تارة لا يتوفى منه. أنجاه الله جل وعلا. فهو يقول: أنا الحمد لله، بإذن الله أشفي. يعافين الله عز وجل. فمثل هذا يكون حكم وحكم المرض غير المخوف. ومن كان مترددًا رجع إلى الأصل. ومن كان حاله مترددًا، تارة يقول: لعلي، وتارة يقول: لا الحمد لله. كم من إنسان نجى من هذا المرض؟ لا أباري. وما شابه ذلك. فهذا إذا تردد في حكمه أو شك في أمره، فيرجع في ذلك إلى الأصل. والأصل إمضاء ما يبرمه من عقود وتصرفات. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.