الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي عثمان بن عفان حديث النبي عن فضل إتمام الطهور والصلاة الخمس ككفارات للذنوب. يبين حرص الصحابة على سماع العلم من النبي.
يشرح أهمية إتمام الوضوء والصلاة بشكل صحيح ككفارة للذنوب بين الصلوات. يذكر أحاديث نبوية تؤكد فضل إتمام الوضوء والصلاة مع الجماعة.
يشرح أن الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الذنوب مع اجتناب الكبائر. يشير إلى فضل الله في توفير المكفرات للتكفير عن صغائر الذنوب.
يشرح أهمية التوبة من الكبائر وضرورة الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه. يشدد على أهمية التوبة الصادقة لتلافي العواقب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم، جميعا عن وكيع، أبو الجراح. قال أبو كريب: حدثنا وكيع، عن مسعر، أبو كدام، عن جامع بن شداد أبي صخرة، قال: سمعت حمران بن أبان، قال: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة. وقال عثمان: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافنا من صلاتنا هذه. قال مسعر: أراها العصر. فقال: «ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت؟» فقلنا: يا رسول الله، إن كان خيرا فحدثنا، وإن كان غير ذلك، فالله ورسوله أعلم. قال: «ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب الله عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارات لما بينها». في هذه الرواية، قال حمران: كنت أضع لعثمان طهوره، يعني الماء الذي يتوضأ به، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة، يعني يستعمل الماء، ولو كان قليلا. نطفة يعني قليل من الماء. وكأنه يريد أنه كان أي عثمان رضي الله عنه كثير الاغتسال، فلا يمر عليه يوم إلا وهو يغتسل، ولو كان به القليل من الماء. ثم ذكر أن عثمان رضي الله عنه قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهل يدلنا على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا من أهل الحديث؟ بل هم نقلة حديث النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الأمة. سمعوا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم حدثوا به أصحابهم من التابعين. وهكذا حدث التابعون أتباعهم من أتباع التابعين. وهكذا تناقل أهل العلم العلم والحديث جيلا عن جيل، حتى وصل إلينا هذا الدين، وهذه الأحاديث الكثيرة التي اعتنى العلماء بعد ذلك بتدوينها وحفظها وكتابتها. فكانت مجالس الصحابة رضي الله عنهم مع النبي عليه الصلاة والسلام مجالس علم وتحديث. قال عثمان: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم». فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثهم بأحاديث كثيرة، والصحابة رضي الله عنهم يحفظون. هيأهم الله عز وجل لحفظ هذا الدين، فكانت حافظتهم قوية. لم يكن في زمنهم توجد آلات الحاسوب الحديثة اليوم التي تحفظ آلاف الكتب والأحاديث. وإنما كان اعتمادهم على حفظ الصدر. كان اعتمادهم على حفظ الصدر، يسمعون الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام فيطبع في قلوبهم، فلا ينسونه. قال عثمان: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قال: «عند انصرافنا من صلاتنا هذه». قال مسعر: أراها يعني أظنها صلاة العصر، أي بعد أن صلى بهم صلاة العصر. ثم قال: «ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت». ولعل النبي عليه الصلاة والسلام كان ينظر إلى أحوالهم، وينظر إلى أحوال الصحابة رضي الله عنهم، هل كانوا متهيئين لسماع حديثه، أو أنهم كانوا متعبين، أو شيء من ذلك من الأعذار التي ربما تكون سببا في عدم تحديث العالم والمحدث بالحديث. قد يكون متعبا أو مرهقا، أو يرى أن الوقت غير مناسب للتحديث، أو نحو ذلك. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يستشيرهم، ويرى هل يحدثهم في هذا الوقت أم في وقت آخر. لهذا قال: «ما أدري أحدثكم بشيء أو أسكت»، يعني فلا أحدثكم. فقالوا: يا رسول الله، إن كان خيرا فحدثنا، وإن كان غير ذلك، فالله ورسول أعلم، يعني أنت أعلم بالأصلح والأفضل. فلما قالوا ذلك، ورأى أنهم مهيئون لسماع حديثه، وراغبون في ذلك، حدثهم عليه الصلاة والسلام. وهذا أيضا يدلنا على حرص الصحابة رضي الله عنهم على سماع العلم والحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. فكانوا كثيرا ما يسألونه عليه الصلاة والسلام أن يحدثهم، وأن يخبرهم ببعض الأمور والمسائل التي يحتاجون إليها. وفيه أيضا رد العلم إلى الله ورسوله، إن كان يعني هذا العلم مما يعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام. وسئل عنه المرة لا يعلمه، قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «الله ورسوله أعلم». وإن كان مما لا يعلمه إلا الله، قال: «الله أعلم». رد العلم إلى الله سبحانه وتعالى وحده. قال: «ما من مسلم يتطهر فيتم الطهور»، يعني يتطهر طهورا تاما كاملا، أتى به بالواجبات والأركان والمستحبات والآداب. قال: «فيتم الطهور الذي كتب الله عليه». وقد يشمل ذلك الواجب أن يأتي بالواجب بالطهور، يعني هذا الذي كتب الله، أي فرض الله. أما المستحبات فليست بفرض. فيكون هنا قوله: «فيتم الطهور الذي كتب الله عليه»، يعني أن يتطهر الطهور الواجب. «فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارات لما بينها». فلو اقتصر على هذا الطهور الواجب، وصل هذه الصلوات الخمس، كانت ذلك كفارة لما بينها، أي ما بين صلاة وصلاة. ما بين صلاة وصلاة. فإذا تطهر فأتم الطهور في صلاة الفجر، ثم أتم الطهور في صلاة الظهر، كان هذا الطهور كفارة لما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر. وهكذا إذا أتم الطهور في صلاة الظهر، ثم أتمه في صلاة العصر، وصل العصر، كانت كفارة لما بين الصلاتين، بين الظهر وبين العصر. وهكذا إذا فعل في المغرب والعشاء، كانت كفارات لما بينها، أي ما بين كل صلاة وصلاة. وهذا كما مر يدلنا على فضيلة إتمام الطهور، وإحسان الصلاة، وأن ذلك سبب في تكفير الذنوب والخطايا. قال رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي. وحدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، ومحمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهم لقب بغندر، قال جميعا: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن جامع بن شداد. ومرة معنا: «جامع بن شداد». وآخر مرة: «متى مرة معنا جامع بن شداد؟ آخر مرة». «اليوم أو بالأمس أو قبل أمس؟» ها نعم. ها قبل قليل في السنة التي قبل هذا. قال: سمعت حمران بن أبان يحدث أبا بردة في هذا المسجد، في إمارة بشر، أن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تم الوضوء كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن». قال هذا حديث ابن معاذ. وليس في حديث غندر: «في إمارة بشر»، ولا ذكر «المكتوبات». وهذا الحديث كالذي قبله في أن اقتصار المتوضئ على الوضوء الواجب، ثم إذا صلى الصلوات المكتوبات، فإنه ينال هذه الفضيلة، أن تكون كفارات لما بينهن. قال رحمه الله: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: وأخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن حمران مولى عثمان، قال: توضأ عثمان بن عفان يوما وضوءا حسنا، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: «من توضأ هكذا، ثم خرج إلى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، غفر له ما خلا من ذنبه». من توضأ هكذا، يعني وضوءا حسنا. والوضوء الحسن الذي يجمع الواجبات والمستحبات. قال: «ثم خرج إلى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة»، يعني لا يخرجه إلا الصلاة، ليس له قصد من الخروج من المنزل إلا الصلاة. لا يخرجه ولا يدفعه ولا يحثه على الخروج إلا الصلاة. قال: «غفر له ما خلا من ذنبه». ما خلا يعني ما مضى. ما مضى وقد فات من ذنبه. غفر له ما خلا من ذنبه. وهذه فضيلة عظيمة. ما خلا من ذنبه يعني كل ما مضى من ذنوبك، أي من صغائر الذنوب. بوضوء لفريضة واحدة، فكيف إذا كان هذا الوضوء في كل صلاة؟ إذا كنت تحسن الوضوء في كل صلاة، والوضوء الواحد على هذا الوصف يغفر لك ما مضى من ذنوبك، فكيف بكل وضوء عند كل صلاة؟ قال رحمه الله: وحدثني أبو الطاهر، ويونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن عمر بن الحارث، أن الحكيم بن عبد الله القرشي حدثه، أن نافع بن جبير، وعبد الله بن أبي سلم، حدثاه، أن معاذ بن عبد الرحمن حدثهما، عن حمران مولى عثمان بن عفان، عن عثمان بن عفان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه». من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، يعني أتمه أكمله، وأعطى كل عضو حقه من الغسل. إسباغ الوضوء إعطاء كل عضو حقه من الغسل. ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، أي الفريضة. فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، يعني أنه صلاها في المسجد مع الجماعة، لم يصلها في بيته أو في سوقه، بل خرج وصلاها مع الناس في بيوت الله. قال: «غفر الله له ذنوبه». هنا هذا الأجر قيد بهذا القيد، هذا الوصف، أنه يتوضأ ويسبغ الوضوء، ثم يذهب ويمشي إلى الصلاة، ويصليها مع الجماعة، ما يصليها وحده أو في بيته، وإنما يصليها مع المسلمين في بيوت الله جل وعلا. فهذا ينال هذا الأجر العظيم. غفر الله له ذنوبه. وهذا فيه أيضا فضيلة المشي إلى الصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم مشى إلى الصلاة». لو قال: «ثم ذهب إلى الصلاة»، لا شمل ذلك المشي والركوب. لكن قال: «ثم مشى»، يعني بقدميه ذهب إلى المسجد يمشي بقدميه. وهذا يعني أبلغ في الأجر. كما سمعنا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». هذا الأجر ما يناله الراكب. ما يناله الراكب الذي يذهب إلى المسجد بالدراجة أو بالسيارة. يحرم هذا الأجر، إلا إذا كان لعذر. إن كان معذورا لكبر سن أو مرض أو نحو ذلك، فيرجى أن يكتب له الأجر إذا كان قبل ذلك يذهب إلى المسجد ماشيا. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، كلهم عن إسماعيل، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني العلاء، عن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر». عن أبي صخر: «والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن». قال: حدثني أبو الطاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، قال: أخبرنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق، مولى زائدة، حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر». هذا الحديث حدث به أبو هريرة رضي الله عنه، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن»، يعني أن صلوات الخمس، كل صلاة إلى الصلاة التي بعدها، مكفرة لما قبلها. كما مر معنا في حديث عثمان. فإذا صلى الإنسان الفجر، ثم صلى بعدها الظهر، كانت صلاة الظهر مكفرة لما وقع بعد صلاة الفجر. وإذا صلى العصر، كانت صلاة العصر مكفرة لما وقع قبل العصر، أي بعد الظهر. وإذا صلى المغرب، كانت صلاة المغرب مكفرة لما وقع منه بعد العصر. وإذا صلى العشاء، كانت صلاة العشاء مكفرة لما وقع منه بعد المغرب. وإذا صلى الفجر، كانت مكفرة لما وقع منه بعد العشاء. هذا معنى. وهكذا أيضا الجمعة إلى الجمعة، يعني من صلاة الجمعة إلى الجمعة التي بعدها، فتكون هذه الجمعة الثانية مكفرة لما حصل في خلال هذا الأسبوع. ثم رمضان إلى رمضان، ثم رمضان إلى رمضان، إذا صمت هذا رمضان، ثم صمت الذي بعده، فيكون صيام هذا الشهر مكفرا لما حصل فيما بين الرمضانين، خلال السنة كلها. فانظر إلى هذه المكفرات، مكفرات يومية، ومكفرات أسبوعية، ومكفرات سنوية. الصلوات الخمس يومية، هذا بخلال أربع وعشرين ساعة، كل صلاة إلى صلاة مكفرة لما قبلها، ولما بعدها. ومكفرات أسبوعية من الجمعة إلى الجمعة. ومكفرات سنوية من رمضان إلى رمضان. وهذا من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضا عفوه جل وعلا عن عباده. جعل لهم هذه الكفارات التي تكفر عنهم ما قد يقعون فيه من صغائر الذنوب. وذلك لأنهم معرضون لأنهم معرضون للخطأ والزلل، وهم بشر غير معصومين. لكن هذه المكفرات لا تكفر عن العبد إلا صغائر الذنوب. أما الكبائر فلا بد فيها من توبة. ولهذا قال: «ما لم تغش الكبائر». وفي لفظ الآخر: «ما لم يأت كبيرة». كبائر الذنوب لا بد فيها من التوبة، من توبة صادقة نصوح. لكن هذه الطاعات وهذه العبادات تكفر صغائر الذنوب. صلوات الخمس، والجمعة إلى جمعة، ورمضان إلى رمضان، وأما هذه الكبائر التي جاء فيها الوعيد، أو اقترنت باللعن، أو كذلك أيضا بالغضب، بغضب الله، أو سقوطه، أو عقوبة في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، فهذه لا بد فيها من توبة صادقة، بأن يقلع عن هذا الذنب، ويندم على فعله، ويعزم ألا يعود إليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.