الخطبة بعنوان المداومة على الأعمال بعد رمضان، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 15 شوال 1447هـ الموافق 3 أبريل 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يحث الخطيب على مواصلة الأعمال الصالحة بعد انقضاء رمضان محذراً من حال من لا يعرفون الله إلا فيه، مؤكداً أن المداومة على الطاعات دليل قبول العمل وإخلاص العبادة مستدلاً بآيات الاستقامة والعبادة حتى الموت.
يستعرض الخطيب هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المداومة على الأعمال وقضاء الفوائت، مبيناً فضائل الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصيام ست من شوال كتكفير للذنوب وتعديل لصيام الدهر.
يبيّن الخطيب فضل صيام ست من شوال وثلاثة أيام من كل شهر ويوم عرفة وعاشوراء، ويحث على قيام الليل والصدقة المستمرة اقتداءً بهدي النبي في الاقتصاد والاستمرار.
يتضرع الداعي إلى الله بالنصر والعون للمستضعفين في كل مكان وللأسرى في غزة خاصة داعياً لحقن دمائهم وعودتهم سالمين، مختتماً بالثناء على الله والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، قد كنا في موسم شهر رمضان المبارك نتقلب في أنواع الطاعات والقربات، وأنواع من الأعمال الصالحات التي يحبها الله سبحانه وتعالى، فانقضت تلك الأيام، وانتهى ذلك الزمان، وهو شاهد علينا أو لنا، شاهد للمحسنين بالإحسان، وللعاصين بالعصيان. فهنيئاً لمن وفقه الله باستغلال ذلك الموسم العظيم في طاعة الله سبحانه وتعالى. وإذا انقضى موسم رمضان، لم تنقض مواسم الطاعات والخيرات، فإن أبوابها مفتوحة، وإن أنواع الطاعات متتالية، فما على المسلم إلا أن يُقبل على طاعة ربه، وأن يستمر على فعل الأعمال الصالحات، وأن يُداوم عليها، فإن المداومة على الطاعات دليل على قبول الأعمال الصالحات، فإن الحسنة تُثمر الحسنة، وإذا رجع العبد إلى القهقرة وتراجع عما كان عليه من الطاعات والقربات، فذلك دليل الخذلان، عياذاً بالله. نعم عباد الله، لا يكن حالنا كحال من قال من السلف: «بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان». هذا للأسف حال بعض المسلمين، إذا أقبل شهر رمضان أقبلوا على طاعة الله، حافظوا على الصلوات، وأقبلوا على أنواع الطاعات، وتركوا المعاصي والمحرمات، فإذا انقضى رمضان عادوا إلى ما كانوا عليه من تضييع الواجبات، ومن ارتكاب السيئات. حالهم كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾. هذا مثل ضربه الله جل وعلا في التحذير من إبطال العبد لعمله، كحال هذه المرأة التي تغزل، فإذا انتهت من غزلها قامت بنقضه وإتلافه، وهكذا حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم يعود إلى تركها وإلى فعل الأعمال السيئة. عباد الله، نحن مأمورون بعبادة الله وبطاعته في سائر الأيام وفي سائر الشهور، وربنا عز وجل يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، أي حتى يأتيك الموت وأنت على عبادة الله وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى. ويقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أي لا يأتيكم الموت إلا وأنتم متمسكون بالإسلام قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً. ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. فهذه البشارة العظيمة التي يبشر بها المؤمن، هي لمن آمن بالله بقلبه ولسانه، وكذلك استقام على دين الله جل وعلا بجوارحه. فإن الاستقامة على الدين وعلى طاعة الله دليل على إرادة الخير للعبد، كما أن الإعراض عن طاعة الله جل وعلا وعبادته دليل الخذلان ونقص الإيمان. فإن المداومة على الطاعات دليل على إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى. وهذا هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، كان إذا عمل عملاً أثبته، كما تقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته»، أي استمر وداوم عليه وحافظ عليه. ولهذا كان إذا نام عن صلاة الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، رواه مسلم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا نام عنها أو شغل عنها قضاها من النهار شفعاً، فصلاها ثنتي عشرة ركعة. هكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، وهكذا ينبغي أن نكون، عباد الله، محافظين على الطاعات وعلى الأعمال الصالحات، فنحن أولى وأحوج إليها من نبينا عليه الصلاة والسلام، الذي غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فإن أمامنا سفراً طويلاً يحتاج إلى زاد كثير. كان الأحنف بن قيس رحمه الله كثير الصيام، حتى عندما كبر، فقيل له: إنك شيخ كبير والصوم يضعفك، فقال: «إني أعده لسفر طويل، إني أعده لسفر طويل»، أي للآخرة، يتزود بهذه العبادة وبهذه الطاعة. فنحن في سفر يا عباد الله إلى الله سبحانه وتعالى، والسفر لا بد فيه من زاد، وإلا هلك صاحبه في أثناء سفره. عباد الله، إذا انقضى هذا الموسم العظيم، فإن أمامكم مواسم عظيمة من مواسم الطاعات ومن مواسم الخيرات، منها ما يتكرر في كل يوم وليلة، وهي الصلوات الخمس. هذه العبادة العظيمة التي إذا حافظ عليها العبد، كفر الله عز وجل عنه ذنوبه، ومحا الله عز وجل عنه سيئاته، حين يتلطخ بأنواع الذنوب والخطايا. فهذه الصلوات تغسل المسلم غسلاً، وتنقيه تنقية. جاء عند الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون، تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم لم يكتب عليكم شيء حتى تستيقظون». فانظروا يا عباد الله كيف أن هذه الصلوات تغسل العبد مما يقع فيه من الذنوب والخطايا التي تحرق صاحبها حرقاً. فإذا كان لا يصلي أو مفرطاً في هذه الصلاة، فستحرقه الذنوب، عياذاً بالله، ولا يجد من الأعمال ما يغسل هذه الذنوب الخطايا، كمثل هذه الصلوات الخمس. ومن المواسم ما يتكرر كل أسبوع، وهو صلاة الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه». وإذا انقضت عبادة الصيام في شهر رمضان، لم تنتهي هذه العبادة ولم تنقض هذه الطاعة، فإن الصيام يستحب في سائر الأيام والشهور. فعندك صوم الست من شوال، الذي يعتبر كالنافلة البعدية لرمضان، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر»، رواه مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه. انظر يا عباد الله إلى هذا الأجر العظيم: صيام رمضان ثم ستاً من شوال، سواء كانت في أوله أو في وسطه أو في آخره، متتابعة أو متفرقة، فإنك تنال بذلك أجر صيام سنة كاملة، كان كصيام الدهر، أي كصيام السنة. قال أهل العلم: وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان كأنك صمت عشرة أشهر، ثم صيام هذه الست بستين يوماً كأنك صمت شهرين، فذلك صيام السنة كلها. بل ربما يكتب لك أجر صيام سنتين في سنة واحدة، أجر صيام سنتين في سنة واحدة، إذا صمت رمضان ثم ستاً من شوال كنت كصيام الدهر، وإذا صمت ثلاثة أيام من كل شهر بهذه السنة يكتب لك كذلك أجر صيام سنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر»، فيكتب لك أجر صيام دهرين في دهر واحد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهكذا أيضاً عباد الله، صيام الاثنين والخميس، والصيام كذلك الأيام الفاضلة التي يستحب صيامها، كيوم عاشوراء ويوم عرفة. فنحرص أن يكون لنا نصيب من هذه العبادة ومن هذه الطاعة، التي هي كذلك من أحب الطاعات إلى الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إذا انقضى قيام رمضان، لم تنقض هذه العبادة ولم تنتهي هذه الطاعة، فإن قيام الليل يستحب في سائر الليالي والشهور، والله جل وعلا يقول مادحاً لعباده المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، رواه مسلم عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه. ألا فاحرص أيها المسلم أن يكون لك نصيب من هذه العبادة ومن هذه الطاعة، التي هي من أخص عبادات أهل الجنة. وهكذا عباد الله، إذا انقضى موسم رمضان، لم تنقض عبادة الصدقة والإنفاق، فهي كذلك مستحبة في سائر الأيام والشهور، والله جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ويقول عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة، كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة»، رواه أهل السنن عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه. فيا عباد الله، ينبغي أن نكون حريصين على طاعة الله، ملازمين للأعمال الصالحة في سائر حياتنا، وفي سائر أيامنا وشهورنا، حتى نلقى الله سبحانه وتعالى ونحن على عمل صالح يرضاه الله ويحبه الله، وذلك من توفيق الله عز وجل للعبد أن يوفقه إلى عمل صالح ثم يقبضه إليه. وكان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام الاقتصاد في العبادة والطاعة والاستمرار عليها، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أحب العمل إليه أدومه وإن قل، أدومه وإن قل»، أي وإن كان العمل قليلاً، لكن المسلم يداوم عليه ويحافظ عليه، فذلك من أحب العمل إلى الله سبحانه وتعالى. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويوفقنا جل وعلا للمداومة على الأعمال الصالحة والاستقامة على دينه وشرعه، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم لا تشمت بنا عدواً ولا حاسداً. اللهم عليك بأعداء هذا الدين من اليهود والنصارى والروافض وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم واجعل بأسهم بينهم يا قوي يا متين، اللهم عليك بهم يا ذا الجلال والإكرام. اللهم واحفظنا في بلادنا، ومن أرادنا بخير فوفق لكل خير، ومن أرادنا بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، وخذهم يا ربنا أخذ عزيز مقتدر. اللهم وكن لإخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم عوناً ونصيراً يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وكن لإخواننا المسلمين المستضعفين من الأسرى في غزة، اللهم احقن دماءهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم احقن دماءهم، اللهم ردهم إلى أهليهم سالمين غانمين، اللهم عليك بعدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.