الخطبة بعنوان من بركات شهر رمضان، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 3 رمضان 1447هـ الموافق 20 فبراير 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض الخطيب فضائل شهر رمضان بوصفه شهر البركة ونزول القرآن، مبشراً بقدومه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه. ويبين هدي السلف في الإكثار من تلاوة القرآن وختمه خلال هذا الشهر العظيم.
يوضح المقطع أن رمضان تفتح فيه أبواب الجنة الثمانية وتغلق أبواب النار، وأن الصيام إيماناً واحتساباً يكفر الذنوب. كما يشير إلى أن الصوم عبادة سرية اختص الله بها نفسه وأجرها بغير حساب.
يبين الخطيب أن للصائم فرحتين: فرحة عند الإفطار بتوفيق الله، وفرحة عند لقاء ربه بثواب الصيام. ويؤكد أن قيام التراويح إيماناً واحتساباً يغفر الذنوب، وأن ليلة القدر خير من ألف شهر، مع عتق الله لمن أطاعه في كل ليلة.
يبدأ المقطع بدعاء شامل يغفر فيه للمؤمنين والمؤمنات أحياءً وأمواتاً، ثم يطلب من الله أن يحبب الإيمان إلى القلوب ويزينه. ويختتم بالتسبيح والصلاة على النبي والحمد لله.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، كنا في الجمعة الماضية في شهر شعبان ندعو الله عز وجل أن يطيل في أعمارنا، وأن يمد في آجالنا، وأن يبلغنا هذا الموسم العظيم، فقد استجاب الله عز وجل دعاءنا، وأطال في أعمارنا، وأمد في آجالنا حتى بلغنا شهر رمضان المبارك، فهنيئًا للمسلم، وحريًا به أن يفرح بهذه النعمة العظيمة، وربنا جل وعلا يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قد كان السلف، كما ذكر الإمام ابن رجب رحمه الله، يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، لأنهم علموا أن هذا الموسم العظيم هو موسم الأعمار، وسوق الأرباح، وميدان السبق إلى رضوان الله سبحانه وتعالى. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يبشر أصحابه بقدوم هذا الموسم العظيم، فيقول: «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، لله فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرماها فقد حرم» رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر بمقدم هذا الموسم العظيم، فرحًا بقدومه، وسرورًا باستقباله، لأن بلوغ المسلم له نعمة عظيمة ينبغي أن يعرف قدرها، وأن يعرف عظيم فضلها. تأملوا في قوله عليه الصلاة والسلام: «شهر مبارك»، والبركة: كثرة الخير وثبوته، فالنبي عليه الصلاة والسلام وصف هذا الشهر بأنه شهر مبارك، أي كثير خيره، وكثير نفعه. كيف لا يا عباد الله، وهذا الشهر الذي اختاره الله عز وجل لفريضة الصيام التي هي ركن من أركان الإسلام؟ كيف لا يكون كذلك، وهو الشهر الذي أنزل الله عز وجل فيه أعظم آية وأعظم معجزة على رسوله عليه الصلاة والسلام، ألا وهو القرآن العظيم؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يعتني بالقرآن في شهر رمضان عناية عظيمة، قال ابن عباس: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» رواه البخاري. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يدارس جبريل القرآن في هذا الشهر المبارك، يعرض عليه القرآن فيقرأ وهو يستمع له، ولذلك كان مدارسة القرآن في هذا الشهر العظيم سنة نبوية، وعلى ذلك جرى سلفنا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على الإقبال على كتاب الله عز وجل إقبالًا عظيمًا. نعم عباد الله، فقد أوثر عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه كان يختم في كل يوم وليلة ختمتين، ختمة في النهار وختمة في الليل. وهذا الإمام البخاري رحمه الله صاحب الصحيح كان يختم في كل يوم وليلة ختمة، وكان بعضهم يختم في ثلاثة أيام، وبعضهم في أسبوع، وهكذا كل بحسب اجتهاده وبحسب إقباله، فكانوا لربما أقفلوا كتب العلم والحديث، وأقبلوا على القرآن، كما أثر عن الإمام الزهري رحمه الله وغيره، أنه إذا أقبل رمضان أقفلوا كتب الحديث، وقالوا: هذا شهر القرآن. ولا يتأتى ذلك عباد الله باللعب واللهو، وبضياع الأوقات، وإنما بالحفاظ على الدقائق والساعات. هذا الشهر المبارك، كيف لا يكون كذلك، وفيه تفتح أبواب الجنان، لا يغلق منها باب، وهي ثمانية أبواب. نعم عباد الله، هي أبواب الجنة، جعلها الله عز وجل لأهل الإيمان، ولي السابقين إلى الخيرات: باب للصلاة، وباب للصيام، وباب للصدقة، وباب للجهاد. جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد». فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم». لأن أبا بكر رضي الله عنه كان من السباقين إلى الخيرات، ومن المتنافسين في الطاعات، فكان من أهل الصلاة، ومن أهل الصيام، ومن أهل الصدقة، ومن أهل الجهاد، فحق له أن يدعى من أبواب الجنة كلها. تفتح أبواب الجنة، فلا يغلق منها باب، ولا يكون ذلك إلا في هذا الشهر، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، يا من تريد الخير، يا من تريد الجنة، يا من تريد مغفرة الله، يا من تريد الفوز بجنة الله، يا من تريد رضوان الله، أقبل على طاعة ربك، أقبل على الأعمال الصالحة، فها هي أبواب الجنة مفتحة. وتغلق أبواب النار، وهي سبعة أبواب، فلا يفتح منها باب، وينادي مناد: يا باغي الشر أقصر، كف عن الشر، واترك الشر، وأقبل على طاعة ربك. كيف لا يكون هذا الشهر شهرًا مباركًا، وقد فرض الله عز وجل صيامه، وجعل صيامه مغفرة للذنوب والخطايا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. من صام رمضان إيمانًا بفرضيته وإيمانًا بوجوبه، فلا يصومه وهو ينكر وجوبه وفرضيته، فإن ذلك لا ينفعه، واحتسابًا أي للأجر والثواب، لا يصومه عادة، ولا يصومه حياء وخجل، بل يصومه احتسابًا ورغبة في الأجر والثواب، فيغفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه. كيف لا يكون هذا الشهر شهرًا مباركًا، والله عز وجل قد اختص للصائمين من الأجر والثواب ما لا عد له ولا حساب؟ جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، إلا الصوم، فإنه لي». أضافه الله عز وجل إلى نفسه تشريفًا وتكريماً، قال أهل العلم: وذلك أن الصائم يترك الطعام والشراب وسائر المفطرات تعبدًا لله عز وجل، فقد شابه الله عز وجل في صفة من صفاته، وهي ترك الطعام والشراب، فهو يطعم ولا يطعم سبحانه وتعالى. وقيل كذلك: أن الصائم حين يصوم لا يعلم بحقيقة صومه إلا الله سبحانه وتعالى، فهي عبادة سرية وعبادة خفية بين العبد وبين ربه، فلذلك أضافها الله عز وجل إلى نفسه، وجعل الله عز وجل حسابها وجزاءها بغير عد تفضلا منه سبحانه وتعالى. والله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والصيام جنة»، أي وقاية، تقيك من عذاب الله، وتقيك من النار والجحيم، فإن من أعظم الأعمال التي يقي بها المسلم نفسه من عذاب الله هو الصيام، وكذلك يقي نفسه من الذنوب والمعاصي، هي هذه العبادة العظيمة. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن للصائم فرحتين يفرحهما، فرحة معجلة وفرحة مؤجلة، أما الفرحة المعجلة فهي فرحه عند تمام صومه، قال: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه». إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه، يفرح إذا أفطر أن الله عز وجل أعانه ووفقه وسدده وأطال في عمره حتى أكمل هذا اليوم الذي صامه لله سبحانه وتعالى، وإذا لقي ربه فرح بصومه بما يجد من الثواب ومن الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا آتنا من بركة هذا الشهر المبارك، أن من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه، والمراد بالقيام صلاة التراويح. والقيام: إذا صلىها المسلم مؤمنًا باستحبابها وبمشروعيتها، واحتسابًا للأجر والثواب، فلا يصلي رياء، ولا يصلي حياء، ولا يصلي عادة، ولكن يصلي احتسابًا ورغبة في الأجر والثواب، غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن عظيم رحمة الله وفضله بهذه الأمة أن شرع قيام الليل في رمضان جماعة، أن تصلى جماعة، ولا يشرع ذلك في غير هذا الشهر إلا أحيانًا، وأما أن تصلى شهرًا بهذه الهيئة والكيفية فلم يشرع ذلك في غير هذا الشهر، وذلك من بركته وكثرة خيره، وإعانة للمسلم على حضورها، وعلى شهودها، وعلى صلاتها. فمن صلاها في هذا الشهر المبارك غفر له ما تقدم من ذنبه، ولذلك احرص أيها المسلم أن تصلي التراويح مع الإمام من أولها إلى آخرها، حتى ينصرف من صلاته، أي ينتهي منها. قال عليه الصلاة والسلام: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» رواه الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه، كتب له قيام ليلة، أي أجر قيام ليلة كاملة يكتب لك ذلك الأجر، وإن كنت على فراشك. فانظروا ما أعظم هذا الأجر، وما أعظم هذا الجزاء، ألا فلا تتكاسل أيها المسلم، ولا تحرم نفسك من هذا الخير العظيم. ومن بركة هذا الشهر عباد الله، أن فيه ليلة، العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، التي قال الله عز وجل فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيه ليلة هي خير ليالي السنة، من حرمها فقد حرم»، أي من حرم أجرها، ومن حرم فضلها، ومن حرم إدراكها فقد حرم خيرًا عظيمًا، ألا فلا تكن من المحرومين، وكن من السباقين إلى رحمة الله عز وجل. ومن بركة هذا الشهر، أن الله عز وجل يعتق في كل ليلة من لياليه من تناله مغفرة الله، ومن يناله عتق الله سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: «ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة». فلذلك في كل ليلة من ليالي هذا الشهر المبارك، ولا شك ولا ريب أنه لا ينال هذا العتق إلا من أقبل على طاعة الله، ومن سارع في مرضات الله، ومن حافظ على الأعمال الصالحة، وتجنب المعاصي والذنوب، واستغل أوقاته فيما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء الذين يتناولهم أو ينالهم عتق الله جل وعلا من النيران، ألا فاحرص أيها المسلم أن تكون منهم، وأن تكون على أعمالهم، أن تعمل كعملهم، وأن تسابق وتنافس في أبواب الخير. فهذه نعمة عظيمة، ومنة كبيرة، وفرصة في حياتك لا تعوض، فلا تضيع عليك هذه البركات، ولا تذهب عليك هذه الخيرات، ولا تحرم نفسك من هذه الرحمات، فما عليك إلا أن تقبل على طاعة ربك، وأن كذلك تسابق وتسارع فيما يقربك إلى الله. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ونجنبنا جل وعلا أسباب سخطه وعقابه. اللهم وفقنا لصيام رمضان ولقيامه، ولإعمار أوقاته بطاعتك. اللهم واجعلنا فيه من عتقائك من النار، اللهم واجعلنا فيه من عتقائك من النار. اللهم اعتق رقابنا، ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم.