مما نستقبل به رمضان

مما نستقبل به رمضان

الخطبة بعنوان مما نستقبل به رمضان، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 25 شعبان 1447هـ الموافق 13 فبراير 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

وجوب صيام رمضان وشروط التكليف

صيام رمضان فريضة وركن من أركان الإسلام، وجحد وجوبه كفر وتركه كبيرة من الكبائر. يشترط لوجوبه الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة والإقامة مع اعتبار الصلاة شرطاً لقبوله.

أعذار الفطر ومفطرات الصيام بالإجماع

يُبيح الفطر أعذار كمرض مزمن وكبر سن وسفر وحيض ونفاس وحمل وإرضاع مع وجوب القضاء أو الفدية. حدد الشرع المفطرات بالإجماع في الأكل والشرب والجماع وما في حكمها من الإبر المغذية.

مفسدات الصيام ومباحاته وحكمة التشريع

تفسد المباشرة والإنزال الصيام وتوجب الكفارة، بينما يباح التبرد والاكتحال والسواك وصيام الجنب إذا أدرك الفجر. شرع الصيام لتحقيق التقوى وترك قول الزور والعمل به مع الدعوة للتوبة.

الدعاء الختامي وسؤال الحسنتين

اختتم الدرس بالدعاء بحب الإيمان وتزيينه في القلب وكراهية الكفر والفسوق والعصيان. سأل الله الحسنة في الدنيا والآخرة والوقاية من عذاب النار مع الصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها نحن على مشارف استقبال هذا الموسم العظيم، موسم شهر رمضان، شهر الصيام والقيام، شهر القرآن والصدقة والعتق من النار. فما أحوج المسلم أن يحسن استقبال هذا الموسم العظيم، وقد ذكرنا في الخطبة السابقة بعض الأمور التي ينبغي أن يستقبل بها المسلم هذا الموسم العظيم. ألا وإن منها كذلك التفقه في أحكام الصيام، ومعرفة شيء من أحكامه، حتى يعبد المسلم ربه على علم وبصيرة. فالله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالله جل وعلا فرض علينا صيام هذا الشهر المبارك، وذلك كان في السنة الثانية من الهجرة. نزل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فهو فريضة واجبة، وركن من أركان الإسلام، ومن أركانه العظام. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها: «وصوم رمضان». فمن جحد وجوب الصيام فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل. ومن ترك الصيام تكاسلا مع الإقرار بفرضيته ووجوبه فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وموعود بالوعيد الشديد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فيما جاء في السنن من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم على أقوام معلقين بأعراقهم، تسيل أشداقهم دما، فقال: «من هؤلاء؟» فقيل له: «هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم». فإذا كان هذا الوعيد وهذه العقوبة في حق من يصوم ويتعجل الفطرة، فكيف بمن لا يصوم بالكلية؟ فلذلك كان صيام رمضان فريضة واجبة على كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم. فالكافر لا يجب عليه الصيام، ولا يقبل منه إلا بالإسلام، لأن الكفر مانع من قبول الأعمال، والله يقول: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ولذلك ينبغي أن نتنبه إلى أن بعض المسلمين هداهم الله، لربما صاموا وهم لا يصلون، وتاركوا الصلاة على خطر عظيم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وإذا وقع في هذا الكفر عياذا بالله، لم يقبل صيامه. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحافظ على فريضة الصلاة إذا أراد أن يقبل الله جل وعلا منه فريضة الصيام. كذلك أيضا من شرط الوجوب العقل والبلوغ. أن يكون المسلم عاقلا، فإن كان قد زال عقله بجنون، أو كذلك بخرف لكبر سن، أو كذلك بسبب إخلال في العقل، فإنه لا يجب عليه الصيام، لقوله عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاث»، وذكر المجنون حتى يفيق. فالمجنون لا يجب عليه الصيام، ولا يطعم عنه، لأنه ليس من أهل الوجوب. ومثله كذلك من كبر في السن حتى خرف وذهب عقله، أو يذهب عنه تارة ويرجع تارة، فإنه لا يجب عليه الصيام ولا الإطعام، لأنه ليس من أهل الوجوب. كذلك أيضا البلوغ، فالصبي لا يجب عليه الصوم، وإن كان ينبغي لوليه أن يأمره بالصيام من غير إشقاق عليه، فإن ذلك مما ينبغي أن يعود عليه الصبيان على هذه الطاعة وعلى هذه العبادة العظيمة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث»، وذكر الصبي حتى يحتلم. حتى يحتلم، أي حتى يبلغ. وعلامات البلوغ ثلاثة يشترك فيها الذكر والأنثى: وهي بلوغ خمسة عشر سنة، والعلامة الثانية ظهور الشعر الخشن في القبل، والعلامة الثالثة هي الاحتلام. وتزيد الأنثى بخروج دم الحيض. فإذا ظهرت علامة من هذه العلامات فهو بالغ. نعم عباد الله، فإذا حاضت البنت وهي في السن العاشر أو الثاني عشر، فهي تعتبر بالغة، يجب عليها ما يجب على النساء البالغات. وهكذا لو احتلم الصبي وهو في السن الثاني عشر، وجب عليه ما يجب على البالغين. فلذلك ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر الذي لربما يجهله بعض الناس أو يغفلون عنه. كذلك أيضا من شرط الوجوب القدرة على الصيام، ويخرج بذلك المريض الذي يشق عليه الصيام، فإنه لا يجب عليه الصوم. ثم ينقسم المريض إلى قسمين: إما أن يكون المرض مرضا مزمنا لا يرجى شفاؤه، بما قد وصل إليه علم الأطباء، كالسرطان أو الفشل الكلوي أو نحوها من الأمراض المستعصية، فإنه يفطر ويطعم بدل الصيام. وإن كان المرض مرضا يرجى شفاؤه من الأمراض العارضة كالحمى أو الصداع أو غيرها، فإنه يفطر ثم يقضي أياما أخر، لقوله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. كذلك أيضا الكبير في السن، فإنه إذا شق عليه الصيام وهو بكامل عقله، فإنه يفطر ويطعم بدل الصيام، لقوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «في الشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصيام، يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا». وبهذا قال جماهير العلماء. كذلك أيضا الحامل والمرضع، إذا خافتا على نفسهما أو على ولديهما، جاز لهما الفطر ثم يقضي ذلك في أيام أخر، لما رواه الترمذي عن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع الصوم». وهكذا أيضا من شرط الوجوب عباد الله الإقامة، فإن كان الإنسان مسافرا، سواء كان السفر لعلاج أو دراسة أو عمل أو غير ذلك من أنواع السفر، جاز له الفطر ثم قضى ذلك في أيام أخر، لقوله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وكذلك يشترط في المرأة خلوها من الحيض والنفاس، فإن كانت حائضا أو نفساء لم يجب عليها الصيام، ولا يجوز لها أن تصوم. قال عليه الصلاة والسلام: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟» قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟» قالت: «كان ذا يصيبنا ذلك على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». والصيام عباد الله هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبدا لله سبحانه وتعالى. والمفطرات التي يفطر بها الصائم بإجماع العلماء هي: الأكل والشرب والجماع. قال الله جل وعلا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. في هذه الآية أباح الله جل وعلا الأكل والشرب في ليالي الصيام، ثم أمر بالإمساك عند طلوع الفجر إلى دخول الليل. وأذى من رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة، إذ أنه كان في أول فرض الصيام، من صلى العشاء أو نام حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة التي بعدها. وفي صحيح البخاري عن قيس بن صرمة الأنصاري رضي الله عنه أنه كان صائما، فجاء إلى امرأته عند الغروب، قال: «هل عندك من طعام؟» قالت: «لا، أذهب فأنظر لك». فلما ذهبت ورجعت غلبته عيناه فنام، فقالت: «خيبة، أي قد حرم عليك الطعام والشراب». فلما أصبح صائما وكان مجهدا من شدة العمل أغمي عليه، فأنزل الله جل وعلا هذه الآيات: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فأباح الله جل وعلا الطعام والشراب في ليالي الصيام. كذلك أيضا يلحق بالطعام والشراب ما كان بمعناه مما يغذي هذا الجسم، كالإبر المغذية. وأما الإبر التي ليس فيها معنى ذلك من غذاء الجسم، فإنها لا تفطر. وكذلك أيضا الجماع، فإنه يفسد الصيام بالكتاب والسنة والإجماع. والله جل وعلا يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. وهذه الآية فيها تحليل ما قد كان محرما عليهم قبل ذلك، إذ أنه كذلك كان الحكم في أول فرض الصيام، من صلى العشاء أو نام حرم عليه الجماع إلى الليلة التي بعدها. فكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم يختنون أنفسهم، فيأتون نساءهم بعد المنع، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية في حل الجماع في سائر ليالي الصيام: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾. وأما في النهار، فإنه يحرم على المسلم أن يأتي أهله وهو صائم، وهو ممن يجب عليه الصيام. فإن فعل ذلك فسد صومه، ووجبت عليه الكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهكذا أيضا مما يفسد الصيام على الصحيح حصول الإنزال، أي إنزال المني عن طريق المباشرة أو غير ذلك، لما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح، في قوله عز وجل في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، والشهوة تتمكن في الإنزال، فإذا لم يمسك ذلك فسد صومه، وكذلك ذهب عليه هذه العبادة، وعليه قضاؤها. نعم عباد الله، ولنعلم كذلك أنه مما يجوز للصائم حال صيامه أن يتبرد بالماء البارد، كأن يغتسل أو يتمضمض، أو كذلك له أن يكتحل في عينيه، أو يستعمل قطر الأذن أو العينين. وأما قطر الأنف، فإنها إن دخلت إلى الجوف فسد صومه، لأن الأنف منفذ لدخول الطعام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». وهكذا أيضا كذلك إذا أدرك الإنسان الفجر وهو على جنابة، فإن صومه صحيح، ويغتسل ولو بعد دخول الفجر، لحديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل ويصوم، عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيحين. كذلك أيضا مما يجوز للصائم استعمال السواك، سواء كان في أول النهار أو في آخره، لعموم الأدلة في استحباب الاستياك. وأما حديث: «استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي»، فهو حديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ينبغي أن نحرص على تحقيق الحكمة العظيمة التي لأجلها فرض الله عز وجل علينا الصيام، ألا وهي تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى، بلزوم الأوامر واجتناب النواهي. ولذلك قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي لعلكم أن تحققوا هذا المقام العظيم. فالله جل وعلا لم يوجب علينا الصيام ليشق علينا، أو ليكلفنا ما ليس في طاقتنا، أو كذلك ليتعبنا، أو ليحرمنا مما تشتهيه نفوسنا، وإنما لأجل أن يبلغ بنا إلى أعلى مراتب التقوى. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. إذ أنه ليس المقصود أن يدع المسلم ما أحل الله له من الطعام والشراب، ثم يقع فيما حرم الله عز وجل عليه من قول الزور والعمل به. والمراد بقول الزور: أي القول الباطل، من كذب أو غيبة أو نميمة، أو كذلك سب أو شتم أو طعن أو قذف، أو غير ذلك من الأقوال الباطلة. وكذلك العمل بالباطل، من شهادة الزور أو غيرها. إذ أن ذلك ينافي مقصود الصيام من تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر»، أي ليس له من الأجر شيء، لأنه لم يحقق المعنى المقصود والحكمة العظيمة من فرض الصيام، وهي تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، مما ينبغي أن نستقبل به هذا الموسم العظيم أن نستقبله بالتوبة إلى الله جل وعلا، والإقلاع عن الذنوب والخطايا، كبيرها وصغيرها. والله جل وعلا يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. نعم عباد الله، وأن ندعو الله عز وجل أن يبلغنا هذا الموسم العظيم، وهذا الموسم الكريم، الذي فيه رفع الدرجات وتكفير الخطايا والسيئات. وخاصة ونحن نرى المنايا تلتقطنا واحدا تلو الآخر، كم فارقنا من إخوة وأحباب، وكم كذلك فارقنا من جيران وأصدقاء، كانوا يتمنون كما نتمنى، ويأملون كما نأمل، ويطمحون كما نطمح، ويشتهون كما نشتهي، فحيل بينهم وبين ما يشتهون. فما أحوجنا عباد الله إلى توبة صادقة، يمحو الله عز وجل بها خطايانا وذنوبنا وسيئاتنا، قبل أن تلتقطنا المنايا ونحن في غفلة، وفي كذلك لهو ولعب، وفي ركون إلى الدنيا ولذاتها وشهواتها. يا نفس توبي، فإن الموت قد آن وعص الهوى، فالهوى ما زال فتان في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا ألم ترين المنايا كيف تلقطنا لقطا فتلحق أخرانا بأولانا يا نفس مالي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عريانا بعد خمسين قد قضيتها لعبا قد آن أن تقصري، قد آن، قد آن. أسأل الله جل وعلا أن يطيل في أعمارنا، وأن يبلغنا شهر رمضان المبارك، ويوفقنا جل وعلا لصيام نهاره وقيام ليله، وإعمار أوقاته بطاعته. الله محب بلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم أتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة، شكرا للمشاهدة.