الخطبة بعنوان من فضائل شهر شعبان، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 4 شعبان 1447هـ الموافق 23 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُبيّن الخطيب أن شهر شعبان يُرفع فيه الأعمال إلى الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على الإكثار من الصيام فيه لغفلة الناس عنه بين رجب ورمضان. ويشير إلى أن الأوقات التي يغفل فيها الناس عن الطاعة يعظم أجر من يتقرب فيها، فاستحب الصيام والقيام تهيئةً لرمضان.
يتناول المقطع فضل العبادة في أوقات الفتن (الهرج) حيث تعادل الهجرة، ورفع الأعمال في شعبان، ومغفرة الله في ليلة النصف إلا للمشرك والمشاحن. ويحذر من الشرك وقطيعة الرحم داعياً للمبادرة بالصلح قبل رمضان.
يحث الخطيب على اغتنام شعبان بالإكثار من قراءة القرآن اقتداءً بالسلف، والمبادرة بقضاء صيام رمضان الفائت قبل دخول رمضان الجديد مستدلاً بحديث عائشة. كما ينبه على تحريم ترويع المسلمين باستخدام السلاح في الأعراس مستشهداً بأحاديث النهي عن الإشارة بالسلاح.
يختتم المتحدث بتسبيح الله وتنزيهه عما يصف الظالمون، ويسلم على المرسلين، ويحمد الله رب العالمين. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من نعم الله عز وجل على العبد أن يبلغه مواسم الطاعات، وأن يوفقه لاغتنام الأوقات، فيكون عمره مزرعةً للغرس والحرث، وأيامه ميدانًا للعمل والجد. والله جل وعلا يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنَّ خِيَارَكُمْ أَطْوَلَكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنَكُمْ أَعْمَالًا» رواه الإمام أحمد. عباد الله، ها هي الأيام تتعاقب، والشهور تتوالى، والدهر يمضي، والأعمار تنقضي، وفي ثناياها هبات ربانية وعطايا إلهية، كنوز مكنونة وجواهر مستورة، ينتفع بها السعيد ويتفطن لها الأريب. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. ها قد حل بنا سفير عزيز، ضيف كريم، ألا وهو شهر شعبان، محطة إيمانية يتزود بها المسلم بالتوبة والإخلاص، ونبذ الخلافات، وإصلاح النيات، وترك المحرمات، والتهيؤ لاستقبال شهر رمضان المبارك. روى الإمام أحمد في مسنده، وأهل السنن من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». ففي هذا الحديث دلالةٌ على استحباب الإكثار من الصيام في شهر شعبان. ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» متفق عليه. قال الإمام البخاري رحمه الله، وقال الحافظ ابن حجر في ذلك: دلالة على أن الصيام في شعبان هي كالسنن الرواتب مع الفريضة قبلها أو بعدها. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ» فلذلك كان يصومه عليه الصلاة والسلام، دلالةٌ على أن الأوقات والأزمان التي تكون فيها غفلة الناس عن الطاعة والعبادة يعظم أجرها ويكبر ثوابها. ولذلك كان الذاكر لله عز وجل عند دخوله السوق له من الأجر والثواب الشيء العظيم، لأن السوق موضع غفلة عن ذكر الله عز وجل. وهكذا أيضًا عظم الأجر لمن حافظ على قيام الليل، وعلى صلاة الفجر، لأنها في أوقات غفلة الناس ونومهم وراحتهم. وهكذا العبادة في الهرج عند وقوع الفتن والحرب والقتال، فإن العبادة فيها يعظم أجرها لأن الناس ينشغلون عنها. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» رواه مسلم عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه. وأما في قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ»، فهذه الأعمال هي أعمال السنة كلها ترفع إلى رب العالمين من خير أو شر، أو طاعة أو معصية. فلذلك حرص عليه الصلاة والسلام أن يصوم، فيرفع عمله وهو صائم، متلبسًا بهذه العبادة وبهذه الطاعة العظيمة. وإذا كانت الأعمال ترفع إلى رب العالمين، فإن الله عز وجل يغفر لعباده المؤمنين ولعباده الصالحين، فينالون هذه المنقبة العظيمة وهذه الدرجة العالية. إلا أن هناك أصنافًا من الناس يحرمون من هذه المغفرة، قد نبهنا النبي عليه الصلاة والسلام حتى نكون على حذر أن نكون من هذين الصنفين الذين يحرمان من مغفرة الله جل وعلا. وذلك فيما جاء عند ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يَطَّلِعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ إِلَّا مُشْرِكًا أَوْ مُشَاحِنًا». إلا مشرك: من كان متلبسًا بشيء من الشرك في عبادة الله، فإنه يحرم من مغفرة الله. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فالذين يدعون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويذبحون وينذرون لغير الله، ويطوفون حول الأضرحة، أو يتمسحون بها، أو كذلك يستغيثون بها، أو يلبسون الحروز والتمائم، أو من يذهب إلى السحرة والمشعوذين، أو من يسب الدين والرب عياذًا بالله، فمن كان كذلك أو واقعًا في شيء من ذلك مما هو من الشرك والكفر، فإنهم يحرمون من مغفرة الله، إلا أن يتوبوا إلى الله جل وعلا توبة صادقة وتوبة نصوحًا. والصنف الثاني: أهل الشحناء والعداوة والبغضاء، من بينه وبين أخيه شحناء. وما أكثر المتشاحنين والمتقاطعين من أجل الدنيا! فكم من أخ قد قاطع أخاه، وكم من ولد قد قاطع أباه، وكم من أب قد قاطع ولده، وكم من جار قد قاطع جاره، وكم من رحم قد قاطع أرحامه. هؤلاء يحرمون من مغفرة الله. وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِكُلِّ عَبْدٍ إِلَّا رَجُلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا». انظروا يا عباد الله، انظروا أي أخروهم، فلا تنالهم مغفرة الله إلا أن يصطلحا فيما بينهما. فانظر يا أيها المسلم، لا تحرم نفسك من مغفرة الله ومن قبول أعمالك، وخاصة وأنت ستقبل على موسم عظيم من مواسم الطاعات ومن مواسم الخيرات، ألا وهو شهر رمضان المبارك. فلا تحرم نفسك من قبول صلاتك وصيامك وقراءتك وصدقتك وغير ذلك من أعمال البر بسبب خصومتك ومقاطعتك. ألا فكن خير الرجلين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». خيرهما الذي يسلم على أخيه الذي قاطعه، فتكون له الخيرية. ألا فاحرص أن تنال هذه الخيرية العظيمة، وفعل ذلك لله وطلبًا للأجر والثواب من الله. ألا أقبل عباد الله في هذا الشهر على كتاب الله جل وعلا، فقد كان السلف كما ذكر ابن رجب رحمه الله يسمون شهر شعبان بشهر القراء، بشهر القراء. وقد روي عن سلمة بن كهيل وحبيب بن أبي ثابت نحو ذلك: إذا دخل شعبان قالوا: هذا شهر القراء. وكان عمرو بن قيس رحمه الله إذا دخل شعبان أقفل حانوته، أي دكانه، وتفرغ لقراءة القرآن. كل ذلك تهيئة للنفوس على الإقبال على شهر رمضان المبارك، فتكون مهيأة قابلة للصيام والقيام وقراءة القرآن وغير ذلك من أنواع الطاعات والقربات. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، من كان عليه قضاء من رمضان فليتعجل بقضائه في شهر شعبان، فإنه لا يجوز للمسلم أن يتساهل في تأخير القضاء حتى يدخل عليه رمضان الآخر. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ». قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا دلالة في حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخيره حتى يأتي رمضان الآخر. ومن فعل ذلك من غير عذر شرعي فهو آثم، أي أخر القضاء حتى دخل رمضان الآخر، وعليه الكفارة في قول جماعة من أهل العلم. والمرأة إذا ضاق بها الوقت ولم يبق من شعبان إلا ما يسع لقضاء صيامها، وجب عليها القضاء ولو منعها زوجها، فإنه لا طاعة له في ذلك، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. عباد الله، مما ينبه عليه في ختام هذه الخطبة ما طلب التنبيه عليه الجهات المختصة فيما يتعلق بحماية الأنفس والناس، والسعي في تحقيق الأمان والحفاظ على الأرواح، من منع استعمال السلاح في الأعراس أو غير ذلك، لما في ذلك من تخويف الآمنين وإفزاع المواطنين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَرُوعَ مُسْلِمًا، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَرُوعَ مُسْلِمًا»، أي أن يخيفه، أي أن يخيفه، ولو كان ذلك على سبيل اللعب والمزاح، فكيف إذا كان على سبيل الجد والقصد؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهُ». وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ أَنْ يَنْزِعَ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ». وكم وقع عباد الله من مفاسد عظيمة وأضرار كثيرة بسبب الاستعمال للسلاح استعمالًا عشوائيًا، فكم ذهبت فيه من أرواح، وكم زهقت من أنفس. والسعيد من اتعظ بغيره. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم لا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا. اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك فينا في من خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، إليك مخبتين أو منيبين. اللهم أجب دعوتنا، وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأصلح سرائرنا، واسل سخيمة صدورنا، واجعلنا من عبادك الصالحين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.