وألف بين قلوبهم

وألف بين قلوبهم

الخطبة بعنوان وألف بين قلوبهم، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 28 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 19 ديسمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الأُلفة والمحبة بين المؤمنين: نعمة إلهية وأثرها المجتمعي

يتحدث المقطع عن نعمة الأُلفة بين المؤمنين التي امتن الله بها على نبيه والمؤمنين مستشهداً بآيات قرآنية وحديث المؤاخاة. ويبين أن العمل بالدين وعدم ترك شيء منه من أعظم أسباب تحقيق الأُلفة، محذراً من أن نسيان الحق يورث العداوة والبغضاء.

أسباب تحقيق الألفة: التمسك بالدين وحقوق الأخوة الإسلامية

يبيّن المقطع أن الاجتماع والألفة تتحقق بالتمسك بكامل الدين والعمل بالقرآن والسنة، وأن المعاصي تفرّق القلوب بينما الأرواح المتشاكلة في الحق تتآلف. كما يؤكد على قيام المسلم بحقوق أخيه كرد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس.

آداب الأخوة العملية: إفشاء السلام والإصلاح والنصيحة والصبر على الولاة

يستعرض المقطع أسباباً عملية لتقوية أواصر الأخوة كإفشاء السلام وإطعام الطعام وعيادة المريض والإصلاح بين المتخاصمين. ويؤكد أن النصيحة لله ولولاة المسلمين وعامتهم هي الدين كله، وأن الصبر على ظلم الحكام ولزوم الجماعة سبيل صلاح القلوب والمجتمعات.

الدعوة إلى التهدئة وجمع الكلمة وخاتمة الدعاء

يحث المقطع المسلم العاقل على السعي للتهدئة والإصلاح وجمع الكلمة والتعقل بدلاً من التهور لجلب الألفة والمحبة. ويختم بدعاء يطلب فيه المغفرة والرحمة والهدى والتقى والعفاف والغنى وصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

  • 29 جمادى الآخرة 1447هـ - 19/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن مما تسعد به المجتمعات وتقوى ويترابط أهلها أن تتحقق بين أفرادها الألفة والمحبة. ولذلك فإن الألفة كما عرَّفها بعض أهل العلم هي الاجتماع مع الالتئام والمحبة، هذا هو معنى الألفة بين المؤمنين. ولعظيم هذه النعمة فإن الله سبحانه وتعالى امتن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بها، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فالأُلفة يا عباد الله بين المؤمنين نعمة عظيمة ومنة جسيمة. ولذلك لما أراد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يبني دولته ومجتمعه المسلم، جعل من أساسي هذه الدولة أن يتآلف وأن يتحاب أهلها. ولذلك فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار، وامتن الله سبحانه وتعالى على الأنصار بهذه النعمة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فلا أخوّة يا عباد الله إلا بالتآلف والتحاب بين المؤمنين. ولذلك كذلك امتَنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الأنصار بهذه النعمة، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أفاء عليه في غزوة حنين قسم المال في المؤلفة قلوبهم ولم يُعْطِ الأنصار شيئًا، فكأن الأنصار وجدوا في نفوسهم أن لا يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقام فيهم خطيبًا وقال: «أَلَمْ يَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي». فانظروا يا عباد الله إلى هذه المنة وإلى هذه النعمة، فينبغي لأهل الإسلام أن يُحقِّقوها وأن يحرِصوا عليها حتى يكون فيما بينهم الترابط والمحبة والقوة. أيها المسلمون، عباد الله، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «الأرحام تُقطع والنعم تُكفر، وَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ وَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا مِثْلَ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ» أي الألفة فيما بينها. وهكذا يا عباد الله، فإن للأُلفة أسبابًا، متى ما سلكها المؤمنون حققوها وعملوا بها فيما بينهم. فمن أعظم أسباب الألفة والمحبَّة بين المؤمنين العمل بالدين وعدم ترك شيء منه ومخالفته. فإن ربنا سبحانه وتعالى بيَّن لنا في كتابه الكريم عن اليهود أنهم لما تركوا حظًا مما أو لما نسوا حظًا مما أوتوا من الحق الذي جاءهم الله به أغرى بينهم العداوة والبغضاء: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾. وهكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «إن من أسباب الاجتماع والأُلفة جمع الدين والعمل به كله»، أي بمعنى أن تدخل في السلم كافة وأن لا تُخالف شرع الله، فإن ذلك مما يؤدي إلى التنافر وإلى البغضاء والشحناء، لأن المعاصي لها عواقب وخيمة، ومن أعظم مفاسدها التقاطع والتهاجر والتباغض. ولذلك جاء عند الإمام أحمد، ويحسن العلامة الألباني في الأدب المفرد، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما توادَّثنان ثم فرِّق بينهما إلا بذنب أحدثه أحدهما إلا بذنب أحدثه أحدهما». وقد جاء أيضًا، جاء أيضًا في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها أتلف وما تناكر منها اختلف. الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها أتلف». قال أهل العلم: أي ما تشاكل منها في العمل بالحق، في توحيد الله، في العمل بالسنة، في البعد عن المخالفات الشرعية، فهذه القلوب تأتلف وتجتمع لأنها متشاكلة، والعكس بالعكس. وما تناكر منها اختلف: أنت من أهل التوحيد وذاك من أهل عباد القبور، أنت من أهل السنة وذلك وذاك من أهل البدع والأهواء، وأنت من أهل الاجتماع وذاك من أهل الفرقة والاختلاف، فلا لهذين أن يجتمعا، وما تناكر منها اختلف. ألا فالذي يجمع المسلمين ويؤلف بين قلوبهم العمل بالحق والعمل بالدين والاجتماع عليه، وهذا الذي يرضاه الله عز وجل لنا: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا»، ومما يرضاه الله لنا أن نعتصم بحبل الله وأن لا نتفرق، والاعتصام بحبل الله أي التمسك به، وحبل الله فُسِّر بالقرآن، وفسِّر بالسنة، وفسِّر بالإسلام، وكل هذه المعاني متقاربة وتصب في معنى واحد. فإذا اعتصم المسلمون بكتاب ربهم وبسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام ألف الله بين قلوبهم، ولذلك سُمِّي أهل السنة والجماعة لأنهم يعملون بالسنة ويجتمعون عليها. فإذا أردتم الائتلاف يا عباد الله فاعملوا بدين الله، وإياكم ثم إياكم مخالفة هذا الدين العظيم في صغير أو كبير. أسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون ومن أسلمون، عباد الله، ومن أسباب الألفة القيام بحقوق المسلمين. فإذا قام المسلم بالحق الذي عليه تجاه أخيه المسلم فإن ذلك من أسباب التآلف والمحبة. ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس». فهذه الحقوق يا عباد الله مما تؤلف بين قلوب المسلمين. فالسلام يا عباد الله معناه الدعاء بالسلام لأخيك المسلم، ولذلك فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن السلام سبب للمحبة بين المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». ولذلك أصل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصول التي تقام بها دولة الإسلام، فعند أول قدومه إلى المدينة حين جفل الناس إليه مشتاقين لرؤيته، فممن ذهب في هذا المجمع العظيم عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، إذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». يرسخ ويرسي هذه الأصول العظيمة التي ينبغي أن يكون عليها أهل الإسلام في أوطانهم: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، تفقد المحتاج، تفقد المريض وعيادته، تفقد الضعيف، اليتيم، المسكين، هذا مما يقوِّي أواصر الأخوة ويؤلف بين قلوب المؤمنين. وهكذا يا عباد الله، من أسباب الألفة بين المؤمنين الإصلاح فيما بينهم، فتكون هناك ثلة من العقلاء من المصلحين، إذا سمعوا بشقاق أو خلاف بين أخوين، بين جارين، بين كذلك مسلمين، بادروا إلى الإصلاح. وهذا ما أمر الله به: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. فإن الشحناء والبغضاء والغيبة والنميمة سبب لحلق الدين، كما أخبر النبي صلى الله عليه عليه وسلم: «الحالقة هي التي تحلق الدين ولا تحلق الشعر». حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تلك العداوات ومن تلك الشحناء والبغضاء بين المسلمين. وهكذا يا عباد الله، من أسباب الألفة والمحبة بين الراعي والرعية النصيحة، النصيحة، النصيحة. متى ما وجد الخطأ ومتى ما وجد الموجدة المخالفة لدين الله عز وجل يبادر المسلم بالنصيحة. قد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم الدين كله: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فإنك إن وجدت الخطأ على أخي ثم جاملته أو تركته فإن ذلك يؤدي إلى التنافر والوحشة. لا تظن أن بتركك لنصيحة أخيك أنك تتقارب معه أو أنك كذلك ترسي مبادئ المحبة، لا والله، بل في ذلك ضرر عظيم، ألا وهو السكوت على الانحرافات وعلى الأخطاء، لأنها كما سمعتم سبب لتنافر القلوب. والإنسان غير معصوم، قد يقع في شيء من الخطأ ومن الزلل، فالعلاج لذلك هو النصيحة. وهكذا حتى أولياء الأمور، إن مما يكون به الألفة بين الراعي والرعية أن يكون هناك التناصح فيما بينهم، وأن يكون هناك العمل بدين الله عز وجل في التعامل معهم، لا بالعاطفة ولا بالحماسات ولا بثورات ولا بالانقلابات، وإنما بشرع الله عز وجل. جاء عند ابن ماجة من حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين». لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، أي أن هذه الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن عمل بها صفى قلبه من الغل ومن العداوة ومن الشحناء ومن البغضاء. مناصحة ولاة الأمور: مناصحة إصلاح، لا مناصحة خروج، ومناصحة إثارة الفتن، وإنما مناصحة إصلاح بما تقتضيه المصلحة لا بما تشتهيه النفس من الأهواء. وهكذا لزوم جماعة المسلمين: ألا تخالف الجماعة، وأن لا تخرج على الجماعة. وإن وجدت من الأخطاء فقد جاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم يشتكون إليه ظلم الحجاج، فماذا قال لهم رضي الله تعالى عنهم؟ «اصبروا، اصبروا، فإنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم». كم بيننا وبين عهد أنس بن مالك رضي الله عنه وهو يقول: «لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه». لا تستغرب من ظلم الحكام ولا من استئثارهم للأموال، فهذا قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. لكن كيف التعامل؟ تعامل معهم يا عباد الله بما جاء في كتاب الله وبما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدِّ الحق الذي عليك، أدِّ الحق الذي عليك، واسأل الله الحق الذي لك. فهذا هو من نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحذر من إثارة الفتن، أو من الخروج عن جماعة المسلمين، أو كذلك من إثارة القلاقل والفتن في المجتمع. بل ينبغي للمسلم العاقل أن يسعى إلى التهدئة، وأن يسعى إلى الإصلاح، وأن يسعى إلى جمع الكلمة، وأن يسعى إلى التعقل لا إلى التهور، فهذا مما يؤدي إلى الألفة والمحبة بين المسلمين. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يؤلف بين قلوب المؤمنين وأن يصلح ذات بينهم. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم إننا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.