الخطبة بعنوان فضل العبادة عند غفلة الناس، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 4 شعبان 1447هـ الموافق 23 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الخطبة فضل شهر شعبان بوصفه شهراً تُرفع فيه الأعمال ويغفل فيه الناس، وتحث على صيامه اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. كما تبين استحباب إعمار أوقات الغفلة بالطاعات وتشبه العبادة في الفتن بالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
يحث الخطيب على الإكثار من ذكر الله في الأسواق وأوقات السكون، ويبين أن شعبان ميدان للتهيؤ لرمضان بالصيام وقراءة القرآن وترك المشاحنات. ويستدل بفضيلة ليلة النصف من شعبان التي يُغفر فيها للمؤمنين غير المشركين ولا المشاحنين.
يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله بأسمائه الحي القيوم طالباً إصلاح الشأن كله وعدم التكل إلى النفس. ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، أخرج الإمام النسائي في سننه من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يا رسول الله، لم أرَك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه شهر يغفل فيه الناس بين رجب ورمضان، وإنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». هذا الحديث يا عباد الله فيه فوائد كثيرة، وفيه كذلك معانٍ عديدة. يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا الحديث فيه استحباب إعمار الأوقات في غفلة الناس بالطاعات. فانظروا وتأملوا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه شهر يغفل فيه الناس»، لأن شهر شعبان يكون بين شهر رجب وهو من الأشهر الحرم الذي يعظمه المسلمون، وهكذا شهر رمضان هو أفضل شهور السنة مما يعظمه المسلمون بالصيام والقيام وقراءة القرآن والتقرب إلى رب الأرض والسماوات. ولذلك فإن هذا الشهر لربما يغفل عنه كثير من الناس، لا سيما في مثل هذه الأزمان التي كثرت فيها المشاغل، وكثرت فيها الملهيات، وكثر فيها التعلق بالدنيا ومشاغلها. فالعبادة في هذا الشهر مما يستحب ومما يحبه الله سبحانه وتعالى، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر فيه من الصيام كما في هذا الحديث، وفي غيرها من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يصوم شهرًا أكثر مما يصوم في شعبان. أيها المسلمون، عباد الله، نستفيد من هذا الحديث أن المؤمن يحرص على العبادة والطاعة في أوقات غفلة الناس، ولهذا نظائر كثيرة وأمثلة عديدة وردت في السنة. من ذلك: العبادة حال الفتن واختلاط الأمور، حال القتل والقتال والكذب والإشاعات والفتن بين المسلمين، فإن العبادة في مثل هذه الحال مما يستحب. ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والعبادة في الهرج كهجرة إليّ». العبادة في الهرج، أي في القتل والقتال، أو في اختلاط الأمور بوجود الفتن بين المسلمين، فإن الغالب في الناس الاشتغال بهذه الفتن، بين مناصر ومعارض، بين مؤيد ومعارض، فلذلك يشتغل الناس بالقيل والقال، ويشتغل الناس بالقتل والقتال والخصومات. فحث الشرع يا عباد الله على كثرة العبادة والحال هذه، لماذا؟ لأن الدخول في هذه الفتن من أعمال أهل الجاهلية، إذ أن العبد لربما ترك أمر الله واقتحم محارم الله، وهذا هو الحال في حال الفتن، فإن المسلم لربما لا يعلم فيما قُتل، ولا فيما قَتل، ولربما المسلم أخذ المال في حال الفتن وهو لربما يعلم أنه من حرام، وما ذاك إلا لاختلاط الأمور ولوجود الفتن. فالخروج من هذه الفتن بلزوم طاعة الله كالمهاجر من بلاد أهل الجاهلية إلى نور السنة وإلى نور الإسلام، فلذلك جعل أجره كأجر المهاجر مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهنيئًا، هنيئًا لمن اعتزل تلك الفتن وأقبل على شأنه وعبد ربه سبحانه وتعالى بطلب العلم وبالصيام وبالقيام وبقراءة القرآن وبأعمال الخير والبر والإحسان، هنيئًا له عند الله ثم هنيئًا. وكذلك من أمثلة فضل العبادة والطاعة حال اشتغال الناس: ما جاء في قيام الليل، وأن هذه الصلاة أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وفي لفظ: «إن أفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل»، أي في وسط الليل. والسبب في ذلك يا عباد الله أن في وسط الليل يركن الناس إلى الراحة ويدعون إلى الغفلة، وأنت في هذا الوقت تقوم في ظلمة الليل البهيم وفي غطيط الناس في نوم عميق، وتصلي لله عز وجل حيث أن أغلب الناس في غفلة وفي نوم وفي سكون وراحة، وأنت يتجافى جنبك وتقوم وتصلي لربك. فهذه عبادة جليلة، ليس الصلاة فحسب، بل ذكر الله عز وجل فيها، فقد جاء كذلك عند الترمذي وغيره من حديث عمر بن مسورة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل، فإن استطعت أن تكون من الذاكرين لله فيه فكن»، فليكن، فليكن، لأنه وقت غفلة الناس، فيقرب الرب العظيم سبحانه وتعالى من عبده الذاكر له. انظروا يا عباد الله إلى فضل العبادة حال غفلة الناس. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا من العبادات الجليلة التي تفضل في حال غفلة الناس: صلاة الضحى، صلاة الأوابين، لأنها تكون في وقت سكون وراحة الناس وغفلتهم. ولذلك أفضل وقت هذه الصلاة حين ترمض الفصال، أي في وقت شدة حرارة الشمس، أي قبل دخول وقت صلاة الظهر، لأن هذا الوقت هو الوقت الذي كان يقيل فيه المسلمون ويرتاح فيه المسلمون من تعب وعناء عمل أول ووسط النهار، فيجدون راحتهم وسكونهم في هذا الوقت. وفي زماننا هذا أيضًا يغفل كثير من المسلمين في مثل هذا الوقت، بسبب الانشغال بالدنيا. قال النبي... قال زيد بن أرقم كما في صحيح مسلم: إنه دخل إلى مسجد قباء فرأى أناسًا يصلون الضحى، وجاء في خارج صحيح مسلم أنهم يصلون صلاة الضحى في أول النهار وبعد شروق أو طلوع الشمس، فقال زيد بن أرقم: أما إنهم يعلمون أي ساعة فيها الصلاة أفضل، أي صلاة الضحى. ثم قال زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن صلاة الأوابين حين ترمض الفصال». ومعنى ترمض الفصال: الفصال هو صغار الإبل، إذا اشتدت عليها الحرارة تنفصل عن أمهاتها ولا تتحمل شدة الحرارة، فتبحث لها عن ظل. فهذا هو الوقت الأفضل في صلاة الضحى، قال أهل العلم: لأن هذا الوقت هو وقت غفلة الناس بالراحة والسكون والدعة، فجعلت هذه الصلاة أو فضل هذه الصلاة في هذا الوقت، ألا وهو آخر النهار. أيها المسلمون، عباد الله، فيا سعادة من حافظ على هذه الصلاة، ومن تذكر وذكر ربه في هذا الوقت، وأناب إلى الله فقام يصلي هذه الصلاة المباركة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الأوابين، أي الرجاعين إلى الله سبحانه وتعالى، حين غفل الناس عن ذكر الله وعن عبادة الله عز وجل في هذا الوقت. وكذلك من الأمثلة يا عباد الله على أن وقت غفلة الناس يستحب فيه الذكر والعبادة: ما جاء في ذكر الله عز وجل بعد انقضاء صلاة الجمعة، لأن الله عز وجل حرم على كل من وجبت عليه الجمعة أن يبيع أو أن يشتري، ثم قال ربنا سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، أي بيعوا واشتروا وتاجروا واعملوا في دنياكم وابتغوا من فضل الله، ثم قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال العلماء: ذكر الذكر والإكثار منه في هذا الموضع لأن العبد عند بيعه وشرائه أو عند وجوده في سوقه يغفل عن ذكر الله ويشتغل بالتجارة والدنيا والبيع والشراء، فذكر الله عز وجل عباده أن لا ينسوا ذكره في هذا الموضع، بل أن يكثروا من ذكره سبحانه وتعالى، لأن هذا الموضع موضع غفلة. ولذلك جاء عن بعض السلف أنه قال: «إن الله ليضحك للعبد وهو في سوقه يذكر الله سبحانه وتعالى»، لأن هذا أمر يغفل عنه كثير من الناس، والواقع يشهد بذلك. أخرج إلى السوق، هل تجد الناس يذكرون الله؟ هل تجد من الناس من يلهج لسانه بالتسبيح والتهليل والتكبير وذكر الله عز وجل؟ لا تجد ذلك. فلذلك أمر الله عز وجل بالإكثار من ذكره في هذا الموضع، ليدل ذلك على عظيم هذه العبادة لغفلة الناس عنها. والنماذج في ذلك كثيرة. فشاهدنا يا عباد الله أن لا نغفل عن طاعة الله حين يغفل الناس، وأن يكون لنا في هذا الشهر المبارك حظ من الصيام اقتداء بنبينا عليه الصلاة والسلام. وكذلك معاشر طلاب العلم، ومعاشر الأئمة والقراء، اعلموا أن سلفنا الصالح كانوا يسمون هذا الشهر بشهر القراء، لما يكون فيه منهم من الإقبال على كتاب الله مراجعة وإتقانًا وتلاوة وتدبرًا. جاء عن ثابت بن أبي حبيب أنه كان يقول: «إن هذا الشهر شهر القراء، شهر القراء»، أي كانوا يقبلون على المصاحف. وهكذا جاء عن عمر بن قيس الملائي: «إذا دخل رمضان أغلق حانوته»، أي دكانه، «وأقبل على كتاب الله سبحانه وتعالى». فأقبلوا يا طلبة العلم على كتاب الله عز وجل، وإنه لمن الأعمال العظيمة في مثل هذا الشهر المبارك أن تفتح الدورات للأئمة والحفاظ كي يتقنوا كتاب الله، وكي يعتنوا بإتقانه وبالتهيؤ لإمامة الناس في شهر رمضان. فأقبلوا على كتاب الله عز وجل، واشتغلوا بطاعة الله سبحانه وتعالى، واحذروا من مماراة السفهاء والجهلة في مجتمعنا في انشغالهم بالدنيا، أو انشغالهم بالقيل والقال، أو انشغالهم بالسياسات والمناكفات، أو انشغالهم بأمور تافهة من اللهو واللعب. فإن من حكم العبادة وكثرة الصيام في هذا الشهر، شهر شعبان، التهيؤ لشهر رمضان. فكما ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى: أن شهر شعبان كالتمرين، كالتمرين الذي يتقدم شهر رمضان، فتتهيأ النفوس وتتروض النفوس للدخول في ذلكم الشهر المبارك الذي يكثر فيه المسلم من طاعة الله عز وجل فيصومه كله، وهكذا يقرأ فيه القرآن ويكثر من ذلك. فهذا الشهر كالتهيئة والتوطئة للدخول في ذلكم الشهر المبارك. فمن لم يوطن نفسه في هذا الشهر فلا شك أنه سيقصر في شهر رمضان، لأنه لم يهيئ نفسه ولم ينقِ نفسه ويزكيها. فإن العلماء يقولون: إن التخلية قبل التحلية. خلِّ نفسك يا عبد الله من المعاصي، خلِّ نفسك يا عبد الله من المشاكل والخصومات والشحناء والبغضاء. ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله يطلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل عبد إلا لمشرك ومشاح»، إلا لكل مشرك ومشاح. لأن هذا المشاح يشغل نفسه بالخصومات، يريد أن يقرأ القرآن فتعرض له هذه الخصومات، فيا ترى ماذا تفور نفسه من شدة غضبه على خصمه! وهكذا يريد أن يصلي فيأتيه الشيطان ويذكره بتلك الخصومات وبتلك الشحناء والبغضاء، فيعكر عليه خشوعه ويعكر عليه طمأنينته في الصلاة. فالحذر الحذر يا عباد الله من مثل هذه المداخل الشيطانية. فلنهي أنفسنا ولنقبل على شأننا في هذا الشهر المبارك، لا سيما حين غفلة الناس، وأنت أخي المسلم مقبل على ربك سبحانه وتعالى، تارة بالصيام، وتارة بقراءة القرآن، وتارة بطلب العلم ومجالس الذكر، وتارة بالدعوة إلى الله عز وجل. إنها والله نعمة عظيمة يوم أن تعمر الأوقات بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. اللهم إننا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم يا حي يا قيوم، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.