المحاضرة بعنوان الحفاظ على المال، والتي كانت بمسجد المنصور بالشحر يوم الجمعة 28 صفر 1447هـ الموافق 22 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المال ملك لله والإنسان مستخلف فيه، فيجب حفظه بالكسب الحلال والإنفاق المشروع مع الحذر من فتنة المال. وردت أحاديث تبين بركة المال المأخوذ بحقه ومسؤولية العبد عن مصدر ماله ومصرفه يوم القيامة.
يشترط في بيع الجنس بجنسه التماثل والتقابض في المجلس، مع تحريم الربا وإباحة البيع بالتراضي. يحث الشرع على الكسب الحلال بالتجارة والعمل والهدايا، وينهى عن المكاسب الحرام كالأكل بالباطل والربا والسرقة.
تتنوع المكاسب المحرمة بين سرقة ونهبة وغصب واختلاس وغلول، ولكل تعريف ودليل تحريم من القرآن والسنة. تحذر النصوص من عقوباتها الدنيوية والأخروية وتؤكد وجوب إنفاق المال في الحلال وتجنب توظيفه في المعاصي.
المال أمانة يجب التصرف فيه وفق مراد الشرع لا وفق الهوى، وإضاعته في غير نفع أو محرم حرام. نهى الإسلام عن التبذير والإسراف حتى في المباحات، مستدلاً بالآية والحديث النبوي في الاعتدال في الأكل والشرب.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على أن منّ علينا بمثل هذه المجالس نلتقي فيها، نتناصح، وأيضًا نأخذ مسائل من ديننا ونتعلم شيئًا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجزى الله خيرًا من أعان على مثل هذه المجالس وأقامها أو ساعد في قيامها. فجزى الله خيرًا أصحاب هذا المسجد المبارك وإمامه الأخ محمد، حفظه الله. وكما سمعتم أن المحاضرة كانت في حفظ الدين والمال، وقد تكلم أخونا الشيخ أبو معاذ، حفظه الله، في حفظ الدين، وأنه من الضرورات، كما ذكر رحمه الله، من الضروريات الخمس التي ذكرها العلماء التي تقوم عليها مقاصد الأديان. ومن هذا، أو من هذه المقاصد العظيمة، حفظ المال. حفظوا هذا المال. فالمال، أيها الإخوة الكرام، كلنا نعرف أن هذا المال هو مال الله، ﴿ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾، فهو مال الله جل وعلا، وإنما جعلنا الله عز وجل مستخلفين فيه. فالمال ماله سبحانه وتعالى، وجعل العبد مستخلفًا فيه، أي كأنه وكيل في هذا المال، كما قال جل وعلا: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾. لهذا، الله عز وجل جعل هذا المال أمانة عند عباده، فمن أعطاه الله عز وجل هذا المال فهو أمانة عنده. لهذا لا بد عليه أن يحفظ هذا المال، وأن لا يتصرف فيه بالتصرف الذي لا يأذن به الله سبحانه وتعالى. وهذا هو حفظ هذا المال. وجعل الله عز وجل إعطاء هذا المال قد تكون فتنة عظيمة وابتلاءً للعبد، وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فتنة هذا المال، وأنه على العبد فتنة عظيمة. بل أن هذه الأمة فتنتها الخاصة هي فتنة المال، لكل أمة فتنة، وفتنة هذه الأمة المال. أيضًا كذلك تجد أن الله عز وجل حذر من هذا المال الكثير، أو الفتنة بهذا المال، وضرب الأمثال. وكلما ذكره الله عز وجل في زينة الدنيا فهو غالبًا زينة المال الذي يطغي، زينة المال الذي يطغي. فليس المال مذمومًا بذاته، وإنما من جعله أو من شغله عن طاعة الله جل وعلا. وإلا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ»، «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ». وقد كان أنبياء الله عز وجل يتاجرون، وكذلك يعملون، وكذلك الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتاجرون ويعملون ويكسبون المال. فهذا لا غضاضة فيه، وإنما عندما يكون المال فتنة، عندما يطغي العبد، يطغي العبد عن طاعة الله جل وعلا ويشغله. لهذا فلا بد على العبد أن يأخذ بحق هذا المال، المال له حق على العبد فرضه الله عز وجل عليه، فمن لم يأخذ بحقه فإن الله عز وجل لا يبارك له في هذا المال. كما جاء في الصحيحين في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال - أو قال حكيم: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيني مالًا فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوٌ خَضِرٌ، إِنَّ لَهُ حَلَاوَةً وَتَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوٌ خَضِرٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَكَانَ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، كَأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، لَا يُبَارِكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ». وأما من أخذه بحقه فيبارك الله عز وجل فيه، فيضعه في مواضعه، وأيضًا يستفيد من هذا المال في دنياه وآخرته. وأما الذي لا يبارك الله عز وجل في ماله، فإن هذا المال أولاً قد يطغيه، وأيضًا كذلك لا يستفيد منه، بل يذهب في الحرام وما لا فائدة فيه. لهذا، لأن الله عز وجل لم يبارك فيه: «فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِحَقِّهِ كَانَ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ». ثم أن من محافظة الله عز وجل على هذا المال وأمره، أو ما أمر به سبحانه وتعالى في شرعه، ما يكون من المكاسب، المكاسب التي يكتسبها العبد، أي يكتسب المال. لأن هناك أمرين اثنين: الأمر الأول هو كيف تكسب هذا المال، والأمر الثاني أنك كيف تنفق وتخرج هذا المال. ولهذا في حديث، في حديث فضالة بن عبيد، أو حديث نضلة بن عبيد - قال أبو برزة: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ»، في رواية عن خمس، حديث معاذ: «حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ». أنا ذكر سؤالين: السؤال الأول: من أين اكتسبه، والسؤال الثاني: فيما أنفقه. هذا. فقلنا، أيها الإخوة الكرام، أن الله عز وجل يسأل العبد يوم القيامة عن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه. قال: «الرابع: وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ». فهنا سؤالان يسألهما العبد يوم القيامة عن هذا المال: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه. لهذا فحفظ هذا المال يكون بهذين الأمرين: من أين اكتسب هذا المال. فجعل الله عز وجل هناك طرقًا للاكتساب شرعها الله عز وجل، أو أباحها، عن أنها مباحة أو مشروعة، وطرقًا حرمها الله عز وجل، مكاسب وطرق إلى المكاسب حرمها ربنا جل وعلا. وهذا كله من حفظ هذا المال. فالمكاسب الأصل فيها أنها مباحة، الأصل في المكاسب الإباحة إلا ما حرمه الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾، ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾. فالبيع واسع كما قال العلماء وأهل التفسير، فالبيع أوسع من الربا، الربا يعتبر جزءًا من البيع، الربا يعتبر جزءًا من البيع، وأما بقية الأجزاء فهي حلال. هذا ما تقتضيه هذه الآية: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾. فالربا هو المحرم، سواء كان ربا جليًا أو خفيًا. الجلي هو ربا النسيئة، والخفي هو ربا الفضل. الأصل في الربا هو ربا النسيئة، لهذا جاء في حديث أسامة بن زيد: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ»، فهو الأصل. ثم حرم أيضًا ربا الفضل. ربا الفضل هو ربا الزيادة، إذا كان بيع جنس بجنس من الأصناف الربوية، وزاد في أحدهما. في النقد مثلاً يبيع، يبيع ذهبًا بذهب ويزيد في الوزن، فهذا ربا. وهكذا. فإذا بيع الجنس بجنسه، فيشترط فيه شرطان: شرط التماثل، وشرط التقابض، أن يكون في المجلس، لما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها حديث عبادة بن الصامت أنه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَابِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». معناه: إذا اختلفت هذه الأنواع صار مثلاً ذهبًا بفضة، أو برًا بشعير، أو غير ذلك من هذه الأصناف، إذا اختلفت فبيعوا كيف ما شئتم إذا كان يدًا بيد. وأما إذا كان نقدًا بنسيئة، فهذا ليس فيه لا شرط التماثل ولا شرط التقابض، لأن هذا بيع النسيئة، فهذا البيع الذي يحصل، والمداينة التي تحصل، والتي أجازها الله عز وجل. فقلنا أن الله عز وجل يقول: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾، فهذا فيه أن الله عز وجل أحل المكاسب، فهي مباحة. بل وجاء الشرع بالحث على المكاسب الحلال، بالحث على المكاسب الحلال. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك من أنبياء الله من كان يتكسب بالعمل، يتكسب بالعمل. وقال أيضًا كما في البخاري: «خَيْرُ كَسْبِ الرَّجُلِ كَسْبُ يَدِهِ»، «خَيْرُ كَسْبِ الرَّجُلِ كَسْبُ يَدِهِ». وقال أيضًا: «خَيْرُ أَكْسَابِكُمْ مَا كَسَبْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ، وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ». لهذا، النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن الإنسان لما يكتسب، فإنه من خير الأعمال أن العبد يكتسب. وقد جاء عند البزار والطبراني وابن حبان، وصححه الألباني، أن الكسب على الأهل يعتبر من الجهاد في سبيل الله. فهذا الكسب الحلال حث عليه الشرع، كما قلنا. وذكر نبي الله أن داود كان يكسب بيده، نبي الله داود كان يكسب بيده، ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾، ﴿ أَعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾. وأيضًا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن زكريا كان نجارًا. وفي حديث أبي هريرة في البخاري أنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ». قالوا: يا رسول الله وأنت؟ قال: «وَأَنَا، قَدْ رَعَيْتُهَا لِقُرَيْشٍ عَلَى قَرَارِيطَ». كان النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا قد رعى الغنم لبعض أهل قريش. فهذا يدل على الحث على هذه المكاسب، والمكاسب التي يأتي بها الحلال. كذلك التجارة، كان أيضًا أهل الإسلام يتاجرون. بل ربنا جل وعلا ذكر تجارتهم، وذكر أنهم كانوا يتاجرون، لكن لا تشغلهم هذه التجارة عن ذكر الله، ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾. وهم يتاجرون، يبيعون ويشترون. أيضًا الله عز وجل لما ذكر البيع وأنه حلال، قال: ﴿ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم ﴾، ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم ﴾. فإذا كانت تجارة فيها تراضٍ بين العاقد والمعقود، أو البائع والمشتري، فهي حلال. فهذا من الكسب الذي أجازه الله عز وجل، بل حث عليه، كما قلنا، الشرع أن الإنسان يكتسب بنفسه وبيده. وأيضًا من الكسب الحلال الذي حله الله عز وجل ما يعطاه الرجل، إما أنه يرثه من أبيه أو من أحد أقاربه، أو أنه يهدى إليه ويوهب له، أو أنه يتبرع له بالصدقة، أو يعطى بشيء من هذه الطرق الصحيحة، يعطى هذه الطرق الصحيحة. لأن الله عز وجل قد حرم مال الآخرين، وقال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾. قال ابن عباس: لا يأكل بعضكم مال بعض، ولا يأخذ بعضكم مال بعض. لا يجوز أن يأخذ هذا مال هذا، ولا هذا مال هذا. لا يجوز أن يأخذ هذا، الأصل أن الإنسان لا يأخذ مال غيره. لكن إذا كانت بطريقة شرعية، فإنه يجوز، مثل هذه المكاسب التي ذكرت: هبة، هدية، صدقة، عطية، أيضًا ميراث، وغير ذلك من المكاسب، الطرق التي قد أباح الشرع وأجازها. وهناك أشياء قد يكون مختلف فيها، ليس هذا بابها. أيضًا كذلك كلما كان طريقة من الطرق التي تستخدم في الحلال، ولم يحرم الشرع، فهي داخلة في هذا المعنى. مثل الإجارة، مثل الشراكة، في معناها يفعل الإنسان شراكة في شيء من التجارات، يتحصل على ربح، يتحصل على غير ذلك. فكل هذا من المباح الذي أباحه الله جل وعلا. وأما الأمر الثاني، وهو الكسب الحرام، فقد بيّنه الله عز وجل في عدة أشياء، أو حرم الله عز وجل عدة مكاسب، عدة مكاسب حرمها الله عز وجل. والأصل كما ذكرنا هو قوله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾، ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ﴾، أي لا يأكل أحدكم مال أخيه، لا يأكل أحدكم، والمراد بالأكل هنا أي الأخذ، الأخذ من ماله بغير إذنه وبغير حق. فهذا لا يجوز، ويدخل في ذلك أشياء كثيرة، يدخل في ذلك أشياء كثيرة. لأن العبد كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، «إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». حلف على أن هذا المال مال فلان، وهو يعرف أنه ليس ماله، شهد في المحكمة أن هذا المال مال فلان شهادة زور، وحلف على ذلك، فهذا يمين غموس. من حلف بيمين يقطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان. فهذا أمر من الأمور التي حرمها الله عز وجل. وأما المكاسب التي حرمها الله عز وجل فهي كثيرة، منها كما ذكرنا الربا: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾. وقد ذكر ربنا جل وعلا آيات في آخر سورة البقرة في تحريم الربا، منها قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ﴾. وأيضًا ذكر ربنا جل وعلا أن الإنسان لا يجوز له أن يأخذ مال غيره، وفضل مال غيره، وإنما يأخذ رأس ماله: ﴿ فَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾. لهذا، الله عز وجل حرم الربا، سواء كان ربا ربا الفضل أو ربا النسيئة، كما قد ذكرنا. ومن هذه أيضًا المكاسب التي حفظ الله عز وجل بها المال، وهي حرام، لا يجوز للمسلم أن يتعدى على مال أخيه المسلم بشيء من الطرق المحرمة: كالسرقة، والغصب، والنهبة، والاختلاس، وكذلك غيرها من هذه الطرق التي حرمها الشرع. لا يجوز للإنسان أن يأخذ من مال أخيه بغير حق من مثل هذه الطرق، سواء كانت سرقة، لأن الله عز وجل حرمها، وهي من المكاسب الدنيئة. وأيضًا من المكاسب المحرمة تحريمًا عظيمًا، حتى قال الله عز وجل: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ﴾. فجعل الله عز وجل فيها الحد. إذا سرق، والسارقة تختلف عن أخواتها أنها تأخذ من حرز وبخفية، تأخذ من حرز وتأخذ خفية. أما إذا لم تأخذ من حرز فهي نهبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: «وَمَنْ نَهَبَ نَهْبَةً يَرَاهَا النَّاسُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ»، يعني لا يكون في ذلك الوقت مؤمنًا. أو كما جاء في حديث أبي هريرة أن الإيمان يرتفع عنه. وذكر أيضًا بعض العلم أن هذا الإيمان المراد به الإيمان الكامل، وهذا قول أكثر أهل السنة، على أنه إيمان الكامل، أو أنه يرفع في ذلك الوقت، كما جاء في الحديث الذي يخرجه أحمد وأبو داود: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا زَنَى الْعَبْدُ رُفِعَ إِيمَانُهُ، رُفِعَ إِيمَانُهُ مِنْهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَى رَجَعَ إِلَيْهِ». معناه: في وقت هذه المعصية يرفع هذا الإيمان. لهذا، النهبة من الكبائر، لكنها ليس فيها حد، لأنه لا يأخذه من حرز، وإذا لم يأخذه خفية، فهذا إما أن يكون غصبًا. والغصب هو الظلم الذي يأخذه بقوة، يسطو عليه، سواء كان أرضًا أو بيتًا أو مالًا أو غير ذلك، يأخذه بالقوة. وهذا لا يجوز. جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إذا جاء رجل أراد أن يأخذ مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ». قال: لا تعطِ. قال: فإن أراده بالقوة؟ قال: «قَاتِلْهُ». قال: فأرأيتم يا رسول الله إن قتلني؟ قال: «أَنْتَ فِي الْجَنَّةِ». قال: ورأيت يا رسول الله إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ». انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يحفظ مال العبد. إذا أراد الإنسان أن يعتدي على مال أخيه، قال: لا تعطِ. يريد أن يأخذه بالقوة، قال: لا تعطِ. وجاء في حديث آخر في السنن أنه قال: قال رجل من الأنصار: يا رسول الله، إذا أراد أحد أن يأخذ مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ». قال: فإن أراده بقوة؟ قال: «اسْتَعِنْ بِمَنْ حَوْلَكَ». قال: إذا لم يكن هناك أحد حولي؟ قال: «اسْتَعِنْ بِالسُّلْطَانِ»، «اسْتَعِنْ بِالسُّلْطَانِ»، أي بالحاكم. قال: فإن لم أستطع، أنا ما تمكنت أني أذهب إلى المحاكم أو إلى القاضي أو إلى كذا؟ قال: «قَاتِلْهُ». قال: فإن قتلني؟ قال: «أَنْتَ فِي الْجَنَّةِ». قال: فإن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ». أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فانظر إلى هذه الأحاديث التي فيها حفظ المال، وأنه لا يجوز أن يتعدى الشخص على مال أخيه. لهذا، فالغصب أيضًا من الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة. أن يأخذ مال أخيه بالقوة، هذا يسمى غصبًا. وإن كان لم يأخذه بقوة، لكن أخذه اختلاسًا خفية، لكنه ليس من حرز. قلنا: إما أن تسمى نهبة، أو يسميه بعض الفقهاء أيضًا اختلاسًا. والذي عليه أكثر العلماء أن الاختلاس هو الأخذ من المال الذي يؤتمن به صاحبه، أن يكون عنده أمانة ووديعة، فيأخذ منه بغير إذن صاحبه وبغير علمه، فهذا اختلاس. لأنه يأخذه بخفية، لكن ليس من حرز. لهذا، فليس هو سرقة. فإذا أخذه من حرز، فهو سرقة. لكن هنا المال عنده، وهو مؤتمن على هذا المال. على كثير من الناس، مثلاً تجد أحد أصحابه، أو أحد مثلاً من أراد أن يعمل، يؤمنه مثلاً في مكان يعمل فيه، يبيع ويشتري، فيأتي هذا ويأخذ من هذه الأموال بغير حق. يعطيه أجرته، لكن بعضهم يقول: الأجر قليل، يعطيني أجرًا قليلاً. طيب، لماذا أنت ترضى بهذا العمل؟ لا ترضَ، إذا لم تكفيك هذه الأجرة، لا تأخذ مالًا بغير إذن صاحبه. فأخذك لهذا المال لا يجوز، إلا إذا كان مثلاً وعدك بأجرة وهو لم يعطيك شيئًا، فهذا باب آخر، هذا باب آخر، ليس من الأمر المحرم جزمًا. وأما إذا كان اتفق معك على أجرة ويعطيك هذه الأجرة، فهذا يعتبر محرمًا، لا يجوز لك أن تأخذ من هذا المال. وكذلك من هذه الأمور أيضًا الغلول. والغلول هو الأخذ من الغنيمة أصلًا، وعممه كثير من أهل العلم أنه أخذ من الأموال العامة. كل من كان عنده مال عام، سواء كان هذا المال وقفًا أو غير وقف، هو مال لكثير من المسلمين، لجماعة من المسلمين، أو هذا المال غنيمة اغتنمها أهل الإسلام، فيأتي ويأخذ بغير إذن وبغير حق. فمثل هذا، يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ عَلَى ظَهْرِهِ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بِشَاةٍ تَيْعَرُ»، إلى آخر ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. أي أنه يأتي بهذا المال الذي أخذه على ظهره يوم القيامة، يتحمل هذا المال. ومن أخذ أيضًا أراضي الناس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». أنه يطوق سبع أرضين، أنا مثلها، ولو شبر، لو شبرًا أخذه، فهذا يدل على أن هذا الأمر خطير. وهذا كما قلنا من حفظ الله عز وجل للمال. فحفظ الله عز وجل هذه الأموال بمثل هذا. فالمكاسب لا بد أن تكون مكاسب حلال، لا يجوز للإنسان أن يأخذ مال غيره. كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. لا يجوز له أن يأخذ ماله بغير حق، وهو كما قلنا من الظلم الذي حرمه الله عز وجل. والأمر الثاني، الأمر الثاني الذي جعله الله عز وجل في المال هو الإنفاق، الإنفاق من هذا المال. ﴿ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ﴾، أنا فيما أنفقت هذا المال؟ هل أنفقته في الحلال أم أضعته في الحرام؟ هل أنفقته في طاعة الله جل وعلا، أم أنك وضعته فيما يغضب الله سبحانه وتعالى؟ فكما قلنا، أن الله عز وجل خولك بهذا المال، وجعله أمانة عندك، فلا يجوز لك أن تخالف أمره، لا يجوز لك أن تخالف أمر الله جل وعلا. لا تجعل هذا المال وسيلة للتعاون على معصية الله جل وعلا. تفتح سينما، تفتح كذا، أشياء تدعمها هي من الحرام بهذا المال، تساعد في ترويج بعض المخدرات، أو القات، أو السجائر، أو غير ذلك. فهذا أيضًا من الوضع في المال في غير حله، وفي الأمور المحرمة التي حرمها الله عز وجل. فلا يجوز لك أن تجعل هذا المال فيما حرم الله سبحانه وتعالى. بل أن النبي عليه الصلاة والسلام حذر حتى فيما يكون فيما لا نفع فيه، تجعل هذا المال تضيعه في شيء لا ينفعه، ولا ينفع أولادك، ولا ينفع أهل الإسلام، بل قد أحيانًا يضر. ولهذا جاء في حديث المغيرة: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ». قال العلماء: إضاعة المال، سواء كان في شيء محرم، أو في شيء لا ينفع، وهو الغالب، أن الإنسان يضيع ماله في شيء لا ينفعه. وهذا أيضًا يدخل في الحرام. لهذا، فأنت مسؤول عن هذا المال، أعطاك الله عز وجل حتى تتصرف فيه بما أراد سبحانه وتعالى، لا بما أردت أنت. فلا يقول الإنسان: هذا مالي. لا، هو مال الله، أعطاك الله عز وجل هذا المال حتى تتصرف على ما أراد سبحانه وتعالى، لا على ما أردت أنت. لهذا، فهذا أيضًا من الأمور التي تحفظ، أو الأمور التي شرعها الله عز وجل لحفظ هذا المال. أيضًا كذلك من الأشياء التي لا تجوز في الإنفاق: التبذير والإسراف. التبذير بالمال، والإسراف قد يكون فيه أشياء مباحة، قد يكون أيضًا فيه أشياء قد تنفع الإنسان من الطعام والشراب، لكنه يسرف فيها، لكنه يسرف فيها ويأخذ، ويأخذها بغير حق. معناه أنه يقصد يأخذ أشياء كثيرة، فتكدس بعد ذلك في القمائم، وتكدس ولا يستفاد منها هو ولا غيره، مع أنها مباحة، بل قد تكون من الأمور المهمة، لكن الإسراف فيها لا يجوز. ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، «كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». فهذه من الأشياء أيضًا المحرمة التي في إنفاق المال. فلعلنا نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا. والحمد لله رب العالمين.