المحاضرة بعنوان الهجرة النبوية قواعد وفوائد، والتي كانت بمسجد الخير بمنطقة الخزان بالشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 2 محرم 1447هـ الموافق 27 يونيو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المحاضر أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في ربيع الأول لا في محرم مستنداً إلى روايات البخاري ومسلم. كما يبين أن التقويم الهجري أُقر في عهد عمر بن الخطاب وبدأ من محرم اتباعاً للأشهر العربية المعروفة.
يستعرض المقطع مفهوم الهجرة كركيزة من أصول الدين مستشهداً بهجرات الأنبياء إبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. ويبين أن الهجرة تكون من بلاد الكفر أو البدعة إلى بلاد الإسلام مع تأكيد الولاء والبراء كشرط قلبي.
استعرض المقطع آيات قرآنية تبين عظيم أجر المهاجرين مؤكداً أن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة وباقية إلى يوم القيامة. وحذر من التعصب للأوطان الذي يقدم الانتماء الوطني على الديني موضحاً أن الهجرة تكون لدين الله لا للوطن.
تآمرت قريش على قتل النبي ﷺ فخرج مهاجراً إلى المدينة ليلاً مع أبي بكر رضي الله عنه بعد أن بات علي في فراشه. وترك الصحابة ديارهم وأموالهم لله فعوضهم الله بالإيمان الراسخ وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
يستعرض المقطع قاعدتين عظيمتين من هجرة النبي: الأولى أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه كما تجلى في رفعة أبي بكر. والثانية وجوب تقديم العقيدة على كل شيء والهجرة بدين المرء عند الخوف من الفتنة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، كما قد سمعتم أن عنوان المحاضرة وهذه الكلمات: «الهجرة النبوية: قواعد وفوائد». وما أريد أيها الإخوة أن أتكلم أو أن أسرد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن غالبًا يعرفها الإخوة أكثرهم لأنها مشهورة في السيرة، لكن قد نتطرق إلى شيء من هذا السرد الذي نأخذ منه فوائد وقواعد عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الهجرة. أيضًا أردت أن أنبه قبل أن أبدأ: أن هذه الهجرة النبوية ليست هي في شهر محرم، ليست في شهر محرم، دخول النبي عليه الصلاة والسلام المدينة. أنا حتى لا يتوهم أن الهجرة كانت في شهر محرم؛ لأنهم يبدأون الأشهر الهجرية، تبدأ بشهر الله المحرم، فليس كذلك. وإنما كانت الهجرة كما ذكر البخاري عن الزهري أنه قال: «كانت هجرة النبي عليه الصلاة والسلام بعد أربعة أشهر من العقبة، بعد أربعة أشهر من العقبة»، أي العقبة الثانية التي لقي فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار. لقيهم في شهر، أو في آخر ذي القعدة أو أول ذي الحجة. وجاء أيضًا في البخاري أن أنسًا قال: «إن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المدينة في الثاني عشر من ربيع الأول، يوم الاثنين». دخل المدينة يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول، وكانت هجرة عليه الصلاة والسلام، أو المسافة التي مشاها، سبعة أيام. خرج من الغار، من غار ثور، يوم الاثنين، ووصل المدينة يوم الاثنين. فلهذا فكانت هجرة النبي عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول، في ربيع الأول على الصحيح كما جاء في البخاري عن أنس. وقد قال بعض العلماء: جاء في صحيح مسلم في حديث ابن عباس أنها في ليلتين خلت من ربيع الأول، بمعنى الثاني من ربيع الأول. فعلم بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في ربيع الأول، في شهر ربيع الأول، دخل المدينة عليه الصلاة والسلام، وليس في محرم. إنما صار التاريخ في بداية محرم، هذا على ما اتفق عليه الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه. عمر لما أراد أن يؤرخ للناس في ذلك الوقت، احتاج إلى التاريخ في أمورهم، فاجتمع بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، ومن كان معهم من مسلمة الفتح وغيرهم، فاستشارهم في هذا. فأشار عليه بعضهم أن يجعلوها من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن بعضهم قال: نجعلها من بعثة رسول الله، أول ما بُعث، نجعل التاريخ من بعثة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وهكذا. حتى اتفق مع عمر رضي الله عنه أن الأفضل أن يؤرخ تاريخ بهجرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن فيها إظهار دين الله جل وعلا. فوافق على ذلك عمر، ووافق الصحابة الذين عنده، وجعلوا التاريخ يكون من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لم يؤرخوا من تلك الهجرة، وإنما جعلوا أولًا أيضًا اتفقوا على أن أول شهر هو محرم، بعد أن يذهب الناس من الحج، فصار أول شهر هو محرم. وهذه الأشهر موجودة عند أهل الجاهلية، هذه الأشهر موجودة قبل الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. وقال أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث أبي بكرة: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا ذكر أن هذا موجود منذ أن خلق الله عز وجل السماوات والأرض، فهذه الأشهر موجودة، لكن ما كانوا يقولون أن شهر محرم هو الأول. لكن لما اتفق الصحابة رضي الله عنهم على التاريخ، فجعلوا أول تاريخ هو واحد محرم، يبدأ التاريخ الهجري من واحد محرم، وينتهي إلى آخر الحجة، يعني أن تنتهي السنة. فاتفق الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر على هذا، ومشى المسلمون على هذا التاريخ الهجري مؤرخًا بهجرة النبي عليه الصلاة والسلام. أيضًا تنبيه آخر: أن مثلًا جعل الكلام في الهجرة في هذا الزمان، ليس أنه مثلًا سنة أنه يجعل في هذا الزمان، وإنما الهجرة حادثة عظيمة في تاريخ الإسلام، وأيضًا لها فوائد عظيمة وكثيرة، فيكون من باب التذكير بها، وأكثر ما يذكر بها عند انتهاء السنة وتبدأ السنة الهجرية، فيذكر بها، فهذا من باب التذكير فقط بفوائد هذه الهجرة التي هاجر فيها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. أيضًا هذه الهجرة فيها كما قلنا فوائد عظيمة ومسائل وقواعد ينبغي لكل مسلم أن يعرف هذه القواعد، وخاصة أن هذه الهجرة فيها انتقال، انتقال من موطن إلى موطن آخر. انتقل النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة، من مكة إلى المدينة. وأيضًا كذلك هذه الهجرة لا شك أن فيها تبعات وأشياء لاحقة بهذه الهجرة. وأيضًا معلوم أن هذه الهجرة لم يبتدئها النبي عليه الصلاة والسلام، بل قد هاجر جماعة من الأنبياء، وهذا مما يدل على أهمية الهجرة، على أهمية الهجرة، وأن لها أهمية في دين الإسلام. فلهذا أول من هاجر وذكر الله عز وجل هجرته هو نبي الله إبراهيم، نبي الله إبراهيم هاجر من بابل العراق إلى فلسطين، هاجر من العراق من مكان قومه في بابل لما أعرضوا ولما لم يستجيبوا لدعوته، فقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾، فهاجر إلى فلسطين، وجلس يدعو إلى دين الله عز وجل في تلك المناطق. ولما حصل ما حصل بين زوجاته، فأمره الله عز وجل أيضًا أن يجعل من أهله عند بيت الله المحرم، فخرج من فلسطين إلى مكة، ووضع زوجته هاجر وابنها إسماعيل، وضعهما عند بيت الله المحرم، ولأن الله عز وجل أراد من إبراهيم أن يبني هذا البيت العظيم. فهاجر أولًا من العراق إلى فلسطين، ثم لم يهاجر من فلسطين، وإنما أخرج زوجته هاجر وولده إسماعيل إلى تلك البلاد المقدسة التي أراد الله عز وجل من إبراهيم أن يبني بيته الحرام. أيضًا كذلك من الأنبياء الذين هاجروا نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر من مصر إلى مدين، خرج من مصر إلى مدين لأجل الدين، لأجل الدين ولأجل نشر دعوة الله جل وعلا، أو أنه لما هاجر، أو لما خرج من مصر كان لأجل أن لا يُقتل. ثم أوحى الله عز وجل إليه وهو في الطريق إلى مدين، أقصد لما خرج من مصر، أوحى الله عز وجل إليه عند الشجرة، عند جبل الطور. فهكذا كانت الهجرة التي ذكرها الله عز وجل عن إبراهيم، وذكر أيضًا عن موسى أنه خرج من مصر. أيضًا هناك ذكر في الإسرائيليات وغيرها أن هناك من أنبياء الله في بني إسرائيل خرجوا من أماكنهم ومن بلادهم لما اضطهدوا في تلك البلاد، ففرج الله عز وجل عنهم في بلاد أخرى. ونبينا عليه الصلاة والسلام أيضًا هاجر، صلوات الله وسلام عليه، وأمر أصحابه أن يهاجروا. وهذه الهجرة هي من أصول الدين، من أصول دين الله جل وعلا. ولهذا جاءت في الوصايا التي أوصى بها نبي الله عليه الصلاة والسلام أمته، بحديث الحارث الأشعري، لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا أن يوصي قومه، وأوحى إلي أن أوصيهم بخمسة أشياء». فأبطأ عليه، فقال له عيسى: «إما أن تقوم بها أنت، أو أقوم أنا». قال: «لا بل أقوم أنا». ثم ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال: «وأنا أمركم بخمس، وأنا أمركم بخمس: بالسمع والطاعة، والهجرة، والجماعة». بالسمع والطاعة والهجرة والجماعة. أنا ذكر الهجرة من الأمور المهمة التي ينبغي المسلم أنه أو أنها من أصول الإسلام. وهذه الهجرة من أول قواعدها التي يجب على المسلم أن يعرفها: أن الهجرة غالبًا تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. الهجرة غالبًا ما تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أو بلاد البدعة إلى بلاد السنة، أو من البلاد التي يكثر فيها الفساد إلى البلاد التي يقل فيها الفساد. فهذه كلها هجرة. والهجرة التي جاءت في النصوص: هجرة بالأبدان، وهجرة في ترك الفساد. فلهذا هجرة الأبدان تتعلق أيضًا وجود الفساد ووجود الشرك بالله جل وعلا. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يقيم دينه في بلاد الكفر، فهنا يجب عليه أن يهاجر إلى الله جل وعلا. ولو تأملنا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لما كانت قريش تعادي النبي عليه الصلاة والسلام وتعذب أصحابه وتؤذيهم، فلما لم يستطع عليه الصلاة والسلام أن يقيم الدين في مكة، أولًا أمر أصحابه أن يهاجروا إلى الحبشة، أمرهم أن يهاجروا إلى الحبشة، قال لهم عليه الصلاة والسلام: «إن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد». وفعلا استقروا هناك حتى بعدما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام وسمعوا بهجرة، لم يأتوا، وأتى بعضهم، أتى بعضهم، وبعضهم جلس إلى السنة السابعة من الهجرة، جلسوا هذه المدة في الحبشة. وجماعة منهم جاءوا إلى المدينة لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة، ومنهم من بقي هناك مثل جعفر بن أبي طالب وغيرهم ممن كان معه، أم سلمة وأسماء بنت عميس زوجة جعفر وغيره. ثم جاءوا بعد ذلك مع الأشعريين، الأشعريون خرجوا من اليمن وذهبوا إلى الحبشة، فلقيوا جعفرًا ومن معه، وصادفوهم أنهم يريدون أن يذهبوا إلى المدينة، فخرجوا معهم إلى المدينة في السنة السابعة بعدما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من خيبر، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أدري بماذا أسر، بفتح خيبر أم بالرجوع جعفر ومن معه من الحبشة». فرجعوا في ذلك الوقت بعدما جلسوا تلك السنوات أو تلك الأشهر والسنوات في بلاد الحبشة. وهذا إنما حصل كما قلنا لما تفاقم الأمر، ولم يستطع النبي عليه الصلاة والسلام أن يقيم الدين في مكة. والنبي عليه الصلاة والسلام معه أصحابه، ومعه جماعة من الصحابة من الشجعان، لم يأمرهم بأن يواجهوا قريش وهم في مكة. مع أنه قد جاءه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلا وسلم، وأرادوا القتال، أرادوا القتال في مكة، ومعنى يقاوم قريش، فرفض النبي عليه الصلاة والسلام، حتى رجع إلى المدينة وجلس سنة كاملة في المدينة، ثم أمر الله عز وجل بعد ذلك بالجهاد. فدل على أن الجهاد له ضوابط، وله أيضًا كذلك أحكام، ليس أن لكل أحد أن يجاهد، ولو كان فيه ضعف، وفيه معنى ما يستطيع أن يقاوم العدو. ولهذا عاتب الله عز وجل من جاء إلى مكة، أو في مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ إلى آخر الآيات. فربنا جل وعلا عاتبهم: لماذا في ذلك الوقت يأتون ويقولون نقاتل، والآن لما كتب عليهم القتال خافوا؟ قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، لم نتجهز له ولم نفعل كذا. فلهذا من أعظم القواعد التي نأخذها من أمور الهجرة هي ما يعقد في قلب المؤمن من الولاء والبراء، من الولاء والبراء. فالمؤمن الذي يهاجر إنما يهاجر من تلك البلاد براءة من الشرك وأهله، أو براءة من البدعة وأهلها، وبراءة من الفساد وأهله، فيخرج من تلك البلاد التي لا يستطيع أن يُظهر دينه، أن يُظهر التوحيد، أن يُظهر السنة. فإذا حصل مثل هذا فهو يخرج. وهذا كما هو معلوم أن ارتباط الولاء والبراء بعقيدة المسلم بينهما ارتباط عظيم. فالتوحيد مبني على الولاء والبراء، التوحيد مبني على الولاء والبراء، وهو من مقتضياته، من مقتضيات توحيد الله جل وعلا. ولهذا بعض العلماء يعرف التوحيد فيذكر في آخر تعريفه: «والبراءة من الشرك وأهله، والبراءة من الشرك وأهله». والهجرة تُعتبر من هذا الباب، لأن الرجل ما يهاجر إلا لعلة أن يتبرأ من الشرك وأهله، يتبرأ من الشرك وأهله، فيخرج من عنده، فيخرج من عنده. ولهذا جاءت الآيات بوجوب الهجرة، لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام الناس بالهجرة، فإن الله عز وجل عاتب أناسًا بقوا، بقوا في مكة، وقالوا وعذرهم أنهم مستضعفون، فقال الله عز وجل لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، فلم يعذرهم الله عز وجل لعدم هجرتهم. بل أثنى الله عز وجل على من هاجر من تلك البلاد من مكة، وبين ربنا جل وعلا أنه بهجرتهم قد تحصلوا على أجورًا عظيمة في الدنيا والآخرة. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، لا يخاف، لا يخاف، مادام أنه خرج لله عز وجل، أو أنه خرج لله، لا يخاف أبدًا، فسيجد مراغمًا كثيرًا، سيجد أبوابًا من أبواب الخير، يسعده الله عز وجل بهذه الأبواب. وأيضًا قال الله عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. أيضًا أيها الإخوة الكرام، آيات كثيرة فيها يثني الله عز وجل على من هاجر. ذكر ربنا جل وعلا الذين هاجروا من بعد ما ظلموا، ثم جاهدوا وصبروا، ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أو في الذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا، ﴿مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فلهذا الله عز وجل جعل للمهاجرين هذه الأجور العظيمة، ويفتح لهم الأبواب. لا ينبغي للمسلم أن يتقاعس إذا وجبت عليه الهجرة، يتقاعس إذا وجبت عليه الهجرة. فلهذا أوجب الله عز وجل الهجرة على المسلمين بهجرة النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يعذر بعد ذلك أحدًا ببقاء في مكة. وهذه الهجرة التي هي من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين هي باقية إلى يوم القيامة، هي باقية إلى يوم القيامة. أما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، فالمراد بعد فتح مكة، أي لا هجرة من مكة، انتهت الهجرة من مكة بعد فتحها، صارت من دولة الإسلام، صارت من دولة الإسلام. أيضًا هنا أمر أيضًا ينبغي أن ينبه عليه في مسألة خروج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة. معلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت مكة أحب البقاع إليه، كما جاء في الصحيحين: «إنك لأحب البقاع إلى الله، وأحب البقاع إلى الله وإلى رسوله». ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت. أنا كأنه كان يخاطب مكة عليه الصلاة والسلام ليبين فضلها. ومعلوم أن مكة مقدسة ولها فضل عظيم، وهي بيت الله الحرام، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج منها وهاجر منها. وهذا يعطينا أن الأرض لا تقدس أحدًا، كما قال سلمان، وإنما يقدسها أهلها. حتى ولو كانت هذه الأرض معظمة عند الله، فإذا لم يقم فيها دين الله عز وجل فالواجب الخروج منها. النبي عليه الصلاة والسلام خرج من مكة، وهناك مسألة التي ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمان: مسألة الأوطان والتعصب للأوطان، وأنه لا يخرج من الوطن أبدًا، وأنه يجاهد لأجل الوطن، لا يخرج أبدًا من الوطن. هكذا بعض الناس يصوروا المسألة، وبعضهم يقول أن هذا مسألة الوطنية، ومقصة البلاد التي عشت فيها يعتبر من الطواغيث التي أطلت كثيرًا من الناس، وكلامهم يدل على أنه لا عبرة بالمكان الذي نشأ فيه الإنسان وتوطن فيه. والأمر كأنه في وسط من هذا: الإنسان إذا عاش في مكان وتوطن فيه، فلا شك أنه يحبه، وأنه أيضًا لا يريد أن يخرج منه، ولا أيضًا يريد أن ينتقل منه إلا لمصلحة. فهذا شيء وضعه الله عز وجل مثل الجبلة في قلوب الناس. ولهذا بعضهم يستدل بهذا الحديث الذي ذكرناه عن النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: إنما حب مكة لأنه أنشأ فيها وولد فيها، وكذلك هي البلد التي ترعرع فيها، فلهذا كان يحبها، كان يحبها. وهذا الاستدلال فيه ما فيه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب مكة ليس لأجل أنه ولد فيها، وإنما لأن الله عز وجل عظمها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك لأحب البلاد إلى الله، وحب البلاد إلى رسوله»، فهي حب البلاد إلى الله عز وجل. فلذلك فهي كان النبي عليه الصلاة والسلام يحبها، ولم يذكر في الحديث أنه أحبها لأنها وطنه ولأنه ولد فيها. لكن كما قلنا أن الله عز وجل جبل الناس على محبة أوطانهم والبلاد التي هم فيها، لكن لا يجعل ذلك أمرًا يتعصب له، فإنه لا يجوز التعصب للأوطان وللبلاد ولغير ذلك، إذا كان قد وجد السبب الذي يخرج منها. فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه أن يخرجوا من مكة، وكثير منهم كانوا من أهل مكة، أن أكثر الذين هاجروا في البداية كانوا من أهل مكة، سواء كان في الهجرتين في الحبشة، أو هجرة المدينة. ثم بعد ذلك هاجر الناس معهم من كل مكان ممن أسلم، هاجروا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم. وإلا أول ما هاجرهم أهل مكة، خرجوا لأجل صيانة لدينهم، فخرجوا من مكة. وهذا يدلك كما قلنا على أن الإنسان إذا لم يستطع أن يقيم دينه، فيخرج من تلك البلاد، ولو كانت بلاده، لا يقول: هذه بلادي وهذا وطني، أنا أدافع عن وطني وأنا كذا. ولهذا كثير من الناس يخطئون، فيجعل الجهاد مع الكفار أو مع غيرهم ممن مثلًا يريد أن يأخذ هذه البقعة أو كذا، تجد أنه يقاتل ويدافع لأجل أن هذا وطنه فقط. بل أحيانًا يكون جهاد شرعي ضد الكفار، سواء كان من اليهود أو من الروافض أو من غيرهم، وتجد أن نيته أنه يدافع عن وطنه ويدافع عن قومه. صحيح أن المدافع عن الوطن، والمراد به المدافعة عن الأهل وعن مثلًا عن آبائه وعن نسائه وعن أطفاله وعن أطفاله وعن ما يكون من المسلمين، فهذا الشيء لا بد منه. لكن ليس أنه يتعصب ويجعل نيته لأجل الوطن، نيته لأجل بلاده، نيته لأجل كذا، فيحصل بعد ذلك الفتن التي تكون بين المسلمين، كل واحد يدافع عن وطنه ويدافع عن بلده، ويقتل من أراد أن يأخذ بلده، مع أنها هي بلاد المسلمين. لو جاء إنسان مثلًا من البلاد المجاورة من بلاد المسلمين وسيطر عليها، أو أراد مثلًا أن يأخذ شيئًا من الملك فيها وكذا، فمثل هذا سيكون قتال بين المسلمين. لكن تجد مثل هؤلاء الذين يتعصبون لهذه الأوطان وكذا، يجعلونه أمرًا شرعيًا، وهذا ليس صحيحًا. فالمهم أن الهجرة إنما تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، أو من بلاد البدعة إلى بلاد السنة، أو من بلاد الفساد والمعاصي إلى بلاد الإيمان، وكذلك الخير الذي يكون منتشرًا في تلك البلاد. فلهذا من لم يستطع أن يقيم دينه ويقيم سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وآله وسلم، فيجب أن يهاجر من تلك البلاد. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام هاجر من مكة وهو يحبها، لكن لما رأى ما كان من عداء المشركين عليه عليه الصلاة والسلام وعلى قومه وعلى أتباعه، خرج عليه الصلاة والسلام من مكة مهاجرًا. وتعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة بعدما هاجر كثير من الصحابة، بقي فيها يدعو إلى دين الله جل وعلا. وفي هذه الفترة خرج من مكة إلى الطائف، خرج من مكة إلى الطائف أيضًا لعله يلقى قبولا في الطائف، لكنه لم يلقَ شيئًا، حتى خرج من الطائف مغمومًا عليه الصلاة والسلام، حتى بلغ قرن الثعالب، فجاءه جبريل وجاءه ملك الجبال، كما تعلمون من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما اشتد عليه أذى قريش وتآمروا على أن يقتلوا، قد جاء في سيرة ابن إسحاق أن قريشًا بعد موت أبي طالب وبعد موت خديجة رضي الله تعالى عنها، ضاق بهم الصبر، وقالوا: أنه لا بد أن يكون هناك حد للنبي عليه الصلاة والسلام. فاجتمعوا في دار الندوة التي يعقدونها عند بيت الله الحرام، فمنهم من قال: نخرجه، ومنهم من قال: كذا، حتى قال ذلك الخبيث أبو جهل: «عندي فكرة، أو عندي أمر ألقيه عليكم». قال: «نأخذ من كل قبيلة شابًا فتيًا وشابًا قويًا، وهؤلاء كلهم يجتمعون ويقتلون محمدًا بضربة واحدة، يقتلون محمدًا صلى الله عليه عليه وسلم بضربة واحدة، ثم يتفرق دمه بين القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف أن يأخذوا ثأرهم، فيرضون بالدية، يرضون بالدية». فوافق من كان معه على هذا الرأي، وفعلا أعدوا ذلك، كما هو معروف في سيرة ابن إسحاق، ذكرها ابن إسحاق، وإن كانت مرسلة إلا أنها جاءت لها شواهد تدل على صحتها. فاجتمع هؤلاء عند بيت رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم في مكة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كما في البخاري في حديث البراء بن عازب، عن أبي بكر الصديق في قصة الهجرة، وكذلك في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في قصة الهجرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام قد جهز الراحلة التي، أو الرواحل التي سيذهبون بها ويهاجرون بها مع صاحبه الصديق رضي الله وعلى الله تعالى، ويهاجرون. وقال: جاءهم الظهيرة، كما جاء في الحديث، أو في الحديثين، جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبي بكر وقت الظهيرة، وقال: «يا أبا بكر، أخرج من كان عندك». وقال: «إنما هم ابنتاي وأهلك يا رسول الله»، أو «أهلك يا رسول الله»، أي عائشة كانت قد عقد عليها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الهجرة يا أبا بكر». فقال له: «الصحبة يا رسول الله». قال: «نعم». قال: «فجهز راحلتين». وعلفهما الصديق رضي الله عنه. جاء في بعض الروايات أنها شهرًا، بقي النبي عليه الصلاة والسلام بعد هذه الحادثة شهرًا، وقيل أقل من هذا. ثم لما تملأ عليه، أخبره الله عز وجل بذلك، فكلم عليًا أن يكون عنده في البيت، فيبقى في فراشه، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يتلو بداية يس: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وخرج النبي عليه الصلاة والسلام من بينهم ولم يروا، أي خرج ليلًا، وسافر، وخرج من مكة أيضًا ليلًا، وكان معه في ذلك الوقت عبد الله بن أريقط، وأيضًا عامر بن فهيرة وهو مولى أبي بكر، وعبد الله بن أبي بكر الصديق. كانوا هؤلاء الثلاثة. أما عبد الله بن أريقط، هذا الذي كان هو الدليل الذي استأجروه. وأما عامر بن فهيرة فهو مولى أبي بكر، جعله النبي عليه الصلاة والسلام يأتي بأغنامه حتى يمسح الآثار، أثر النبي صلى الله عليه وسلم وأثر الصديق. وأيضًا كذلك الهادي الذي هو من بني الديل، هاديًا خريتًا، استأجروه لأجل أن يأخذهم من طريق غير الطريق المسلوكة. فخرج كما تعلمون، خرج النبي عليه الصلاة والسلام ليلًا. وهذا أيضًا مسألة الهجرة فيها أيضًا من القواعد العظيمة: أن من ترك شيئًا لله عز وجل، من ترك شيئًا لله عز وجل عوضه الله خيرًا منه. هذه أيضًا قاعدة من القواعد العظيمة التي جاءت في الأحاديث، جاء عند أحمد عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من ترك شيئًا لله عوضه الله عز وجل خيرًا منه». وهذه كما قلنا قاعدة عظيمة، فيها أمثلة كثيرة من سيرة الأنبياء وسيرة نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي كثيرة، وسير الصحابة، وأيضًا من التابعين ومن غيرهم من صالح هذه الأمة. تركوا أشياء لله، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم تركوا بلادهم، وتركوا أموالهم، تركوا بيوتهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾، فالذين هاجروا وخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلهم، تركوا ديارهم وأموالهم لأجل الله عز وجل. كان بعضهم من أهل التجارة، وقد صح أيضًا في السيرة أن صهيبًا رضي الله تعالى عنه لما أراد أن يخرج ويهاجر، مسكه، أو مسك به كفار قريش، وقالوا: «قد جئتنا فقيرًا ثم اغتنيت، وصار معك مال، وأنت لما جئت». صهيب هو من بني نمر من العرب، لكن يقال أنه أخذته الروم وهو صغير، ثم أخذه، اشتراه أو أخذه بعض العرب من قريش، وكان تربى في مكة أكثر وقته، كان في مكة، فأغناه الله عز وجل، وكانت معه أمه، فصار من أهل الأموال. فلما أراد أن يهاجر، مسكه بعض أهل قريش: «كيف تهاجر وأنت قد جئتنا وأنت فقير؟» فقال: «لو أعطيتكم هذا المال أتتركوني؟» قالوا: «نعم». فترك لهم المال وخرج رضي الله عنه بنفسه إلى أن بلغ إلى المدينة رضي الله عنه. جاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ربح البيع أبا صهيب»، أي أنك أعطيتم أموالكم لله. فترك الصحابة رضي الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم مكة وما كان لهم فيها، وخرجوا، صلوات الله، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة منها، فتركوا هذا لله، فعوضهم الله عز وجل أشياء كثيرة. أولًا عوضهم الإيمان الراسخ الذي لم يكن في أمة من الأمم. الصحابة رضي الله عنهم هم خير أمة، خير أمة، وخير صحبة مع نبي من أنبياء الله، لم يكن لا في اليهود ولا في النصارى، حتى الحواريين لم يكونوا مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم في الإيمان، وأيضًا محبة الله ورسوله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم. فلذلك أثنى عليهم ربنا جل وعلا، وبيّن أنهم خير أمة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. ذكر كثير من السلف من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الصحابة، أن الله عز وجل امتدحهم بأنهم خير أمة، خير أمة أخرجت للناس، ليس هناك من هو خير منهم. وأما قول الله جل وعلا في بني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، كان ذلك في وقتهم، كان ذلك في وقتهم، ثم لما جاءت هذه الأمة صارت هي أفضل أمة على الإطلاق، أفضل أمة، أي أفضل أصحاب نبي من أنبياء الله عز وجل، هم أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وأفضل كما يصرح بذلك كثير من أهل العلم: أفضل الناس بعد الأنبياء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. ويقول أيضًا العلماء: أن الصديق أفضل الناس بعد الأنبياء، الصديق رضي الله عنه أفضل الناس بعد الأنبياء. والصديق رضي الله عنه فدى دين الله عز وجل بماله ونفسه. فلذلك من ما أراد، أو من الأمور والفوائد العظيمة التي في هذه الهجرة، أن الله عز وجل أراد رفعة لأبي بكر، أراد أن يرفع أبا بكر، فجعله صاحبًا لرسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم في الهجرة. ولهذا لما اجتمع الناس بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام في سقيفة بني ساعدة، استدل عمر بأن أبا بكر يستحق الخلافة، قال: «لأنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يؤم الناس، وهو صاحبه في الهجرة، وهو صاحبه في الهجرة». وهذا رفعة للصديق رضي الله عنه. فلذلك تمثلت هذه القاعدة العظيمة: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. تركوا أموالهم، فعوضهم الله عز وجل بأموال كسرى وقيصر، أموال كسرى وقيصر جاءت إلى أهل الإسلام، فأغناهم الله عز وجل بهذه الكنوز العظيمة، كما جاء في عهد عمر رضي الله تعالى عنه. حتى لما رأى عمر تلك الكنوز التي لم يرَ مثلها، بكى عليه رضي الله عنه، بكى لما رأى هذه الكنوز بين يديه، فقالوا: «يا أمير المؤمنين، تبكي بعد أن عز الله عز وجل الإسلام وجاء بهذا الفتح العظيم؟» فقال: «والله ما دخل هذا الشيء قومًا إلا فتنوا»، أو كما قال رضي الله عنه. فلذلك كما قلنا أن من القواعد العظيمة التي نأخذها من هجرة النبي عليه الصلاة وأصحابه: أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. وقت ذا أيضًا أيها الإخوة الكرام، من القواعد التي نأخذها من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، قاعدة أيضًا مهمة، وهي: أن المسلم يجب عليه أن يقدم عقيدته والأخذ بها، والأخذ بها قبل كل شيء. فما شيء يعارض عقيدة المؤمن إلا ويقدم العقيدة عليه، يقدم دينه على كل شيء. فأولئك تركوا أوطانهم كما قلنا، تركوا بلادهم وأموالهم لأجل عقيدتهم، لأجل عقيدتهم. فلذلك إذا رأى الإنسان أن عقيدته ستذهب لعدم إظهارها، وأيضًا كذلك تسلط الأعداء عليه والكفار، فيجب عليه أن يخرج من ذلك المكان، حتى لا تذهب عقيدته ويذهب دينه، لأن هؤلاء الكفار قد يأخذوه ويفتنوه. ولهذا قال أبو جندل بن سهيل بن عمرو، لما جاء في الحديبية، قد كان مقيدًا، قيدوه حتى لا يخرج من مكة، فخرج بعد أن قطع هذا الرباط، فخرج وهو لا زال مقيدًا بسلاسل، أنا السلاسل لا زالت فيه، لكن قطعت من المكان الذي ربط به، حتى جاء إلى الحديبية وسق. فقال سهيل بن عمرو، وقد كان، وقد كان يجري مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلح، فقال سهيل بن عمرو: «هذا أول ما أقاضيك عليه». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد». فقال سهيل بن عمرو: «والله لا أقاضيك إذا كان ما آخذ هذا»، لأنه قد كُتب: من جاء من مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يقبله ويرجعه إلى مكة، هذا كان من البنود التي كانت في الصلح، والنبي عليه الصلاة والسلام قبل بهذا البند. لكن قال له: «لم نقم إلى الكتاب بعد». فقال: «والله لا أصالحك على شيء». فرضي النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رأى أبو جندل رضي النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، قال: «يا معشر المسلمين، أرجع إلى الكفار فيفتنوني عن ديني». قال: «يا معشر المسلمين، أرجع إلى الكفار فيفتنوني عن ديني». فإن الإنسان قد يفتن بسبب العذاب، وقد يفتن بسبب الشهوات والملذات والفتن التي تحصل له في تلك المجتمعات، فقد يفتن، فقد يفتن في هذا، وقد يفتن في هذا، فتن كثيرة. لكن هنا أبو جندل بيّن أنه قد يفتن من كثرة العذاب، فقال: «أرجع إلى الكفار وأفتن في ديني». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «سيجعل الله لك مخرجًا وفرجًا، يا أبا جندل، سيجعل الله لك مخرجًا وفرجًا، يا أبا جندل». وفعلا وجد ملجأ، وخرج من مكة إلى ساحل البحر مع أبي بصير، حتى اجتمعوا جماعة، فكانوا يقطعون عير قريش، قوافل قريش يقطعونها، ويأخذون ما بها من الأموال، لأنها أموال كفار، حتى أن أبا سفيان ذهب إلى المدينة لأجل هذا الأمر، يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يمنعهم، فلم يستجب له النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعبأ بكلامه، لأنه ليس داخلين في الصلح. فالمهم شاهدنا قول أبي جندل: «أرجع إلى الكفار يفتنونني في ديني». فلذلك من هذه القواعد العظيمة أن الإنسان لا يساوم في دينه أبدًا، لا يقدم شيء على دينه، لا يقدم مصالح الدنيا على دينه. بل حتى لو كان أهله، لو كان أيضًا والديه مثلًا يمنعانه عن الخروج، يريدهم أن يخرجون معه ولا يريدون، ولا يخرجون ولا يطيعونه، بل يمنعونه، فإنه لا يبالي به، لا يطيعهم في هذا، بل الواجب عليه الخروج إذا لم يستطع أن يظهر دينه، بل خاف أن يفتن في دينه، خاف أن يفتن في دينه. والخوف في الافتتان كما قلنا قد يكون حتى بالردة، وهذا أعظم، قد يكون مثلًا بالانتكاسة بالمعاصي وغيره. فلذلك خير مال المرء المسلم عند الفتن: غانم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر. خير مال المسلم في، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن». فالمؤمن الذي يحبه الله عز وجل، والذي لا يقدم على عقيدته وعلى دينه شيئًا أبدًا، وهذا الذي يحب الله ورسوله. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم