شرح القواعد الأربع 2

الدرس في شرح القواعد الأربع 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة القواعد الأربع ودعاء الثلاث خصال

يستهل الشيخ بشرح مقدمة القواعد الأربع للإمام محمد بن عبد الوهاب مبيناً أهميتها في ضبط التوحيد وتجنب الشرك. يفسر دعاء الشيخ بالثلاث خصال (الشكر، الصبر، الاستغفار) بأنها عنوان السعادة، ويوضح معنى الحنيفية والفرق بين الرشد والغي.

ملة إبراهيم والحنيفية وشرطا قبول العبادة

يبيّن أن اتباع ملة إبراهيم يعني الحنيفية وهي إخلاص الدين لله وحده، وهي دين جميع الأنبياء. يؤكد أن الغاية من الخلق هي العبادة ولا تصح إلا بشرطين: الإخلاص لله والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

أثر الشرك الأكبر والأصغر في إحباط الأعمال

يوضح أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال ويخلد صاحبه في النار، بينما الشرك الأصغر يفسد العمل الذي وقع فيه فقط. يشبّه التوحيد بشرط الطهارة للصلاة، مؤكداً أن معرفته أهم ما يتعلمه المسلم للنجاة.

مصير أهل الكبائر واستقراء القواعد الأربع

يذكر أن مرتكب الكبائر دون الشرك أمره إلى الله إن شاء عذبه ثم أدخله الجنة. يختم بأن القواعد الأربع مستمدة بالاستقراء من القرآن الكريم، وسيبدأ الدرس القادم بشرح القاعدة الأولى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد. أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرّة معنا في الدرس الماضي مقدمة حول ما يتعلق بهذه الرسالة النافعة، وهذه الرسالة الموجزة المختصرة لشيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى، وهي رسالة القواعد الأربع. القواعد الأربع وهي رسالة على صغرها، أو صغر حجمها وقلة عباراتها، إلا أنها قد اجتملت على فوائد عظيمة، وعلى قواعد كبيرة لا يستغني عنها المسلم. وأهمية القواعد الأربع يا إخوان تأتي بمعرفة ما يضاد هذه القواعد الأربع، بمعرفة ما يضاد هذه القواعد. الحمد لله هذه القواعد الأربع، فالإخلال بهذه القواعد الأربع أو عدم ضبطها فقد يوقع الإنسان في ذنب عظيم وأمر خطير، ألا وهو ماذا؟ الشرك بالله عز وجل. وماذا في معرفة حال المشركين ومعرفة حال الموحدين أيضًا؟ فماذا يستطيع الإنسان أن يضبط هذه القواعد الأربع؟ ولا شك ولا ريب يا إخوان أن الله عز وجل جعل الابتلاء حاصلًا بحال الموحدين، وهكذا أيضًا الابتلاء حاصل بحال المشركين. والله تبارك وتعالى بيّن في القرآن ما يجب من حقه سبحانه في توحيده، وبيّن أيضًا الشرك بيانًا شافيًا وبيانًا عظيمًا. إذن يا إخوان أهمية هذه القواعد الأربع تظهر لنا جليًا بالنظر إلى ما يضادها، وكما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل عند الكلام حول هذه القواعد الأربع، وكيف خالفها المشركون، كيف خالفها المشركون. وذكر رحمه الله تعالى فيما مضى مقدمة بين يدي هذه القواعد الأربع، هذه القواعد الأربع، فذكر بعد بسم الله الرحمن الرحيم: «أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر». قال: «فإن هؤلاء الثلاث، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة، عنوان السعادة». وسبق معنا يا إخوان أن انشراح الصدر واطمئنان القلب والأنس بالله عز وجل مرتبط بمعرفة هذه القواعد، بماذا؟ مرتبط بهذه الثلاث الأمور، لما فيها من معاني التوحيد والإنقياد والإذعان والإقبال على الله تبارك وتعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين، مخلصًا له الدين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾». وسبق معنا أن قوله «اعلم» هذه الكلمة يؤتى بها لتنبيه المخاطب لما سيلقى عليه من الأمور الهامة والأمور العظيمة، حتى ينتبه ويصغي لها، ويكون للكلام وقع في قلبه. ليس كل كلام يقال لصاحبه «اعلم»، وإنما يؤتى بهذه الكلمة إذا كان ما بعدها من الكلام الهام والعظيم. وقوله «أرشدك الله لطاعته» هنا يا إخوان كما سبق، تلطف من الشيخ لطلابه وتلاميذه، بل وللناس جميعًا، بل وللناس جميعًا. وهذا كما سبق معنا أنه أدب عظيم أدب الله به نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾، أي بسبب ما جعل الله في قلبك من الرحمة كنت لينًا معهم، ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. وهذا يا إخوان يعتبر درسًا للدعوة إلى الله عز وجل. أنت اليوم في مركز تدرس وتتعلم، غدًا أنت تقوم بدعوة في بلدك أو في غيرها من البلدان، وتتعامل مع الصغير ومع الكبير، ومع الصديق ومع العدو، لربما ينبري لك من الناس من هو خصم وعدو يتربص بك، ماذا يتربص بك؟ الزلات والعثرات والأخطاء. فيحتاج يا إخوان أن يكون الداعي صدره واسعًا، ويتحلّى بالرفق، ويتحلّى بالحكمة، ويتعقل في الأمور، ولا يستعجل، ولا يستعجل، وليكن همه ماذا؟ بذل النصح للآخرين وهداية الآخرين، وماذا؟ إيصال الخير إلى الآخرين. فهنا يقول: «اعلم أرشدك الله لطاعته»، يدعو بالرشد لمن يقرأ ولمن يستمع ولمن يخاطب. والرشد يا إخوان هو ضد الغي، الرشد ضده الغي. وماذا الغي يا إخوان؟ الغي هو العلم بالحق والعدول عنه، والعدول عنه قصدًا إلى غيره. ما هو الغي؟ الغي قصدًا هذا يقال له... هذا يقال له... هذا يقال له... هذا يقال له... يعني ماذا؟ سلك طريق الغواية، طريق الغواية، كما ذكر ذلك الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لقول الله عز وجل: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾، ﴿وَمَا غَوَىٰ﴾. وهكذا ذكر الراغب في مفردات القرآن، وهكذا غيرهما. فإذا كان هذا هو الغي، فما هو الرشد الذي نحن مأمورون بأن نسير عليه وأن نكون من أهله راشدين؟ فالرشد يا إخوان عرفه بعضهم أنه الاستقامة على طريق الحق، أنه الاستقامة على طريق الحق. فهذا هو الرشد، وهذا هو الرشد، ﴿وَمَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، أي استقامةً واستقامة على طريق الحق، على طريق الحق. وقوله «أرشدك الله لطاعته»، الطاعة يا إخوان هي فعل المأمور واجتناب المحظور. ما هي الطاعة؟ لما يأمرنا ربنا عز وجل بالطاعة ويأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالطاعة، الطاعة هي فعل المأمور وترك المحظور، والعصيان بخلافه، أي المعصية هي ضد الطاعة. قال: «أرشدك الله لطاعته، أرشدك الله لطاعته». أن الحنيفية، أن الحنيفية ملة إبراهيم. الحنيفية يا إخوان مأخوذ من ماذا؟ من الحنيف. والحنيف كما ذكر الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى في كتابه «النهاية في غريب الحديث»، ذكر أن الحنيف هو المائل، المائل إلى الإسلام، المائل إلى الإسلام. وأن أصل الحنيف هو ماذا؟ هو الميل. ولهذا ذكروا أن الحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك إلى ماذا؟ إلى التوحيد. الملة المائلة عن الشرك إلى التوحيد، فهي مبنية على الإخلاص لله عز وجل. وصف ربنا عز وجل إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه كان حنيفًا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا﴾، أي مائلًا عن الأصنام وعبادتها إلى توحيد الله عز وجل. ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. فاعتزل الأصنام وعبادة الأصنام، واعتزل من يعبد الأصنام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، أي الله عز وجل، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو إمام الحنفاء، إمام الحنفاء. وقوله هاهنا: «أن الحنيفية ملة إبراهيم». وقوله «ملة» أي طريقة إبراهيم الدينية التي يسير عليها إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ملة إبراهيم التي كان عليها هي طريقه الديني الذي كان يسير عليه. هو ماذا قال؟ «ملة إبراهيم». وإبراهيم يا إخوان كما سبق معنا هو خليل الرحمن، والخلة هذه مرتبة من مراتب... من مراتب ماذا؟ المحبة. الخلة مرتبة من مراتب المحبة. وذكر العلماء كابن القيم وغيره أن المحبة على عشر مراتب، أعلاها الخلة، أعلاها الخلة. والخلة لم يجعلها ربنا عز وجل إلا لرسولين عظيمين كريمين: إبراهيم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا»، كما اتخذ إبراهيم خليلًا. وهو أبو الأنبياء، وهو أبو الأنبياء، فالأنبياء من بعده من ذريته، من ذريته، فجعل الله في ذريته النبوة، النبوة والكتاب، النبوة والكتاب. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، إبراهيم تكرر ذكر منهجه وطريقته في مواضع عديدة: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. وسبب تكرار ذكر منهجه وطريقته من أجل ماذا يا إخوان؟ من أجل اتباعه والاقتداء به. ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، في إبراهيم والذين معه، أي من المؤمنين الموحدين. ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾، برآء هذه تعني تعتبر ماذا؟ مبالغة في التبرؤ واعتزال القوم. ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنكُم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُم وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، حتى تؤمنوا بالله وحده. فماذا أمر ربنا عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأمر المؤمنين باتباع ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. ماذا معنى حنفاء؟ قلنا: أي معرضون عن الأصنام والأوثان وعبادتها، ومقبلون على عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له في ذلك. ولهذا بيّنها هنا: ما هو المراد بملة إبراهيم؟ قال: «أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله وحده، أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين، مخلصًا له الدين». وهذا يا إخوان يتضمن نفيًا وإثباتًا، يتضمن نفيًا وإثباتًا. فقوله «أن تعبد الله وحده» هذا بمعنى الإثبات، وقوله «مخلصًا له الدين» فهذا يتضمن معنى النفي، فهي بمعنى «لا إله إلا الله»، فهي بمعنى «لا إله إلا الله». وماذا؟ والحنيفية يا إخوان الحنيفية هي في الأصل دين الأنبياء جميعًا، الحنيفية هي دين الأنبياء جميعًا، فلا تختص بإبراهيم عليه الصلاة والسلام وحده، وإنما هي دين الأنبياء جميعًا. وأضافها هنا المصنف رحمه الله تعالى إلى إبراهيم في قوله: «أن الحنيفية ملة إبراهيم». هذا يا إخوان فعل المؤلف اتباعًا لماذا؟ اتباعًا لوقوعها في القرآن الكريم، كذلك كما سبق معنا في قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، وأمة يا إخوان أي بمعنى معلم للخير وإمامًا يقتدى به، ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ولم يك من المشركين. ولما يا إخوان ربنا عز وجل يأمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم؟ لماذا لم يقل له: «ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة موسى، عيسى، إدريس، نوح» إلى غيرهم من أنبياء الله ورسله، مع أنهم كلهم ماذا؟ على هذه الحنيفية؟ ذكر العلماء في وجه تخصيص ملة إبراهيم بالذكر ذكروا أمورا، من أهمها قالوا: أن الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون إبراهيم، العرب في الجزيرة العربية، قريش وغيرهم يعرفون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بل وينتسبون إليه، بل وينتسبون إليه، في يعدونه ويعتبرونه جدًا لهم. ولهذا سبق معنا في نسب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصل إلى من؟ إلى إسماعيل ابن إبراهيم. لاحظوا: فالعرب كانوا يعني يعدون إبراهيم جدًا لهم، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم، على دين إبراهيم. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فإذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم، وأخبرهم أنه هو على ملة إبراهيم وطريق إبراهيم الديني، كان هذا أجدر وأدعى إلى ماذا؟ إلى أنهم يتبعوه، أو إلى أنهم يعصوه يا إخوان؟ يتبعوه. هذا أجدر إلى أنهم ماذا؟ إلى أنهم يتبعوه، إلى أنهم يتبعوه، فيكونوا حنفاء لله غير مشركين به، فيكونوا حنفاء لله غير مشركين به. ولا سيما يا إخوان إذا علموا أن إبراهيم تبرأ من أبيه وقومه بسبب ماذا؟ بسبب ماذا؟ نعم، عبادة الأصنام. وقريش ماذا يفعلون؟ يعبدون الأصنام. إبراهيم الذي أنتم تنتسبون إليه وهو جدكم، وأنتم تقولون: نحن على دينه، أليس هو الذي كسر الأصنام بيده فجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون؟ فكيف أنتم تعبدون الأصنام وأنتم تزعمون أنكم على دين إبراهيم؟ فانظروا إلى حكمة الشرع، وكيف أن الله عز وجل في القرآن يذكر ملة إبراهيم ماذا؟ أكثر من ذكره لغيرها، أكثر من غيره لذكرها. وهكذا أيضًا يعني من هذه الأمور التي لأجلها الله عز وجل خص ملة إبراهيم، أن الله تعالى جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمامًا لمن بعده، إمامًا لمن بعده من الأنبياء، بخلاف من سبقه من الأنبياء والرسل، فلم يجعل الله أحدًا منهم إمامًا لمن بعده، فلم يجعل الله أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من الأنبياء. وهذا ذكره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، في تفسيره. فبهذا يا إخوان نعرف السبب الذي لأجله يذكر إبراهيم كثيرًا، وتذكر طريقته الدينية ودعوته ومخاصمته للمشركين وإنكاره على عبادة الأصنام وغيرها. قال رحمه الله تعالى: قال كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وهنا يا إخوان فيه بيان للحكمة التي لأجلها خلق الله عز وجل الثقلين الإنس والجن، هو ماذا؟ أن يقوم بعبادة الله عز وجل، أن يقوم بعبادة الله سبحانه وتعالى. وما هو تعريف العبادة يا إخوان؟ مر معنا قريبًا في رسالة الأصول الثلاثة، يا أبا عبد الرحمن: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». وسبق معنا أن عبارات العلماء تنوعت في تعريف العبادة، إلا أن من أجمعها وأحسنها هذا التعريف الذي سمعتموه، وهو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في رسالته العبودية له، رسالة طيبة مختصرة بعنوان «العبودية»، فذكر فيها تعريف العبادة أنه: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة». قال رحمه الله تعالى: قال: «فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا... إلا مع التوحيد، إلا مع التوحيد. العبادة لا تصح ولا تقبل إلا إذا اجتمع فيها شرطان اثنان: الأول الإخلاص لله عز وجل، وهذا هو معنى التوحيد. الثاني المتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم». ولهذا إذا فعل الإنسان عبادات كثيرة لكنه لم يقم بأصل التوحيد، فما حال تلكم العبادات؟ نعم، مردودة وباطلة، وماذا؟ تحبط، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وهكذا قوله عز وجل بعد أن ذكر جملة من الأنبياء والرسل قال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾، أي هؤلاء الأنبياء والرسل، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وحاشاهم يا إخوان أن يشركوا، لكن هذا تعليم لنا نحن. إذا كان أنبياء ورسل لو وقعوا في الشرك لأحبط الله أعمالهم، فمن دونهم ماذا؟ فمن دونهم من باب أولى، فمن دونهم من باب أولى. يذهب واحد يصلي، يقوم الليل ويصوم النهار ويقرأ القرآن ويستغفر، ثم يدخل عند القبر ويتمسح بترابه، ويدعو من بداخله، يطلب منه تفريج الكربات، وأيضًا جلب ماذا؟ الخيرات، وإلى غيرها. ما فائدة قيام الليل وصيام النهار وتلاوة القرآن وذكر الله عز وجل؟ كل ذلك باطل، وكل ذلك ماذا؟ يحبطه الله عز وجل. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾، هباء منثور. ابن جدعان لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنه وعن أعماله العظيمة التي كان يعملها في الجاهلية، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في النار، وأنه ليس له شيء، لأنه لم يقم بأصل التوحيد، لم يقل يومًا من الدهر: «رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». فهذا يا إخوان ماذا يدلنا على أهمية التوحيد وإفراد الله بجميع ما يختص به، سواء كان في الربوبية، أو كان في الألوهية أي العبادة، أو كان في الأسماء والصفات، كما سيأتي معنا الإشارة إلى ذلك. قال: «كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، إلا مع الطهارة». طيب، الصلاة إذا فقدت الطهارة، صلى بدون وضوء، ما حكم الصلاة؟ باطلة، غير صحيحة. لماذا؟ الطهارة شرط في صحتها. وهكذا التوحيد في العبادة، فالتوحيد شرط في ماذا؟ في صحة العبادة، في صحة العبادة. قال: «فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة». ما هو الحدث؟ نعم، كيف ما هو الحدث؟ الحدث الذي... أنا على وضوء الآن، شوي يقوم وتريد الحمام، تقول لي: ما لك؟ أقول لك: أحدث. ما هو الحدث؟ مثل البول والغائط. يعني الحدث هو الذي يفسد الطهارة، سواء كان حدثًا أصغر كالبول والغائط والنوم إلى آخره، أو حدثًا أكبر كالاحتلام وماذا؟ الجماع وغيره. طيب، وقال: «فإذا دخل الشرك»، والشرك يا إخوان يعتبر مفسد العبادة الأعظم. أعظم ما يفسد العبادة هو الشرك، أعظم ما يفسد العبادة هو الشرك. وذكر العلماء أن له معنى عام وله معنى خاص. كيف معنى عام ومعنى خاص؟ معنى عام قالوا: هو أن يجعل يعني شيئًا من حق الله عز وجل لغيره، يجعل شيئًا... هذا الشيء قد يكون في الربوبية كإدعاء علم الغيب، يعتقد أن ذاك الشيخ يعلم الغيب. شوف كيف أعطى شيئًا من الربوبية لغير الله عز وجل، لغير الله عز وجل. وهكذا، أو في الألوهية العبادة، أو في الأسماء والصفات. هذا يعتبر معنى عام للشرك. هناك معنى خاص يتعلق بالعبادة، أي بتوحيد الألوهية، وهو جعلوا شيئًا من العبادة لغير الله، كأن يدعو غير الله، يستغيث بغير الله، يذبح لغير الله، يحلف بغير الله، كما سيأتي معنا أيضًا إن شاء الله عز وجل. ولهذا يا إخوان الشرك إذا دخل في العبادة فإنه يفسدها، فإنه يفسدها، ولا سيما ولا سيما الشرك الأكبر. لأن الشرك باعتبار قدره ينقسم إلى أكبر وأصغر، إلى أكبر وإلى أصغر. والشرك الأكبر يا إخوان هو جعلوا شيئًا من حق الله، من حق الله لغيره، جعلوا شيئًا من حق الله لغيره، وماذا؟ يزول به أصل الإيمان، يزول به أصل الإيمان. أما الأصغر فهو جعلوا شيئًا من حق الله لغيره، يزول به كمال الإيمان، يزول به كمال الإيمان. إذن شرك أكبر يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، الشرك الأصغر لا... لا يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، لكن صاحبه على خطر عظيم. الشرك الأكبر صاحبه... صاحبه مخلد في نار جهنم، بخلاف الشرك الأصغر فإنه ماذا؟ لا يخلد صاحبه في نار جهنم. الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال من أولها إلى آخرها، بينما الشرك الأصغر لا يحبط إلا ماذا؟ إلا... إلا... ولا زلنا نقول: إلا... إلا ماذا؟ الشرك الأصغر قلنا: الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، ستين سنة يصلي كلها فاسدة بسبب ما وقع فيه من الشرك الأكبر. طيب، إذا وقع في شرك أصغر يعني رياء سمعة، نعم، طيب، أحسنت، نعم، العمل نفسه، أحسنت، العمل نفسه. دخل يصلي صلاة العشاء، نقول مثلا: عندك يا خانة سعيد الليلة تصليه من صلاة العشاء، قال: تمام، الله أكبر، فإذا به ماذا؟ فإذا به ماذا؟ يزين العمل من أجل ماذا؟ الناس، ويرائي الناس. فهنا يا إخوان ماذا؟ فهنا إذا تدارك صح العمل، إذا تاب ورجع في نفس الوقت. وإذا استرسل، أعجبه الموضوع، وأعجبه نظر الناس إليه واستماعهم لقراءته، فهنا تبطل هذه الصلاة. طيب، صلاة المغرب آه صحيحة، صلاة الفجر صحيحة. فالشرك الأصغر إنما يفسد العمل الذي وقع فيه الرياء أو نحوه من أنواع الشرك الأصغر. قال: «فإذا عرفت أن... إذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار». لاحظوا هذا يدلنا على أنه يريد بالشرك هنا الأكبر أو الأصغر؟ آه، صلحت. طيب، عندك الأكبر، بدليل أنه ماذا؟ قال: «وصار أحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار»، وهذا إنما هو في الأكبر وليس في الأصغر. قال: «عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك، عرفت أن أهم ما عليك أن تعرفه وتتعلمه هو ماذا؟ معرفة ذلك، أي الشرك وصوره والتوحيد وأنواعه. قال: لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله، جعل الشرك كأنه ماذا؟ مصيدة يقع فيها من يقع من الناس، من الناس، كما يقع الطيور والدواب وغيرها في شباك الصياد، في شباك الصياد. معروفة الشبكة، الشبكة معروفة التي يصطاد بها الأسماك، ويصطاد بها كذلك الطيور أو الدواب. قال: الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك، لمن يشاء. إذن من مات وهو على الشرك هذا لا يغفره الله له، هذا لا يغفر له، يعذب في النار على حسب ذنبه وجرمه. فإن كان شركًا أكبر كان خالدًا في النار، وإن كان شركًا أصغر مكث في النار على حسب هذا الذنب، ثم بفضل الله عز وجل وبسبب التوحيد يخرج من النار إلى الجنة. وأما ما دون الشرك: زنا، سرقة، رشوة، كذب، فهذه إذا مات ولم يتب منها فأمره إلى الله عز وجل، إن شاء غفر له وأدخله الجنة مع الداخلين الأولين، وإن شاء عذبه في النار على حسب ذنبه وجرمه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة. قال: «وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه، وهذه... وهذه قواعد الأربع». يا إخوان دليلها الاستقراء، يعني أنت إذا ذهبت تبحث في القرآن عن القواعد الأربع ما ستجد شيئًا، لكن من أين أتوا بها؟ قلنا: من ماذا؟ استقراء. كيف الاستقراء؟ تتبع آيات القرآن، فوجدوا أنها تدل على هذا، وأن هذه القواعد الأربع دل عليها نصوص القرآن الكريم، كما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في مذاكرة هذه القواعد الأربع. إذن بهذا يا إخوان أكملنا هذه المقدمة التي جعلها بين يدي القواعد الأربع، ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله الكلام حول القاعدة الأولى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.