شرح فتح المجيد 107

الدرس في شرح فتح المجيد 107، ألقاها

نفي الطيرة في الحديث النبوي وتأثيرها على الإيمان

يناقش نفي الطيرة في الحديث النبوي ويبين دلالة النفي على بطلانها وعدم تأثيرها على المؤمن، مشيراً إلى أهمية التوحيد والتوكل على الله في دفع تأثيرها.

التطير والتوحيد: علاقة الإيمان بالتشاؤم

يشرح كيف أن التطير ينافي كمال الإيمان ويبين أن تحقيق التوحيد يحول دون تأثير الطيرة، مؤكداً أن الأمر كله بيد الله تعالى.

شرح حديث لا عدوى ولا طيرة: دلالات التشاؤم والتفاؤل

يفسر الحديث النبوي الذي ينفي الطيرة والتشاؤم، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفضل الفأل الحسن، مشيراً إلى أن التشاؤم يدل على سوء الظن بالله.

التفاؤل في الإسلام: حسن الظن بالله

يبرز أهمية التفاؤل كحسن ظن بالله تعالى، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل الحسن، مشيراً إلى أن المؤمن مأمور بحسن الظن بالله في كل الأحوال.

التفريغ النصي الكامل

قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله ولا طيره، قال ابن القيم: يحتمل أن يكون نفيًا أو نهيا، أي لا تطيروا. ولكن قوله في الحديث: «ولا عدوى ولا صفر ولا هامة» يدل على أن المراد النفي. ويراد به هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي إنما يدل على المنع منه. قال الشارح رحمه الله تعالى: في قوله رحمه الله تعالى في الحديث الذي مر معنا من حديث أبي هريرة: «لا عدوى ولا طيرة»، هل قوله «ولا طيرة» ها هنا هل هي نافية أو ناهية؟ كما ترون الشارح رحمه الله تعالى ذكر أن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر فيها احتمالين، فيحتمل أن تكون «لا» ناهية، ويحتمل أن تكون نافية. ثم رجح إمام ابن القيم رحمه الله تعالى أنها نافية، مستدلا بسياق الحديث ودلالة الألفاظ الأخرى التي عطفت عليه. فذكر هذا، وكما تقدم معنا مرارا أن هذا من باب النفي الذي يراد به أنه هو أبلغ. قال: لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، النفي يدل على أن ذلك الشيء لا حقيقة تحته ولا حقيقة وراءه، لا حقيقة له. واضح. وزيادة على هذا: أنه منهي عنه، فكأنه يقول: لا تفعلوه؛ لأنه لا حقيقة وراءه؛ لأنه لا حقيقة وراءه ولا حقيقة تحته، فهو نفي وكذلك نهي، وهو أبلغ. قال رحمه الله تعالى: وبصحيح مسلم عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ومنا أناس يتطيرون، قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم». فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده، لا ما رآه وسمعه. قال رحمه الله تعالى: وهذا يؤيد المعنى السابق في معنى النفي. فمعاوية بن الحكم يحكي أن منهم أناس يتطيرون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم»، أي أن ذلك الشيء إنما هو من جراء نفسه، لا حقيقة له في الواقع أبدا، لا حقيقة له في الواقع أبدا. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يكون ذلك سببا لمنعهم من مرادهم وبقصدهم؛ لأنه لا حقيقة له؛ لأنه لا حقيقة له. قال رحمه الله تعالى: فأوضح صلى الله عليه وسلم لأمته الأمر وبيّن لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانية الله تعالى التي أرسل بها رسوله وأنزل بها كتبه وخلق لأجلها السماوات والأرض وعمر الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد فقط. قال رحمه الله تعالى: قطع صلى الله عليه وسلم علاقة الشرك من قلوبهم؛ لألا يبقى فيها علاقة منها، ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة. فمن استمسك بعروة التوحيد الوسقى واعتصم بحبله المتين وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها. قال رحمه الله تعالى: كما تقدم أن الطيرة منافية لكمال الإيمان، فمن كمل إيمانه وكمل توحيده وكمل توكله على الله جل وعلا، لم ير لذلك الأمر مجالا، ولم يجد له منفذا إلى قلبه ولا إلى تصوره؛ لأنه قد امتلأ قلبه بحب الله جل وعلا وتعظيمه وتوحيده، وكذا امتلأ قلبه بالتوكل على الله جل وعلا وتفويض الأمر إلى الله جل وعلا وحسن الظن بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: الحاصل أن هذا الباب مداره على تحقيق التوحيد وتحقيق التوكل على الله. من حقق التوحيد وحقق التوكل على الله جل وعلا، لم ينظر إلى هذه الطيرة بأي منظار كان؛ لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمر كله بيد الله جل وعلا، وأن الفضل بيد الله جل وعلا، وأن الشر كذلك بيد الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: فالأمر إليه ومنه سبحانه وتعالى، فما عليه إلا أن يكون حسن الظن بربه جل وعلا، ويصدق مع الله جل وعلا في التوكل عليه، ويقبل على الله جل وعلا. والله كاف عبده، والله جل وعلا كاف عبده إذا توكل عليه وصدق معه. قال رحمه الله تعالى: قال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر. فبادره بالإنكار عليه؛ لألا يعتقد تأثيره في الخير والشر. قال رحمه الله تعالى: وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: خير. فقال طاوس: وأي خير عند هذا؟ لا تصحبني. انتهى. قال رحمه الله تعالى: وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الشؤم في ثلاث: في المرأة والدابة والدار». قال ابن القيم: إخباره صلى الله عليه وسلم بالشؤم في هذه الثلاثة ليس به إثبات الطيرة التي نفاها الله. قال رحمه الله تعالى: وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر. وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشؤوما يريان الشر على وجهه. قال رحمه الله تعالى: قوله «ولا هامة» بتخفيف الميم على الصحيح. قال الفراء: الهامة طير من طيور الليل، كأنه يعني البومة. قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نعت إلي نفسي أو أحدا من أهل داري. وجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله. قال رحمه الله تعالى: قوله «ولا صفر» في فتح الفاء، رواه عبيد في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب. وعلى هذا فالمراد به ما كانوا يعتقدونه من العدوى. قال رحمه الله تعالى: وقال آخرون: المراد به شهر صفر، والنفي لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه. وهو قول مالك. قال رحمه الله تعالى: وروى أبو داود عن محمد بن راشد عن من سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم. فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله «ولا غول» هو بالضم، اسمه وجمعه أغوال وغيلان، وهو المراد هنا. قال أبو السعادات: الغول واحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين. كانت العرب تجزم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس، تتلون تلونا في صور شتى، وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم. قال رحمه الله تعالى: فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله. فيكون المعنى بقوله «لا غول»: أنها لا تستطيع أن تضل أحدا مع ذكر الله والتوكل عليه. ويشهد له الحديث الآخر: «لا تغول الغيلان إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان». قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «ويعجبني الفأل»، قال أبو السعادات: الفأل مهموز فيما يسر ويسوء. فالطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر. يقال: تفائلت بكذا وتفاولت على التخفيف والقلب. قال رحمه الله تعالى: وإنما أحب الفأل لأن الناس إذا أملوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي، فهم على خير. وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله تعالى، كان ذلك من الشر. قال رحمه الله تعالى: وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء. والتفاؤل: أن يكون رجل مريض فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقول في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته. قال رحمه الله تعالى: قال الحليمي: وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به. والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال.

شاركنا على