شرح فتح المجيد 75

الدرس في شرح فتح المجيد 75، ألقاها

تحذير السلف من الشرك واتخاذ الوسائط

يناقش هذا الفصل تحذير السلف من اتخاذ الوسائط بين العبد وربه والشرك بالله في طلب الحوائج من الموتى، حيث يشرح حديث شيخ الإسلام ابن تيمية حول كفر من يجعل وسائط بينه وبين الله ويتوكل عليهم. كما يشير إلى تحذير ابن القيم من الشرك في طلب الحوائج من الموتى.

الرد على اعتقاد التصرفات للأولياء بعد الممات

يتناول هذا الفصل الرد على اعتقاد بعض الناس بأن للأولياء تصرفات بعد الممات، حيث يرد بالأدلة القرآنية والنبوية ويوضح أن الكرامات ثابتة بالكتاب والسنة ولكنها من عند الله ولا تعني التصرف بعد الممات.

أهمية الاستقامة والاستغفار في حياة المؤمن

يشدد هذا الفصل على أهمية الاستقامة والتوجه إلى الله بالاستغفار، ويذكر أمر الله بالاستقامة وعدم السعي للكرامة بطريقة غير مستقيمة، ويشجع على الاستقامة والاستغفار ويورد دعاءً يعبر عن التوبة والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: توقفنا عند قوله: «وقال أيضًا: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكلوا عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا». كفر إجماعًا، لماذا؟ كفر إجماعًا لأنه أولًا جعل هؤلاء بينه وبين الله جل وعلا وسائط، جعلهم وسائط بينه وبين الله جل وعلا. وهذه الوسائط عبدها مع الله أو عبدها من دون الله جل وعلا. وقد أشار إلى هذا بقوله: «يتوكلوا عليهم»، والتوكل عبادة جليلة من عبادات الله. قال: «ويدعوهم ويسألهم»، يدعوهم ويسألهم، إذن هو كفر بهذا المعنى أو لأجل هذا المعنى؛ لأنه أولًا اتخذهم وسائط فيما بينه وبين الله جل وعلا، وهذه الوسائط عبدها مع الله، فصرف إليها أنواعًا من العبادات بحجة أنها وسائط بينه وبين الله جل وعلا تشفع له عند الله يوم القيامة. وهذا كما ترى كفر إجماعًا؛ لأجل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «وقال أيضًا: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكلوا عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا». نقله عنه صاحب الفروع، وصاحب الإنصاف، وصاحب الإقناع، وغيرهم، وذكره في مسألة الوسائط. ونقلته منه في الرد على ابن جرجيس. قوله رحمه الله تعالى: نقله عنه صاحب الفروع، وصاحب الفروع هو محمد بن مفلح، وهو أحد علماء الحنابلة الكبار، وكان من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن المقربين له. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كلامًا معناه أنه لا يعلم تحت قبة الفلك رجلًا أعلم بمذهب أحمد من هذا الإمام. نص على هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو كذلك منسوب من الحنابلة. قال: وصاحب الإنصاف، وصاحب الإنصاف هو علي بن سليمان المرداوي، وكتابه الإنصاف هو تعليق على كتاب الفروع، وهو كتاب نافع يعتمد عليه كثير من علماء الحنابلة. قال: والإقناع، الإقناع لموسى الحجاوي، واسم الكتاب الإقناع لطالب الانتفاع. وهي جميعًا من كتب الحنابلة، وفيها إشارة إلى أنهم نقلوا هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهذا يدل على اعتناء العلماء بأقوال هذا الإمام واعتمادها. قال: وذكروا في مسألة الوسائط مسألة لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهي الضيمة من مجموع الفتاوى. قال: ونقلته منه في الرد على ابن جرجيس، ابن جرجيس العراقي أحد القبوريين، قد رد عليه الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى أكثر من رد على هذا القبوري ولغيره من علماء الدعوة إلى التوحيد. قال ابن القيم رحمه الله: «ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم». وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن أن يشفع لمن استغاث به أو سأله. وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده. قوله: قال ابن القيم رحمه الله، تكرر معنا مرارًا. العلامة ابن القيم وهو من أبر الناس، وكذا أعلم الناس بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فابن القيم رحمه الله يقول: «ومن أنواعه» أي من أنواع الشرك، كما قال الشارح. قال: «طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم». قال: «وهذا أصل شرك العالم». تأمل إلى هذه العبارة التي يقولها هذا العالم المتبحر ابن القيم رحمه الله: «أصل شرك العالم»؛ أنهم أشركوا في هذا الباب، في جعل الوسائط بينهم وبين الله جل وعلا، وفي الاستغاثة بهم وطلب الحوائج منهم. قال الحافظ محمد بن عبد الهادي: يرد على السبكي في قوله: «إن المبالغة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم واجبة». إن أريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا، حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كروبات المكروبين، وأنه يشفع في من يشاء ويدخل الجنة من يشاء. فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين. قال: وفي الفتاوى البزازية من كتب الحنفية: «قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر». وهذا واضح؛ لأن فيه معنى المشاركة في علم الله جل وعلا. قال الشيخ صنع الله الحنفي في كتابه في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: «وهذا كلام فيه تفريط وإسراف، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي؛ لما فيه من روائح الشرك المحقق ومصادرة الكتاب العزيز المصدق ومخالفة لعقائد الأئمة التي اجتمعت عليها الأمة». ثم قال: فأما قولهم إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، فيرد قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، وقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ونحوها من الآيات الدالة على أنه المتفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير. قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة. قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. ففي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث». فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان. قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم به أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم. كما في قصة مريم بنت عمران، وسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني. وهذا من التلبيس والتدليس؛ إذ أن أهل الباطل حتى يروجوا باطلهم لا بد أن يدخلوا فيه شيئًا من الحق. قال: فأهل السنة والجماعة يقررون كرامات الأولياء؛ لأنها ثابتة بالكتاب والسنة. فمن الكتاب قصة مريم عليها السلام، حينما وضعت ولدها عيسى عليه السلام، قال لها ربنا جل وعلا: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. وكذلك أخبر الله جل وعلا في كتابه عن زكريا أنه ما دخل عليها إلا وجد عندها رزقًا. قال الله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: ومن كرامات الأولياء ما حصل لأصحاب الكهف، كم لبثوا في الكهف أكثر من ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم الله جل وعلا. وكذلك الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾. قال: وكذلك ما ذكر من قصة أسيد بن حضير رضي الله عنه، أنه كان إذا قرأ سمعت أو وجدت أشياء، فقيل: تلك السكينة تنزلت عليه، أي الملائكة تنزلت يستمعون قراءته وصلاته. قال: والحاصل من هذا أن أعظم كرامة ينالها العبد هي تقوى الله، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أعظم الكرامة دوام الاستقامة». وقال أيضًا: «إن الله جل وعلا أمر بالاستقامة، فلا تكن طالبًا للكرامة». فاستقيموا إلى الله واستغفروه؛ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على