شرح فتح المجيد 59

الدرس في شرح فتح المجيد 59، ألقاها

مقدمة في التبرك والشرك

يتناول المقطع الأول شرح باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، ويوضح معنى التبرك ومقصود الإمام محمد بن عبد الوهاب من هذا الباب، ويبين أن التبرك بغير ما أذن به الشرع يعتبر شركًا.

حكم التبرك وأنواعه

يناقش المقطع الثاني معنى التبرك وحكمه، موضحا أن التبرك هو طلب البركة وكثرة الخير ودوامه، وأنه لا يجوز طلبها من غير الله. كما يوضح المقطع الثالث التبرك المشروع والممنوع وأنواعه، مع التركيز على التبرك الحسي والمعنوي.

التبرك المشروع ومخاطر عبادة القبور

يشرح المقطع الثالث التبرك المشروع، خاصة التبرك بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما يبين المقطع الرابع مخاطر عبادة القبور وبناء القباب والمساجد عليها، ويوضح أن هذه الممارسات تعتبر إتباعا للضلال واتخاذ أوثان تعبد من دون الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فقبل أن ندخل في الباب الجديد، نقرأ أسئلة الباب الذي قد انتهينا منه، وهو باب ما جاء في الرقى والتمائم. السؤال الأول: ما علاقة الباب بالباب الذي قبله؟ السؤال الثاني: ما علاقة الأحاديث التي ذكرها المصنف بالباب؟ لماذا بواب؟ السؤال الثالث: لماذا بواب الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الباب الذي يليه؟ ما هي شروط الرقية المشروعة؟ السؤال الخامس: متى تكون الرقية غير مشروعة؟ السؤال السادس: الرقية بغير العربية لها ثلاث حالات، فما هي مع البيان؟ السابع: ما حكم تعليق الحلق والتمائم في رقبة البعير وغيره؟ الثامن: في الحديث «إن الرقى...» إلى آخره من العام الذي أريد به الخصوص، فما وجه ذلك؟ التاسع: ما هي التوالة؟ ومن أي أنواع السحر هي؟ العاشر: ما حكم تعليق تمام القرآن والأذكار ونحوها؟ السؤال الذي يليه: ما حكم تعليق المصحف في الجيب أو السيارة؟ أو قل: ما حكم تعليق القرآن؟ لأن القرآن يدخل فيه القرآن كله، ويدخل فيه شيء من القرآن. ما حكم تعليق القرآن في البيت أو السيارة أو في الجيب؟ هذا أو هذا للتخيير أو للتخيير في البيت أو الجيب أو السيارة أو الكزانة أو نحو ذلك؛ لأجل دفع العين أو لأجل دفع الشياطين. السؤال الذي يليه: في حديثي رويفع دليل من دلائل النبوة، فما وجهه؟ السؤال الذي يليه: قوله «فإن محمدا بريء منه»، ما المراد بالبراءة ها هنا؟ السؤال الذي يليه: ما معنى النهي عن عقد اللحية؟ بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما كبقعة أو قبر ونحو ذلك، أي فهو مشرك. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذا الباب: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. وذكر الشارح رحمه الله تعالى في هذا الباب: كبقعة أو قبر ونحو ذلك، أي فهو مشرك. والشارح رحمه الله تعالى في هذا المقام أراد أن يبين مقصود الشيخ رحمه الله تعالى بهذا التبويب؛ لأن الشيخ رحمه الله تعالى لم يحكم بالشرك على هذا مع أن التمثيل في قوله رحمه الله «من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما» يدل على هذا المعنى. فالشارح رحمه الله تعالى فسر وبيّن مقصود الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الباب، لذا قال: كبقعة أو قبر. ومعنى هذا: أن من تبرك بشجرة فهو مشرك، أو حجر فهو مشرك، أو بقعة معينة لم يأت فيها دليل على أنها مباركة كذلك فهو مشرك، أو قبر أو نحو ذلك فهو كذلك مشرك. وهذا يتبين بمعرفة معنى التبرك. إذا عرف معنى التبرك عرف مقصود الشيخ رحمه الله تعالى من هذا التبويب، وأن مقصوده رحمه الله تعالى أن هذا من الشرك. فالتبرك مأخوذ من البركة، مادته الباء والراء والكاف. بركة. وقد ذكر أهل اللغة رحمهم الله تعالى لمعنى البركة معنيين: المعنى الأول: بمعنى الثبوت واللزوم، ومنه بركة الماء. والمعنى الثاني: بمعنى النماء والزيادة والكثرة، فهو يطلق على هذا تارة ويطلق على الآخر تارة أخرى. وشرعا: مأخوذ من المعنى اللغوي. فمعنى التبارك أو معنى التبرك لغة، أو معنى البركة شرعا: كمعنى في اللغة، معنى ثبوت الخير ودوامه وكثرته. وهذا على وجه العموم. والبركة الحقيقية: هي ثبوت الخير الإلهي، ودوامه وكثرته. هذه هي البركة الشرعية. قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى، مبينا لهذا المعنى: وأن البركة تأتي بمعنى الدوام والثبوت، قال: «والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء». قال تعالى: ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾. قال: وسميت بذلك لثبوت الخير فيه، ثبوت الماء في البركة. قال: والمبارك ما فيه الخير. وقال القرطبي رحمه الله في قول الله جل وعلا: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا﴾، قال: جعله مباركا لتضاعف العمل فيه. فالبركة كثرة الخير. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأما البركة فإنها لما كان مسماها كثرة الخير واستمراره شيئا بعد شيء، كل من قضى منه فرد خلفه فرد آخر، يتعاقب الأفراد على الدوام شيئا بعد شيء، كان لفظه الجمع أولى بها لدلالته على معنى المقصود بها» إلى آخر كلامه. فالبركة معناها من حيث اللغة، ومعناها من حيث الشرع: متوافق. إذا علم هذا، وعلم أن معنى البركة: ثبوت الخير وكثرته، فإذا علم هذا، انتقل إلى أمر آخر، وهو: ما معنى التبرك؟ التبرك مصدر تبرك يتبرك، تبرك. وهو طلب البركة. و«اتبرك بالشيء» طلب البركة بواسطته. فإذا كان معنى البركة كثرة الخير ودوامه، فالخير بيد من؟ الخير بيد الله جل وعلا. فإذا لا يطلب إلا من الله جل وعلا. فلا تطلب البركة -التي هي بمعنى كثرة الخير وازدياده ولزومه وثبوته- إلا من الله جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى، مفسرا لهذه الآية: لا سيما قول الله جل وعلا: ﴿بيدك الخير﴾، قال: «أي كل ذلك بيدك وإليك». لا يقدر على ذلك أحد؛ لأنك على كل شيء قدير دون سائر خلقك. فإذا عرف هذا المعنى الثالث، ننتقل إلى الأمر الرابع، وهو: تبويب الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الباب. لماذا الشيخ رحمه الله تعالى بوب بهذا الباب ها هنا؟ الجواب: أننا إذا علمنا وتيقنا أن البركة بمعنى كثرة الخير ولزومه وثبوته، والخير بيد الله جل وعلا، من حقوق الله جل وعلا، فطلب البركة من غير الله جل وعلا، ما حكمه؟ شرك. فقول الشيخ رحمه الله: «من تبرك بشجرة» أي طلب الخير بواسطة شجرة، أو «من حجر» أي بواسطة حجر، أو كما قال الشارح: أو بقعة أو قبر، فإنه وقع في شرك. ثم هذا الشرك يكون بحسب ما يقوم بقلب العبد من ذلك التبرك بذلك الشيء. فإن اعتقد أن الخير من ذلك الشيء وبيد ذلك الشيء -سواء كان الميت صاحب القبر أو كان صاحب المشهد أو كان صاحب الشجرة أو كانت الحجرة أو كان القبر أو المزجد أو أي شيء كان- فقد وقع في الشرك الأكبر. وإن اعتقد أن هذا الشيء فيه البركة أو سبب للبركة، فإنه وقع في الشرك الأصغر. وإن اعتقد أن الله جل وعلا هو المعطي لهذه البركة والمنزل لهذه البركة، ولكنه اعتقد في ذلك الشيء أنه سبب لحصول البركة، فهذا شرك أصغر. فالحاصل: أن الشيخ رحمه الله تعالى بوب بهذا الباب لهذا المعنى. وإذا علم هذا، ينبغي لنا أن نعلم أمرا آخر، وهو: أن التبرك على قسمين: تبرك ممنوع، وهو ما سبق. وتبرك مشروع. والتبرك المشروع إما أن يكون حسيا وإما أن يكون معنويا. فمن الحسي: مثلا التبرك بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بركة ذاتية. وبركته صلى الله عليه وسلم الذاتية على قسمين: بركة حسية، وهي المعجزات التي جعلها الله عز وجل على يديه، كتكثير الطعام وتفجير الماء من بين أصابعه. وهذه من البركة الذاتية الحسية. وبركة أخرى أيضا حسية، وهي البركة التي تكون ممن فصل من أجزائه صلى الله عليه وسلم، كشعره وعرقه. فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتبركون بذلك. فمن نال هذه البركة الحسية فقد نال خيرا كثيرا. ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه البركة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس، فليست لأحد من الناس هذه الخاصية. فلا يجوز لأحد أن يدعي أنه مشارك لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الخصيصة. ويدل على هذا: أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما ثبت قط ولا ورد قط أن أحدا ذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فتبرك به، أي بذاته، إما أخذ من شعراته أو أخذ من عرقه أو ذهب يتمسح به. بل ثبت في الصحيح: أن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما بلغه أن أناسا يتكلمون في الشجرة التي بايع الناس عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، قطعها؛ خشية التبرك بها. فالحاصل: أن طلب التبرك بذات أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا من قسم التبرك الممنوع. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: وكانت اللات لثقيف، والعزة لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال. قال ابن هشام: كانت لهذيل وخزاعة. فأما اللات: فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ورويس ويعقوب بتشديد التاء. فعلى الأولى: قال الأعمش: سموا اللات من الإله، والعزة من العزيز. قال ابن جرير: وكانوا يقشقون اسمها من اسم الله تعالى، فقالوا: اللات مؤنثة منه. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. قال: وكذا العزة من العزيز. قال ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت من الطائف، له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تبعها. يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. قال ابن هشام: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. وعلى الثانية: قال ابن عباس: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكف على قبره. ذكره البخاري. قال ابن عباس: كان يبيع السويق والسمن عند صخرة، ويسلوه عليها. فلما مات ذلك الرجل، عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق. وعن مجاهد نحوه. قال: فلما مات عبدوه. رواه سعيد بن منصور. قلت: لا منافاة بين القولين؛ فإنهم عبدوا الصخرة والقبر تألها وتعظيما. ولمثل هذا بنيت المشاهد والقباب على القبور، واتخذت أوثانا. وفيه بيان أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الصالحين والأصنام والأوثان. وهذا كذلك فيه بيان أن عباد القبور في كل زمان ومكان يصنعون القباب والمساجد على القبور؛ لأجل هذه العلة. ولأجل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: واتخذت أوثانا؛ لأنها صارت تعبد من دون الله جل وعلا.

شاركنا على