الدرس في شرح فتح المجيد 43، ألقاها
يشرح أهمية العلم بمعنى لا إله إلا الله والعمل به، ويبين أن الكفر بالطاغوت جزء من معناها. كثير من الناس قد يكونون علماء في بعض العلوم ولكنهم يجهلون معنى لا إله إلا الله.
يتناول أحكام الزكاة ومصارفها، حيث الزكاة واجبة على المسلمين وتأخذ من الأغنياء وتصرف إلى الفقراء. كما يبين أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها، وأنه يجوز إخراج الزكاة في صنف واحد.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من أخذ كرائم أموال الناس عند جباية الزكاة، وأمر بتقوى دعوة المظلوم، مشيرا إلى أن الظلم محرم سواء كان في أموال الناس أو في حقوقهم أو في الشرك بالله عز وجل.
يشرح حديث بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن لتعليم الناس أمور الدين، ويبين أن الحديث يدل على قبول خبر الواحد العدل ووجوب العمل به، وأهمية تعليم الناس أمور الدين بالتدريج.
قال الشارح رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه أن الإنسان قد يكون عالما وهو لا يعرف معنى ﴿لا إله إلا الله﴾ أو يعرفه ولا يعمل به. قلت: فما أكثر هؤلاء! لا أكثرهم الله تعالى. قبل أن نتكلم على هذه الفقرة المذكورة، بعض الإخوة سأل: هل ما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى من الشرط الثامن هو زيادة على هذه الشروط السبعة أو أنه داخل فيها وإنما ذكره للإهتمام؟ هذا هو الظاهر أنه رحمه الله تعالى ذكره للاهتمام به، وإلا فإنه داخل في معنى قوله رحمه الله تعالى: داخل في الشرط الإخلاص، داخل في شرط الإخلاص، وكذلك داخل في شرط العلم. داخل في شرط العلم؛ لأن العلم كما مر معنا: العلم بمعنى ﴿لا إله إلا الله﴾ نفيا وإثباتا. ومعنى كما مر معنا في الدرس الماضي: نفيا أي أن يعلم أنه لا أحد يستحق العبادة، لا أحد يستحق العبادة. وهذا معناه: الكفر بالطاغوت. هذا معناه: المعرفة، الكفر بالطاغوت؛ أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله، إلا الله سبحانه وتعالى. وأيضا في الشرط الخامس: الإخلاص. ومعنى الإخلاص: إخلاص الدين لله عز وجل المنافي للشرك. وهذا كذلك معناه: المنافي للشرك، الكفر بكل ما سوى الله من الآلهة التي عبدت. وهو كذلك بمعنى الكفر بالطاغوت. فهو معنى الكفر بالطاغوت. وعلى هذا يكون داخلاً ما ذكره الشيخ عبد الرحمن في «قرة عيون الموحدين» داخل في هذه الشروط، داخل ضمناً في هذه الشروط، وإنما ذكره رحمه الله تعالى كشرط ثامن للاهتمام به وزيادة بيان لهذا المعنى. وقوله رحمه الله تعالى ها هنا: قال المصنف رحمه الله تعالى الإمام محمد بن عبد الوهاب: وفيه هذا فيه إشارة إلى المسائل المذكورة. فالشيخ سليمان ابن عبد الله رحمه الله تعالى سبك أو أدخل المسائل التي تذكرها -اللي ذكرها الشيخ- في كتاب التوحيد في آخر كل باب، أدخلها ضمن الكتاب، ضمن الشرح، وبين وجه الشاهد، وبين وجه الشاهد منها. فقال رحمه الله تعالى: وفيه أن الإنسان قد يكون عالما وهو لا يعرف معنى ﴿لا إله إلا الله﴾ أو يعرفهم ولا يعمل به. هذا ما أُخذ من أين؟ في الحديث، ما أُخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب»، إنك ستأتي قوما أهل كتاب، أي أهل علم، أي أهل علم، أي أهل علم بكتاب، سواء كانوا من اليهود، وهم كانوا الأغلب والأكثر في اليمن، أو كانوا من النصارى ممن بقي من الفرس. ومع هذا أمرهم بأن يشهدوا أن ﴿لا إله إلا الله﴾ بأن يشهدوا أن ﴿لا إله إلا الله﴾. وفي الرواية الأخرى: «أن يوحدوا الله»، أن يوحدوا الله. وهذا فيه إشارة إلى ما ذكره الشيخ: أنه قد يكون عالما ولكنه لا يعلم معنى ﴿لا إله إلا الله﴾. فاليهود كما هو معلوم أشركوا بالله عز وجل، فقالت اليهود: «عزير ابن الله»، وقالت النصارى: «المسيح ابن الله». فهم علماء ولكنهم يجهلون أشرف علم وأعظم أمر، وهو توحيد الله جل وعلا، توحيد الله جل وعلا. فقول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب: «أن الإنسان قد يكون عالما وهو لا يعرف معنى ﴿لا إله إلا الله﴾» معناه: هذا، أو يعرفهم ولا يعمل به. يعرفه كما هو حال كثير من اليهود، عندهم علم ولكن ليس عندهم عمل بذلك العلم. قد يكونون عالمين بهذا المعنى، ولكنهم غير عاملين بهذا المعنى، بل وقع منهم ما وقع من الشرك بالله عز وجل. فكما ذكر الشيخ: أنه قد يكون الإنسان عالما في علوم، وعنده من العلم ببعض المسائل، ولكنهم في هذا الأمر في توحيد الله عز وجل هو من أجهل الناس، بل عقيدته أشبه ما يكون بعقيدة المشركين. وهذا حال كثير، كما قال الشيخ عبد الرحمن في قوله: «فما أكثر هؤلاء!» أي أن هؤلاء كثيرون في هذه الأزمان وتلك الأزمان المتأخرة، كثر المتعلمون والمتعالمون، وكثر علماء السوء، وكثر العلماء الذين لا يعرفون حقيقة ما جاءت به الرسل. فكثير من العلماء ممن يشار إليهم بالبنان لا يعرفون معنى ﴿لا إله إلا الله﴾، لا يعلمون معنى ﴿لا إله إلا الله﴾، لا سيما من علماء أهل البدع والأهواء، كالأشاعرة والصوفية والشيعة ومن كان على شاكلتهم. إذا قيل لهم: ما معنى ﴿لا إله إلا الله﴾؟ قالوا: معناها «لا خالق إلا الله» أو «لا قادر على الاختراع إلا الله» أو «لا مخترع إلا الله» أو «لا صانع إلا الله» أو «لا رب إلا الله». وما اهتدوا إلى المعنى الصواب في معنى ﴿لا إله إلا الله﴾. قوله رحمه الله: «فإنهم أطاعوك لذلك» أي شهدوا وانقادوا لذلك. فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات. فيه أن الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين. قوله رحمه الله: «فإنهم أطاعوك لذلك» أي شهدوا. قوله: «أطاعوك لذلك» أي شهدوا أن ﴿لا إله إلا الله﴾؛ لأنه قال: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ فإنهم أطاعوك لذلك» أي قالوا: «أشهد أن ﴿لا إله إلا الله﴾ وأن محمدا رسول الله»، وأن محمدا رسول الله. قالوها بألسنتهم، وقبلوها بقلوبهم، وانقادوا لها، وقبلوها، وانقادوا لها. قال النووي: ما معناه: أنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، مخاطبين بها، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا مخاطبين بها ويزادوا في عذابهم بسببها في الآخرة. والصحيح: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه. وهذا قول الأكثرين في كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى. وفي كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى تنبيه على مسألتين: الأولى في قوله: أنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا يكون إلا بعد الإسلام. لا يكون إلا بعد الإسلام؛ بمعنى أنه لا يطالب الكافر بأن يبدأ مثلا بأن يصلي وهو لم يشهد أن ﴿لا إله إلا الله﴾، أو يؤمر بأن يؤتي الزكاة وهو لم يشهد أن ﴿لا إله إلا الله﴾، أو غيرها من الفرائض. بل لابد أن يدخل في الإسلام أولا، وبماذا يدخل في الإسلام؟ يدخل بأن يقول: «أشهد أن ﴿لا إله إلا الله﴾ وأن محمدا رسول الله». فإذا قالها صار مسلما بمجرد النطق بها ظاهرا، وإذا أتبع ذلك النطق تصديق القلب وانقياده وقبوله لهذه الكلمة صار مسلما ظاهرا وباطنا. وإذا كان كذلك انقاد وقبل ما فرضه الله عز وجل عليه من الفرائض. لذا انتقل معه إلى تعليمه لفرائض الله جل وعلا الذي افترضها عليه. وأما إذا لم يقبل الإسلام أصلا، فكيف بعد ذلك يقبل ما سوى الإسلام؟ واضح هذا. الجواب: أن الكفار مطالبون بفروع الشريعة، وما لا يصح قبول قبولها إلا به، وهو الإسلام. واضح هذا. فهم مطالبون بالإسلام، ومطالبون كذلك بفروع الشريعة. فهم مطالبون بفروع الشريعة، وما لا تصح فروع الشريعة إلا به، وهو الإسلام. وهذا هو قول جماهير أهل العلم. وقد أشار إلى ذلك الإمام النووي بقوله رحمه الله: «وهذا قول الأكثرين». وفيه إشارة إلى أن هذه المسألة فيها خلاف. وأن قول الأكثرين، ومنهم من قال: إنه قول الجمهور: أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، وكذلك مخاطبون بالإسلام. يدل على هذا المعنى قول الله جل وعلا عن هؤلاء الكافرين: ﴿ما سلككم في سقر﴾ ﴿قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين﴾. فهم كفار؛ لأنهم كذبوا بيوم الدين، كانوا يكذبون بالبعث. ومع هذا ربنا جل وعلا أخبر أنهم عذبوا لأجل أمور منها: فروع الشريعة. ﴿ما سلككم في سقر﴾ ﴿قالوا لم نكن من المصلين ولم نكن نطعم المسكين﴾. واضح. فهذه الآية تدل على أنهم يعذبون على تركهم لفروع الشريعة مع تركهم الإيمان بالله جل وعلا. قوله رحمه الله: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». قوله: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلوات، وأنها تأخذ من الأغنياء وتصرف إلى الفقراء. وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم الفقراء؛ لأن حقهم في الزكاة آكد من حق بقية الأصناف الثمانية. قوله رحمه الله: دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة. وهذا باتفاق: أن أول الأركان: ﴿لا إله إلا الله﴾ وأن محمدا رسول الله. وثانيها: إقامة الصلاة. وثالثها: إيتاء الزكاة. ورابعها: الصوم. وخامسها: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا. وأيضا في قوله: «وأنها تأخذ من الأغنياء وتصرف على الفقراء» كما ذكر رحمه الله تعالى: أنه ذكر هذا؛ لأن الفقراء هم أحوج ما يكونون إلى الزكاة. فخصهم بالذكر لهذا المعنى. قالوا: فيه أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها، إما بنفسه أو نائبه. فمن امتنع عن أدائها إليه، أخذت منه قهرا. قوله: «أن الإمام» أي هذه كذلك من المسائل التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذا الباب: أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها، إما بنفسه أو نائبه. ما الدليل على هذا؟ الدليل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا نائبا على اليمن، وأمره بذلك، وأمره بأن يأخذ منهم الزكاة، وأن تأخذ الزكاة من أغنيائهم، يأخذها معاذ، ثم يضعها في فقرائهم. ففيه كما قال: أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها، إما بنفسه أو نائبه. واضح هذا. قال: «فمن امتنع من أدائها أخذت منه طهرا». أي تأخذ بالقوة وبالقهر. تأخذ بالقوة وبالقهر من ذلك الذي امتنع، إن كان إنسانا واحدا أو مجموعة من الناس. تأخذ منهم طهرا. وجاء في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وحسنه بعض أهل العلم، وبعض أهل العلم ضعفه: أنها تأخذ وشطر ماله. وقال علماء: أن هذا من باب التعزير بالمال. وبعض أهل العلم قالوا: إن هذا الحديث لا يصح، وإنما تأخذ منه قهرا وقوة، بالقوة تأخذ منه لذلك المانع للزكاة. وإن احتاج إلى تعديل، فالأمر إلى الإمام. هذا إن كان بعض أفراد المسلمين امتنع من ذلك. أما إذا كان هذا الامتناع لطائفة من الناس أو بلدة من البلاد الإسلامية أو قبيلة من القبائل أو عشيرة من العشائر امتنعت عن أداء الزكاة، فإما أن يعطوها للإمام، أو للإمام أن يأخذها منهم قهرا، ولو بالقتال، ولو بالقتال، كما حصل في زمن الصديق رضي الله عنه وأرضاه حينما منع من منع الزكاة، فقاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة معه حتى أدوا الزكاة. وكما قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه حينما قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: «يا أبا بكر أتقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: ﴿لا إله إلا الله﴾ إلا بحقها؟» فقال له أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: «وإن الزكاة من حقها». أي من حق ﴿لا إله إلا الله﴾. وهذا من فقه أبي بكر العميق. إذ أن من قال: ﴿لا إله إلا الله﴾ فإنه ملتزم بالشرائع التي جاءت بها الذي جاء بها الإسلام. ومن جملتها: الزكاة. فمن ترك الزكاة فإنه غير ملتزم بــ ﴿لا إله إلا الله﴾. لذا قال أبو بكر: «وإن الزكاة من حقها». وقال: «والله لو منعوني عناقا لقاتلتهم عليه». فقال عمر: «ما إن رأيت أبا بكر شرح الله صدره للقتال حتى شرح الله صدره للقتال، ثم قاتلهم الصحابة حتى رجعوا وأدوا الزكاة كما كانوا يؤدونها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: إن المانعين للزكاة في زمن أبي بكر طوائف. منهم من منعها بخلا. وهؤلاء قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، قتال المانعين للزكاة، لا أنهم كانوا كفارا مرتدين. وطائفة أخرى منعتها، وقالت: إنها سقطت عليهم، أنها سقطت عليهم الزكاة، فلم يقروا بوجوب الزكاة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء كانوا يقاتلون قتال المرتدين. وكذلك من زعم وادعى النبوة، كما هو حال مسيلمة الكذاب. كذلك هذا قتل، مقاتلة المرتدين. فبعضهم أضاف إلى منع الزكاة كفرا ظاهرا صريحا، كما هو حال من كان على شاكلته، مثل سجاح ونحوها. قوله رحمه الله: «وفي الحديث دليل على أنه يجوز إخراج الزكاة في صنف واحد كما هو مذهب مالك وأحمد». وهذا ما أُخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». فقوله: «صدقة» يدل على أنه يجوز أن تخرج من صنف واحد؛ لأنها جاءت نكرة في سياق الإثبات، تفيد الإطلاق. والإطلاق كما يقول العلماء: يفيد العموم، يفيد العموم. قوله رحمه الله: «وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني ولا إلى كافر غير المؤلف». قوله: «وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». واضح. فلا يجوز أن تعطى الزكاة لغني، لظاهر هذا الحديث، ولغيره من الأدلة الكثيرة. ومنها أدلة القرآن: قول الله عز وجل: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم﴾ إلى آخر الآية. فلم يذكر الأغنياء. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب». وهذا الحديث كذلك يدل على هذا المعنى: «تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». وأيضا في قوله: «ولا إلى كافر غير المؤلف» ما أُخذ هذا من قوله صلى الله عليه وسلم: «تأخذ من أغنيائهم» أي من أغنياء المسلمين «فترد على فقرائهم» أي فقراء المسلمين. واضح. فقوله: «فقرائهم» المراد به: فقراء المسلمين. وقول رحمه الله تعالى ها هنا: «غير المؤلف» استثنى المؤلف ها هنا ليس من هذا الحديث، ولكن من أدلة أخرى. استثنى المؤلف ليس من هذا الحديث، ولكن من أدلة أخرى. ومنها كما سمعتم: قول الله عز وجل: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم﴾. فهم استثناء بنص هذه الآية. وكذلك ما جاءت به الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي هؤلاء المؤلفة قلوبهم، إما لأجل أن يدخلهم في دين الله عز وجل، وإما لمصلحة ما لأجل دين الله جل وعلا. وهذا كما قال الشيخ رحمه الله تعالى في إشارة إلى أن هذه المسألة خلافية. والصحيح: هذا هو الصحيح. وأيضا: أن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون. في مال الصبي والمجنون من أين هذا؟ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم». إذا كان الصبي غنيا فهو داخل في هذا العموم، وإذا كان المجنون غنيا كذلك داخل في هذا العموم: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». قال: قلت: «والفقير إذا أُطلق في اللفظ تناول المسكين، وبالعكس». كما قرره شيخ الإسلام؛ بمعنى أن الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، والمسكين إذا أطلق دخل فيه كذلك الفقير. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر: أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. إذا افترقا اجتمعا؛ بمعنى إذا ذكر المسكين دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير دخل فيه المسكين. وإذا اجتمعا كما في قول الله عز وجل: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ اجتمعا في هذه الآية افترقا؛ أي افترقا في المعنى، فكان للفقير معنى، وكان للمسكين معنى آخر. ثم بعد ذلك اختلف العلماء: أيهما أشد حاجة؟ الفقير أم المسكين؟ وأقرب الأقوال: أن الفقير هو الذي لا يجد قوت يومه، أي لا يكفيه في يومه. والمسكين هو الذي يجد قوت يومه، هو الذي يجد قوت يومه. وعلى هذا فالمسكين أحسن حالا من الفقير. وهذا قول طائفة من أهل العلم. وطائفة من أهل العلم يعكسون الأمر، فيجعلون المسكين أشد حاجة من الفقير. قوله رحمه الله: «وإياك وكرائم أموالهم» بنصب «كرائم» على التحذير. وجمع «كريمة». يعني في قوله: «فإياك» هذا: «إياك» اسم فعل أمر، تقديره: «احذرك»، تقديره: «احذر»، واحذر ماذا؟ «كرائم أموالهم». ووضح هذا: جمع «كريمة». فقوله: «إياك» كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: بنصب «كرائم» على التحذير، ووضح عملا. فهو اسم فعل أمر. قال صاحب المطالع: «هي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم، وصوف». ذكره النووي. قولهم: «وكرائم أموالهم» ما معنى «كرائم أموالهم»؟ ذكر النووي رحمه الله تعالى ها هنا: أنها الجامعة لأوصاف الكمال، الجامعة لأوصاف الكمال. الكريمة من المال، سواء كان من الإبل أو كان من البقر أو كان من الغنم، هي التي جمعت هذه الأوصاف: جميلة المنظر، وكذلك كثيرة اللحم، وكذلك كثيرة اللبن. فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر معاذا -وهو تحذير لجميع السعاة لجمع الزكاة- أن يأخذوا الكريمة من أموال من يأخذون منهم الزكاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياك وكرائم أموالهم». ففيه التحذير. وجاء في آخر الحديث إشارة إلى أن هذا من الظلم، إلى أن هذا من الظلم، أي أخذ الكريمة من الأموال. قال رحمه الله: قلت: «وهي خيار المال، وأنفسه، وأكثره ثمنا». قال: «وفيه أنه يحرم على العامل في الزكاة أخذ كرائم المال، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال». بل يخرج الوسط، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز. وهذه كذلك من المسألة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. وفيه قال: أنه يحرم على العامل في الزكاة أخذ كرائم المال. من أين هذا؟ من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «وإياك وكرائم أموالهم». وأيضا قال: «ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال». لماذا؟ لأن الله عز وجل طيب، لا يقبل إلا طيبا. إن الله عز وجل طيب، لا يقبل إلا طيبا. وكما قال الله عز وجل في ذم هؤلاء الذين يخرجون المال السيء في الصدقات: ذكر الله عز وجل صنفا من هؤلاء الناس أنهم ماذا؟ قال: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾. قال العلماء: المراد بالخبيث: الغير المستحب أو المستحسن من المال، الغير المستحب أو المستحسن من المال. سماه الله عز وجل خبيثا: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾. بل كما ذكر الشيخ: قال: «بل يخرج الوسط، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز». أي إذا كان صاحب المال بنفسه طيبة بإخراج المال الطيب لله عز وجل زكاة، فهذا من الصدقات التي يبارك الله عز وجل فيها، التي يبارك الله عز وجل فيها، ويتقبلها بإذنه سبحانه وتعالى بقبول حسن. قوله: «فاتق دعوة المظلوم» أي اجعل بينك وبينها وقاية بالعدل وترك الظلم. وهذان الأمران يقيان من رزقهما من جميع الشرور في الدنيا والآخرة. وفيه تنبيه. وقوله رحمه الله تعالى: «واتق دعوة المظلوم» هذا فيه إشارة وتنبيه وتعليم للإنسان، ولو كان عالما. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب في هذا الحديث معاذا ابن جبل رضي الله عنه وأرضاه، وهو في الإمامة في الدين كما هو معروف مكانته في الإمامة في الدين. حتى إن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه حينما جاءه بعض أصحاب معاذ ونظر إليه، قال: «إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين». فقيل له - وظنوه أنه أخطأ - قيل له: «إن إبراهيم». فقال عبد الله بن مسعود: «إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين». أتعلمون من الأمة؟ أو أتعلمون من القانت؟ قال: «القانت هو القائم على حدود الله، المتعبد لله عز وجل». أو كما قال رحمه الله تعالى. فهذه شهادة من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهو من أئمة الصحابة، ومن علماء الصحابة، من كبرائهم. ومع هذا يصف معاذا بأنه مثل إبراهيم في هذه الأوصاف، مثل إبراهيم في هذه الأوصاف. ومع هذا يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق دعوة المظلوم». ففي هذا إشارة إلى أن الإنسان عليه أن يكون حذرا كل الحذر من الظلم، ولو بلغ من العلم ما بلغ. فإذا كان معاذ يحذره النبي صلى الله عليه وسلم من الظلم، فكيف بمن هو دون معاذ بكثير؟ فهو من باب أولى أن يكون على حذر من الظلم. قوله رحمه الله تعالى: «واتق دعوة المظلوم» فيه تنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم، من جميع أنواع الظلم، سواء كان ظلم الإنسان فيما بينه وبين الله عز وجل، وهو أعظم الظلم، هو الشرك بالله. أو الظلم بين العباد بأن يظلم العباد بأن يأخذ حقا من حقوقهم. أو ظلم الإنسان نفسه. وهذا من قوله: «واتق دعوة المظلوم». ففيه تحذير من جميع أنواع الظلم. والحديث فيه إشارة إلى ظلم الغير صراحة، وغيره يدخل من حيث المعنى والاقتضاء. قوله: «فإنه أي الشأن ليس بينها وبين الله حجاب». هذه الجملة مفسرة لضمير الشأن. أي فإنها لا تحجب عن الله، فيقبلها. أي في قوله: «فإنهم». «فإنها» هنا تسمى عند العلماء: ضمير الشأن. «فإنه» أي فإن الشأن كما قال الشيخ رحمه الله: «الشأن ليس بينها وبين الله حجاب». اتق دعوة المظلوم لماذا؟ كأن قائل يقول: لماذا؟ وما شأنها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه ليس بينها وبين الله عز وجل حجاب». أي أنها سريعة الرفع إلى الله عز وجل، وكذلك سريعة الإجابة. فليكن الإنسان على حذر من ذلك. قال: «وفي الحديث أيضا قبول خبر الواحد العدل، ووجوب العمل به، وبعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظم ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويعلمهم وينهاهم عن الظلم، ويعرفهم سوء عاقبته، والتنبيه على التعليم بالتدريج». قاله المصنف. وهذا واضح من الحديث. أولا: في قوله: قبول خبر الواحد العدل، ووجوب العمل به. وهذا فيه رد على المعتزلة ومن كان على شاكلتهم من الذين يقولون: إن خبر الآحاد لا يقبل في العقائد. فإن هذا نبينا صلى الله عليه وسلم يبعث معاذا إلى اليمن لأجل أن يعلمهم أمور الإيمان والدين والإسلام، وأعظمها وهو شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ وأن محمدا رسول الله. ومعاذ شخص واحد، فرد واحد. فهو من أخبار الآحاد، وأقيمت على أهل اليمن به الحجة. وقولهم: «وبعث الإمام العمال لجباية الزكاة». كما بعث معاذا لذلك. «وأنه يعظم ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويعلمهم». كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ فإنهم أطاعوك بذلك، فأمرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات». الحديث. قال رحمه الله: «وينهاهم عن الظلم». «وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب». «ويعرفهم سوء عاقبته». كما زقده. «والتنبيه على التعليم بالتدريج». التعليم بالتدريج: أول شيء الشهادة، ثم الصلاة، ثم الزكاة. وهكذا. قال: قلت: «ويبدأ بالأهم فالأهم». وعلم أنه لم يذكر في الحديث الصوم والحج، فأشكل ذلك على كثير من العلماء. قال شيخ الإسلام: أجاب بعض الناس: أن بعض الرواة اختصر الحديث. وليس كذلك؛ فإن هذا طعن في الرواة؛ لأن ذلك إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس. حديث: «حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره». فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيها كذلك. ولكن عن هذا جوابان: أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض. وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة؛ فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي. ولهذا لم يذكر وجوب الحج -كعامة الأحاديث- إنما جاء في الأحاديث المتأخرة. الجواب الثاني: ما في عال قلتم. وفي هذه النصفة قلتم. وهذا من الأحاديث المتأخرة؛ لأن بعث معاذ متى كان؟ كما مر معنا يا جماعة: متى؟ في السنة العاشرة. ومتى مات النبي صلى الله عليه وسلم؟ في بداية إيش؟ ها يا جماعة: في بداية الحادي عشرة. واضح. بعد أن رجع من الحج مات بعدها بأشهر يسيرة، بعد أن رجع من حجة الوداع. وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا في السنة العاشرة، وحج في السنة العاشرة، وبعدها بأشهر يسيرة مات صلى الله عليه وسلم. فدل هذا على أن الفرائض قد تمت، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كما تعرفون في السنة التاسعة بعث أبا بكر بالحج أميرا على الحج. فدل هذا على أن الحج فرض في السنة التاسعة. وبقية الفرائض قد فرضت قبل ذلك. فإذا بعث معاذا إلى اليمن كان بعد تمام الفرائض. فالقول بأنه كان هذا باعتبار فرائض الأول فالأول ليس بصواب؛ لأن هذا ليس حديثا واحدا، وهذا من الأحاديث المتأخرة، ولم يذكر فيها تلكم الفرائض. قال: الجواب الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم. قال: «فإما أن يكون قبل فرض الحج، وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج عليه». وهذه الأخيرة ليس متجهة؛ لماذا؟ ليس متجهة يا جماعة؛ ليس متجهة؛ لأن أبا موسى الأشعري، وكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وأرضاهما جاء من اليمن حاجين في حجة الوداع. جاء من اليمن حاجين في حجة الوداع. ويبعد كل البعد أن أهل اليمن كلهم ليس أحد منهم من أهل الحج. وفيهم الأغنياء، وفيهم الأقوياء، وفيهم ... إلى غير ذلك. فهذا يبعد. ولكن قد يقال كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هنا: أنه ذكر ما يقاتل عليه؛ بمعنى أنهم إذا التزموا بذلك، إذا التزموا بهذه الأمور كان ما بعدها لهم أوجب بالتزامها. وأوضح هذا يا جماعة: إذا التزموا بالشهادتين، ومن لازم الشهادتين العمل بمقتضاها. ومن العمل بمقتضاها العمل بكل ما أمر الله عز وجل به أو نهى عنه. ومن أعظم ما أمر الله عز وجل به فرائض الإسلام. ثم أمرهم بالصلاة؛ لماذا بالصلاة؟ لأنها الأمر الظاهر، الأمر الظاهر؛ لأنها أوجب الواجبات بعد الشهادتين. وكذلك أمرهم بالزكاة أيضا؛ لأنها أوجب الواجبات بعد الصلاة. ولأنهما من منع أو ترك الصلاة أو ترك الزكاة يقاتل عليها. ترك شهادتين أو ترك الصلاة أو الزكاة يقاتل عليها. بخلاف بقية الأمور من صيام وحج؛ فإن الإنسان قد يخفي ذلك، قد يخفي ذلك. فلا يظهر أنه ليس ملتزما بالصوم، وهو في الحقيقة لا يصوم. كما يستئت الإشارة إلى ذلك في الكلام الآتي. قال: «وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض». ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان. بخلاف الصوم؛ فإنه أمر باطن، من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة، ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد. فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم، وأن يأكل سرا. كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته. وهو يذاكر في الأعمال. وهو صلى الله عليه وسلم يذكر في الأعمال الظاهرة. نعم. صلى الله عليه وسلم يذكر في الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها، ويصيرون مسلمين بفعلها. فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصوم. وإن كان واجبا كما في آيتي براءة. نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس. وكذلك لما بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع، وهو باطن. ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص، ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة. أخرجاه: أي البخاري ومسلم. وأخرجه أيضا أح