المحاضرة بعنوان البيان في كيفية التخلص من المال الحرام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر عصر يوم الأحد 15 رجب 1447هـ الموافق 4 يناير 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الدرس عن تحريم الانتفاع بالأموال المأخوذة بغير حق، سواء بالبيع أو التصدق، مستنداً إلى الأحاديث النبوية. يُحذر من شراء أو قبول المال الحرام بأي طريقة كانت.
يُنبه على تحريم شراء أو قبول المال الحرام، ويعتبر الآخذ والمعطي شريكين في الإثم. يُشترط لجواز أخذ المال الحرام أن يعاد إلى أصحابه.
يوصي النبي برد المظالم إلى أصحابها قبل الممات، ويُشجع على استغلال الفرص لرد الأموال والأمتعة المأخوذة دون وجه حق. يُحاسب الإنسان يوم القيامة على الحسنات والسيئات.
يُنبه إلى عاقبة عدم إعادة المال المسروق لأصحابه، ويحث على التوبة الصادقة وإرجاع المال لمن سرق منه. يُشدد على أهمية استغلال الفرصة لإعادة الحقوق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس السابق، إخواني في الله، كان المجلس حول كلمات وتوجيهات في حقبة أخذ شيئًا من الممتلكات ومن أموال الغير، وذكرنا فداحة هذا الصنيع وفحش هذا العمل. وها نحن في هذا المقام نتحدث عن أمر مهم له تعلق بما قد مضى، ألا وهو كيف التصرف؟ لربما بعض الناس قد يصارحك الحديث بأنه نعم قد زلت قدمه وساء فعله وتورط فيما تورط به، فأخذ ما ليس له، إما لجهل أو لغشم. وهكذا هي الفتن تعصف بالناس، لكن يكون صاحبنا في الأرض الواقع وفي الأمر الواقع، وها هو المتاع والمال قد أخذه من غير حله، كيف يصنع به؟ الجواب، إخواني في الله، في كيفية التعامل مع ما أخذ، ينبغي أولًا أن ننظر إلى صنيع الناس كيف تصرفوا. فمن الناس من أخذ هذه الأموال والأمتعة والبضائع والأسلحة وانتفع بها انتفاعًا شخصيًا، فجعلوها لأنفسهم ولمن هم تحت أيديهم، سواء كان من مال أو من طعام أو من شراب أو من لباس. فهذا يلبس من هذه الملبوسات التي أخذها، وذاك الذي يأكل منها، وذاك الذي يركب من هذه المركوبات التي أخذها من الغير، وذاك الذي معه سلاحًا هو يستخدمه، فهو ينتفعون به انتفاعًا شخصيًا. وبعضهم يحتاج يقول: أنا محتاج، أنا مسكين، أنا فقير، أنا بأمس الحاجة إلى هذا المتاع. حتى إن بعضهم لربما سدد ديونه. حكمه هذا لا يجوز، محرم، حرام. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه». ما لك أي حق أن تنتفع من مال غيرك إلا بطيبة من أنفسهم. وهذا غير ظاهر في مثل هذه المسائل من الأخذ والغصب والنهبة والاعتداء والاستيلاء والسطو. أين طيبت النفس؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به». إذن، ما يتذرع به بعض الناس من حاجتهم وفقرهم وسداد ديونهم عبر أخذهم هذه الأمتعة التي أخذوها من غير حلها لا تحل لهم بحال، فهي حرام. صورة ثانية من صور تصرفات بعض الناس: أن منهم لربما يحاول أن يغطي على الأمر، فيتصدق. استطاع أن يغنم على حد زعم غنائم عدة، ذخائر أو أسلحة أو أموال، فقطع جزءًا منها وقال: هذه لله، لوجه الله. ويريد من هذه الصدقة أن تغطي على ما فعل من جرمه. هل هذا نافعه؟ هل يجوز أن تتصدق بالمال الحرام؟ الجواب: لا يجوز. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا». وجاء في الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إن ما عند الله لا ينال بالحرام». وجاء من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صدقة من غلول». والغلول هنا فسر عند شراح العلم بالمال الحرام بشكل عام. طائفة أخرى مثلًا يحاول أن يتخلص من هذه الأمتعة والأجهزة والثياب وغير ذلك عن طريق البيع. يبيع مباشرة، حتى إن بعضًا يبيع بمبلغ زهيد ويرى أنه ببيعه قد تخلص. لا، الجواب: ما تخلصت، هذا انتفاع. وكونك تبيع هذه الأمتعة التي أخذتها من غير حلها، في حقيقة أدخلت على نفسك مالًا حرامًا آخر. أدخلت على نفسك حرامًا آخر، فلا يجوز الانتفاع أبدًا بهذه الأمتعة للانتفاع الشخصي بعينه، ولا أن تبيعه، ما يجوز أبدًا. وهذا يجرني إلى مسألة قريبة، وهنا أحب أن أنبه عليها: أن في هذا المال الحرام لا تظن يا عبد الله أن الإثم إنما يتعلق بالطرف الأول لا، الطرف الثاني وهو الذي استلم منك هذا المتاع المأخوذ من غير حله هو شريك معك في الإثم، ولا يجوز. مثاله: يأتيك بعض الناس يا صاحب المحل، يا صاحب الدكان، أيًا كنت، تقول: خذ هذا مال، هذا متاع، هذا سلاح، هذه شاشة، هذا دراجة. فيعرضها عليك وأنت تعلم علم اليقين وبغالب الظن أن هذا ما أتى به إلا من هناك، من الفتنة ومن البلية ومن أماكن الغير. أتى به من معسكرات، أتى به من مراكز، أتى به من هنا وهنا. وتعلم أنها أموال ليست له، فهل يجوز لك أن تشتري هذا بحجة أنك ما سرقت ولا أخذت؟ هل يجوز؟ الجواب: لا يجوز. لا يجوز أنك تشتري المال وأي متاع وأي سلعة تعلم أنها جاءت وجاءها أحد الزبائن وأنك تعلم بأنها جاءت من مال مسروق أو مغصوب أو من غير حله. لا يجوز أن تشتري منه، ليس فقط الشراء، بل حتى لو جاءتك هدية. تأتي الأسئلة: يقول يا أخي جاءني فلان يقول خذ، إيش هذا؟ أعطاه شيء مثل هذه البدلات والضرابيش وأسلحة ورصاص. أن بعضهم يهني يهني الآن يهني، ما يهني إلا بالحرام. لما كان حلال ما هنى، ما يهني إلا الحرام. المهم أصبح هذا يهني لغيره، يسأل الناس: تأتين هبة، تأتين هدية من هذا ومن ذاك، ما حكمه؟ لا يجوز. ما يجوز أن تأخذ شيء. هذه قاعدة: كل ما كان من مال محرم لا يجوز يا عبد الله أن تستفيد منه، لا الآخذ ولا المعطي، الكل على حد سواء. وقد أجاب على ذلك العلماء، ومن ذلكم ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: «فمن علمت أنه سرق مالًا أو خانه في أمانته أو غصبه -يعني افترض مسألة- لأن جاءني أحد سرق مال أو خانه في أمانة خيانة لسلعة أو أنه غصبه. قال رحمه الله تعالى: لم يجز لي أن آخذه منه لا بطريق الهبة ولا بطريق المعاوضة ولا وفاء عن أجره ولا ثمن مبيع ولا وفاء عن قرض، مهما أدخل هذا الأخ أو الشخص أدخل علي هذا المتاع المسروق أو المغصوب بأي جهة كانت، أدخلوا على أنه هبة مرفوض، أدخلوا على أنه هدية مرفوض، أدخلوا على أنه السداد لدين مرفوض، أو أنه سلعة مرفوض». وعلى هذا أفتى العلماء: ما يجوز أن تستقبل هذه الأموال التي تأتيك إلا حالة واحدة أجازها بعض العلماء، وهي ما هي الحالة؟ لك أن تستقبل هذا المال بشرط أنك تأخذه وتسلمه إلى أصحابه، خيرًا فعلت. قل له: إيش معك؟ هذا معك ذخائر، معك أسلحة، معك هت، بكم اشتريت؟ وارجع. قل يا جماعة هذا لكم، خذوا. ارجع المال لأهله تشكر على هذا. أما أنك تأخذه لنفسك فأنت شريك في الإثم. فالشاهد، إخواني في الله، إذن كل هذه الأشياء التي سمعتموها لا يجوز. قد يقول قائل: طيب ما الحيلة؟ أنا أريد مخلص، مخرج مما أنا ابتليت به. نقول: يا عبد الله، المخرج التوبة. وتوبوا إلى الله. ولله الحمد نحن في هذه الملة السمحة والشريعة الحنيفية التي فتح الله فيها أبواب الخير حتى للمذنبين والمقصرين والمعتدين والظالمين، ومنهم من أخذ أموال الآخرين. فتح لك باب التوبة وتوبوا إلى الله. وقد أجمع العلماء على أن من كان ذنبه فيما يتعلق بحقوق الآخرين وجب أن يوفيها، يوفيهم إياها حتى يتحلل. جاء في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها اليوم». هذا الحل، تحلل يا عبد الله من المظالم، من أي مظلمة، ومنها من مظالم الأموال. إذا أردت يا عبد الله أن ينجيك الله مما قد وقعت به، هناك طريق أوحد: ارجع الأموال والأمتعة إلى أصحابها. جاء في صحيح الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله عبدًا كانت له عند أخيه مظلمة من عرض أو مال فجاءه فاستحله قبل أن يؤخذ فما ثم دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات». هذه هي وصيته عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الحل لكل من ابتلي. رحم الله عبدًا يدعو له النبي بالرحمة يا عبد الله، واستغل الرحمة بأن من كانت عنده مظلمة وهي مظالم سواء كانت عرضًا أو كانت أموال، الحل فجاءه فاستحله. تأتي يا عبد الله إلى من أخذت ماله وتستسمح منه، تستسمح منه قبل أن يؤخذ، قبل أن تأتيك منيتك. إذا ذهبت منيتك وقبض روحك ما ثم هناك تعويض، ما هناك متاع، ما هناك عندي لا دنانير ولا دراهم ولا عوض، ما هناك إلا الحسنات والسيئات. ونحن في هذه البلاد الطيبة أهلها، ولله الحمد، الجهات المختصة قد أتت بهذه المبادرة الطيبة بإرجاع كل ما أخذ. إرجع يا عبد الله، ما الذي أخذته؟ إرجعه من مطعوم، من ملبوس، من مشروب، من أي متاع، سلاح، ذخيرة، أي شيء. إرجعه يا عبد الله حتى تستحل من هذا الذنب الذي ابتليت به. وليس من شرط الاستحلال أنك تظهر نفسك، كما قال العلماء: ليس شرط. بعض الناس يقول: أنا ما عندي وجه إني أظهر. لا، لا تظهر. بإمكانك أن ترسله مع أي أحد. أخي، هذا كيس أو صرة إلى الجهة الفلانية. خلاص، المال يرجع، يرجع فقط. ظهرت أو لم تظهر، الأمر سهل. وقد أجاز العلماء هذا المقام. وليس لك يا عبد الله أنك تتلف هذا المتاع، ولا أن تتصدق بهذا المتاع، ولا شيء من ذلك. فينبغي يا عبد الله أنك تسارع إلى إرجاع الحقوق لأن هذا هو الحل الوحيد. وإلا فقد سمعت يا عبد الله في الدرس السابق مغبة من ابتلي بمثل هذا المال الحرام. وليحمد الله وليحمد الله كل عبد مسلم وقى نفسه هذه الفتن، فجلس في بيته وجلس في مسجده والناس في هيص بيص ولا يبالي بهذا. والحمد لله الذي كفاك وأغناك الله من فضله يا عبد الله، احمد الله يا من لم تتورط لا بالدماء ولا بالأموال ولا بالأعراض، احمد الله على العافية. وهم الأكثر ويشكرون، يشكر كل عاقل حين أن تأنى في مثل هذه المواقف. ومع ذلك من ابتلي فتعجل فوقع فيما لا ينبغي أن يقع فيه، لا زال المقام مفتوح أنك تعجل ولا تتذرع يا عبد الله بأي ذريعة. لا تتذرع بأي ذريعة. وافترض يا عبد الله، وهذا هو المقياس الذي ينبغي أن يقاس: افترض نفسك يا عبد الله ما لو أن لك متاعًا عندك محل، عندك سيارة، عندك بضائع قادمة، فقدر لها أو أنها في البحر أو أنها في البر أو أنها في الجو، قدر لها أنها ما تصل، سقطت. إن قلبت السيارة فهاج الناس وأخذوها، أخذوها إلى بيوتهم وهي مالك، أنت مالك. بحر مالك، لكن قلبت وأخذ. ثم تنادى الناس: غنائم، غنائم، مال مرمي في الشوارع، فهب الناس وأخذوا هذا المال. بالله عليه ماذا سيكون شعورك؟ هل ستفرح؟ تقول: هنيئًا لهم؟ تقول: لا، سأدعو عليهم ليلة نهار، أخذوا مالي سحت. وهكذا قس ما أنت فيه. انتبه يا عبد الله، لا تتذرع بأعذار شيطانية. قس نفسك قبل أن تقيس غيرك. وثم أعلام يا من تريد أن تتمادى في هذا الباب، حالك كما قال عليه الصلاة والسلام في الذي يأكل من المال الحرام: «كأنه يأكل ولا يشبع». خذ الذي تريد، لكن خذها ما سيأتي عليك الأيام والأشهر إلا هذا المال قد ذهب السوداء، لن تشعر ببركته، وسيذهب أدراج الرياح. وحين ستندم لو أنك أرجعته إلى أهله، فحين ستعلم أنك لم تستفد من المال ولا استفدت من التوبة. فالله الله إخواني في الله في مثل هذه المقام. ونحمد الله جل في علاه أن جعل لنا فرصة في حق من ابتلي بهذه الورطة في أن يعيد المال إلى أهله. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.