الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
مر النبي ﷺ على امرأة تبكي عند قبر ابنها فأمرها بتقوى الله والصبر، فردت بغضب لجهلها به، ولما علمت أنه رسول الله ﷺ اعتذرت، فقال لها: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". تُبرز الواقعة رفق النبي ﷺ في إنكار المنكر وعذره للجهل.
يشرح المقطع أن الصبر الحقيقي هو الثبات والاحتساب فور نزول المصيبة بالقول والعمل، وليس الصبر الاضطراري بعد مرور الوقت الذي يشبه صبر البهائم. ويضرب المثل بالصدمة الحسية والمعنوية لبيان الحاجة إلى الثبات الفوري عند سماع الخبر المفجع.
يستعرض المقطع فوائد متعددة منها حسن خلق النبي ﷺ في إنكار المنكر برفق، ووجوب تواضع العالم وعدم احتجابه عن الناس، وتأكيد أن الصبر المشروع يكون عند الصدمة الأولى، وأن البكاء عند القبر ينافي الصبر الواجب.
يُحذر المقطع من استمرار زيارة القبر والبكاء عنده لأيام أو شهور بعد الوفاة، معتبراً ذلك دليلاً على عدم الصبر ومخالفاً لنهي النبي ﷺ عن الجزع عند القبور. ويُختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا التوجيه والشكر لله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين" في باب الصبر: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتق الله واصبري". فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم. فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "تبكي على صبي لها". ومعنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما مر على مقبرة، إذا بامرأة جالسة عند قبر صبي لها مات، وكانت تحبه حبًا شديدًا، فلم تملك نفسها حتى خرجت إلى قبره لتبكي عنده. فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بأمرين اثنين: الأمر الأول: تقوى الله، لأن فعلها هذا ينافي تقوى الله، فهذا الفعل دليل على الجزع وعلى التسخط، فلذلك أمرها بالتقوى. وأمرها بالصبر، لأن فعلها هذا ينافي الصبر، فأمرها بهذين الأمرين. فقالت له هذه المرأة، ولم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إليك عني". ومعنى "إليك عني": أي ابعد عني، ابعد عني، يعني كأنها تقول: لست بحاجة إلى نصحك ولا إلى توجيهك، فابتعد عني. ولم تعرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت له كذلك: "إنك لم تصب بمصيبتي"، كأنها تقول له: أنت ما تعلم ما في قلبي، وما تعلم عظيم هذه المصيبة التي حلت بي، لو كنت في مقامي لفعلت فعلي هذا. هذا معنى كلامها: "لم تصب بمصيبتي"، أنت ما وقع لك مثل ما وقع لي، هذا معنى كلامها. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها، ولم يزد على ذلك عليه الصلاة والسلام، لم ينهرها، ولم يأخذ بتلابيبها، ولم يأمر بأخذها. وإن من انصرف عليه الصلاة والسلام عنها... فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم، قيل لهذه المرأة: أتدري من الذي تخاطبين، ومن الذي قال لك ذلك؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمرأة شعرت بالخجل وشعرت بالندم، فما كان منها إلا أن ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعتذر مما بدر منها. فلما جاءت إلى بيته عليه الصلاة والسلام، لم تجد على الباب بوابين، أي ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه الصلاة والسلام. وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، ما كان يختفي، وما كان يمتنع من مجالسة الناس، ومن الاستماع منهم وحل مشاكلهم. فكان من أراده عليه الصلاة والسلام يدخل عليه في أسهل وأيسر طريق. فأخبرته هذه المرأة أنها لم تعرفه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". ومعنى "إنما الصبر عند الصدمة الأولى": أي الصبر الذي يثاب عليه الإنسان، بأن فيه معنى الاحتساب، هو أن يصبر أول ما تصيبه المصيبة، وأول ما يخبر بهذه المصيبة. مات لك قريب، فأول ما أخبرت وأشعرت أو علمت بذلك، قلت: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها. هذا هو الصبر الذي يثاب عليه الإنسان. ما ناح، وما ضرب خدًّا، ولا شق جيبًا، ولا رمى بجوال، ولا كسر صحنا، ولا فعل شيئًا مما يدل على التسخط. وإنما ثبته الله، وربط الله عز وجل على قلبه، فقال هذا الدعاء الذي أمر به. فهذا هو الصبر الذي يثاب عليه الإنسان. أما الصبر بعد ذلك، بعد ما يمر وقت، ربما ساعات أو أيام، فيصبر، فهذا في الحقيقة مثل صبر البهائم، لأنه صبر اضطراري. أمر قد وقع، فما معه إلا أن يصبر. فهذا ليس هو الصبر المطلوب، وليس هو الصبر الحقيقي. وإنما الصبر الحقيقي عند أول ما يصلك الخبر، وأول ما تنزل بك هذه المصيبة. "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". وهذا فيه دليل على أن تلك المصائب صدمة، صدمة يصطدم بها الإنسان، فهنا يحتاج إلى ثبات. مثل الآن: سيارة تصدمك، بعض الناس لربما يثبت ويصبر ويقاوم، يقاوم هذه الصدمة من دراجة أو من شخص أقوى منه أو نحو ذلك، لربما قاوم. فهذا هو الثبات. وهكذا في المصائب: هو أمر معنوي، أمر معنوي تصدم بخبر مفجع في مالك، أو في أهلك، أو في ولدك، أو في بيتك، أو نحو ذلك. فهنا يظهر مدى صبرك، ومدى ثباتك، ومدى رضاك بقضاء ربك سبحانه وتعالى. "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: الصبر. وهذا الصبر على المصائب، والحديث فيه فوائد أخرى أيضًا ذكرها الشيخ عثيمين ها هنا: منها: حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام، ودعوته إلى الحق وإلى الخير، فإنه لما رأى هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها بتقوى الله والصبر. وهكذا ينبغي للمسلم أن ينكر المنكر برفق ولين، وأيضًا برحمة شفقة، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومما يدل على حسن خلقه عليه الصلاة والسلام أيضًا: أن المرأة لما قالت له: "إليك عني"، لم ينتقم لنفسه، ولم يضربها، ولم يقمها بالقوة، لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها، ولهذا خرجت من بيتها لتبكي على هذا القبر. ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان يعذر بالجهل. هذه المرأة جاهلة، لو كانت تعلم بالحكم الشرعي في مثل هذا الفعل ربما ما فعلت ذلك، وأيضًا لو كانت تعلم أن الناهي لها هو الرسول صلى الله عليه وسلم لاستجابت. فأعذرها النبي صلى الله عليه وسلم بجهلها. ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان المسؤول، أو العالم، أو الشيخ، أو ذي الوجاهة، أن يجعل على بيته بوابًا يمنع الناس، إذا كان الناس يحتاجون إليه. الناس يحتاجون إلى هذا العالم يستفتونه ويستشيرونه، فينبغي أن يجعل لهم وقتًا ليجلس معهم وليحل مشاكلهم. وأيضًا المدير أو المسؤول في وزارة أو في إدارة ما، ينبغي أن لا يحتجب عن الناس ومصالح الناس متوقفة عليه. هذا يريد توقيع، وهذا يريد معاملة، وهذا كذا، وهو محتجب. يأتي الناس يقولون: ما تستطيع تدخل عنده؟ كيف؟ أنا أريد توقيع، أريد أن هذه المعاملة تجري وتمشي. يقولون: لا، تعال بعد يومين، تعال بعد أسبوع، تعال بعد شهر. ما ينبغي هذا. انظر رسول الأمة عليه الصلاة والسلام، وقائد الأمة صلى الله عليه وسلم، ما كان على بابه بوابين يمنعون الناس. امرأة جاءت ودخلت مباشرة، ما وجدت ما يمنعها من الدخول. فهكذا ينبغي للمسلم أن يقتدي بنبيه، وأن يتواضع لعباد الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد هذا الحديث: أن الصبر الذي يحمد فاعله هو الصبر عند الصدمة الأولى، كما تقدم معنا. ومن فوائد هذا الحديث: أن البكاء عند القبر ينافي الصبر. البكاء عند القبر ينافي الصبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على هذه المرأة، قال لها: "اتق الله واصبري". فما يفعله بعض الناس، لربما قد مات الميت وله أيام أو شهور، وهو لا يزال يذهب إلى قبره ويبكي عند هذا القبر، فهذا فيه معنى عدم الصبر، عدم الصبر، وهو ينافي الصبر لإنكار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذه المرأة. طيب، نكتفي بهذا، وإلى الله تعالى شكرا.