باب الصبر من رياض الصالحين 17

باب الصبر من رياض الصالحين 17

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم الإكراه على الكفر والفرق بين الرخصة والعزيمة

إذا أكره المسلم على الكفر وخيف أن يؤدي إظهاره الكفر إلى فتنة الناس، فالأولى له الصبر على القتل اختياراً للعزيمة لا الرخصة. وقد استدل العلماء بذلك بفعل الراهب والغلام وجليس الملك الذين آثروا الموت ثباتاً على التوحيد.

مشروعية الجهاد وثبات السلف وتحريم العمليات الانتحارية

الجهاد شرع لإعلاء كلمة الله، فلا يجوز للمجاهد الفرار ولا إظهار الكفر لتجنب القتال، كما ثبت الإمام أحمد تحت التعذيب في فتنة خلق القرآن. وأكد الشيخ ابن عثيمين تحريم العمليات الانتحارية لأنها قتل للنفس ولا دليل على جوازها من حديث الغلام.

تفريق الشيخ ابن عثيمين بين قصة الغلام والعمليات الاستشهادية المعاصرة

فرق الشيخ ابن عثيمين بين تضحية الغلام التي أسلمت أمة بأكملها، والعمليات الاستشهادية المعاصرة التي لا تحقق مصلحة للإسلام وتستدعي بطش العدو. ورأى أن من قتل نفسه عمداً دون مصلحة شرعية خالدة في النار، مستشهداً بواقع فلسطين وغزة حيث زادت التفجيرات من فتك العدو بالمسلمين.

حكم الانتحار وعواقبه في الشرع

الانتحار يعد قتلاً للنفس بغير حق ويوجب دخول النار، وصاحبه لا يُعد شهيداً. ويعود سبب هذا الضلال إلى الفهم السقيم للنصوص واتباع الهوى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فانتهينا من شرح وقراءة حديث الغلام والساحر، وبقيت الفوائد المتعلقة بهذا الحديث، وفوائد كثيرة نقتصر على الأهم منها. من أهم فوائد هذا الحديث: أن المكره على الكفر إذا كان إكراهه فيه مفسدة دينية ككفر الناس بعده أو ضلال الناس بعده، فهنا لا يأخذ بالرخصة بل يأخذ بالعزيمة. فانظر إلى هؤلاء الثلاثة: الراهب، والغلام، وصاحب الملك أو جليس الملك، مع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِلَّا مَن أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾، إلا أن الثلاثة اختاروا القتل على الأخذ بالرخصة. وإلا فلو قالوا بالكفر وأظهروا الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان فلا يكفرون، لكن أخذوا بالعزيمة لما في تلك العزيمة من الدعوة إلى التوحيد وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده. ولذلك فصل أهل العلم في مسألة الإكراه، فقالوا: إذا كانت المسألة تتعلق بالشخص نفسه فهنا له الخيار، إن شاء قال كلمة الكفر دفعاً للإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان، وإن شاء أصر وأبى ولو قُتل، ولو قتلاً. فهذا إذا كان الأمر يتعلق بذات الشخص، بنفس الشخص، ما فيه تبعات أخرى، وما فيه كذلك فتنة لغيره. وأما إذا كان الأمر يتعلق بالدين، بمعنى أنه لو كفر في الظاهر أمام الناس لكفر الناس أو ضل الناس أو نحو ذلك، فهنا لا يجوز له أن يقول كلمة الكفر، بل يجب عليه أن يصبر ولو قُتل، يجب عليه أن يصبر ولو قُتل. واستدلوا على ذلك بالجهاد في سبيل الله، المجاهد يقاتل وهو يعلم أنه لربما يقتل في أي لحظة، لكن لما كان الجهاد في سبيل الله يراد به إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، فهنا شرع هذا الجهاد، وحرم للمجاهد إذا دخل في الجهاد أن يولي الأدبار، بل هذا الأمر من الموبقات ومن كبائر الذنوب. فدل ذلك على أنه لا يرخص له في إظهار الكفر ويترك الجهاد. نعم. وأيضاً هذا ما عليه أئمة السلف، كالإمام أحمد رحمه الله تعالى في فتنة خلق القرآن، فإنه كان يراد منه أن يقول كلمة واحدة: أن القرآن مخلوق، وامتحن بهذه المحنة العظيمة المشهورة فلم يجبهم، مع أنه أوذي أذى شديداً، يضرب ضرباً شديداً حتى يُغمى عليه، حتى يُغمى عليه، بل يجر بالبغلة في الأسواق ويضرب بالسياط حتى يُغشى عليه، رحمه الله تعالى، وما نطق بهذه الكلمة حتى نصره الله سبحانه وتعالى وأهلك أولئك الأئمة الذين يقولون بهذه المقولة، حتى فرج عنه رحمه الله تعالى رحمة واسعة. هذا من فوائد هذا الحديث التي ذكرها أهل العلم. كذلك من فوائد هذا الحديث مما ذكره أهل العلم أيضاً، وهذا ما نص عليه الشيخ ابن عثيمين في شرحه لهذا الحديث، أنه قال: ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلى الكفار ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس، ولا دليل في حديث الغلام على جواز هذه المسألة، لا دليل. لماذا؟ ما الفرق؟ هؤلاء الآن الذين - مثلاً - يلفون أنفسهم بالمتفجرات ثم يذهبون إلى وسط الكفار ويفجرون أنفسهم، طيب، هؤلاء ماذا استفاد الإسلام من فعلهم هذا؟ إذا قتل اثنين أو ثلاث أو خمس أو عشر أو عشرين، كم سيقتل الكفار من المسلمين أضعافاً مضاعفة، كما هو الحال في زماننا هذا؟ فالفرق أن هذا الغلام لما غرر بنفسه ودل هذا الملك على طريقة قتله، هذا فيه مصلحة عامة للمسلمين، فيه مصلحة عامة للمسلمين، إذ اتخذ هذه الطريقة وهذه الكيفية فأسلم كثير من الناس، أمة من الناس، وحدوا الله عز وجل وتركوا عبادة غيره، فهذه لاشك أنها مصلحة متحققة ومصلحة ظاهرة، بخلاف فعل هؤلاء. وهذا هو ما عليه أئمة هذا العصر، الشيخ ابن عثيمين، في هذا الموضوع وفي غيره. يقول الشيخ ابن عثيمين متابعاً إنكاره على هؤلاء: قال: «ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين»، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مئة أو مئتين لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام. ولما وقع في غزة عبرة وعظة: ماذا فعل من يسمون أنفسهم بحماس في اليهود؟ وماذا فعل اليهود بأهل غزة؟ أبادوهم إبادة، قتلوا منهم الآلاف من النساء والأطفال وكبار السن الشيوخ ونحو ذلك. فهذا كلام أهل العلم، متى شرح هذا الشيخ ابن عثيمين هذا؟ قبل سنوات طويلة، قد توفي رحمه الله، ما قرابة خمسة عشر سنة، بل أكثر من ذلك، ربما عشرين سنة. ويقرر أهل السنة هذه الأصول العظيمة من أصول دعوة أهل السنة. يقول الشيخ ابن عثيمين: لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، وهذا ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين أشد الفتك. انظروا إلى كلام الراسخين في العلم. ثم قال ابن عثيمين متابعاً إنكاره على هؤلاء: قال: كما يوجد من صنيع اليهود مع أهل فلسطين، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة، أخذوا من جراء ذلك ستين نفراً أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، والانتفاع للذين فُجرت المتفجرات في صفوفهم، في صفوفهم. قال: ولهذا نرى أن ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار نرى أنه قتل للنفس بغير حق، موجب لدخول النار والعياذ بالله، وأن صاحبه ليس بشهيد، وأن صاحبه ليس بشهيد. هذا هو فهم العلماء لمثل هذه النصوص، وما ضل هؤلاء إلا بفهمهم السقيم للنصوص مع اتباعهم للهوى والعياذ بالله. وللحديث بقية في ذكر فوائد أخرى لهذا الحديث، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.