باب الصبر من رياض الصالحين 15

باب الصبر من رياض الصالحين 15

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ابتداء قصة الغلام والساحر والراهب

يستهل الشيخ شرح حديث صهيب عن الغلام الذي أُرسل ليتعلم السحر فمر براهب وأعجب به، ثم ابتُلي بدابة عظيمة فدعا الله فقتلها. ويبين فضيلة التعلم في الصغر وحفظ العلم فيه مقارنة بالكبر، وبشارة الراهب للغلام بالفضل مع التحذير من الفتنة.

تفاصيل قصة الغلام مع الساحر وآية قتل الدابة

اختار الملك غلاماً صغيراً ليتعلم السحر من ساحر، فمر الغلام براهب وأعجب بكلامه فجعل يجلس عنده مما أدى لتأخره عن الساحر الذي كان يضربه. حار الغلام بين الساحر والراهب، فدعا الله عند دابة عظيمة تسد الطريق أن يقتلها إن كان الراهب على الحق، فرمى حجراً فقتلها فاستبان له الحق.

كرامات الغلام المؤمن وتواضعه في نسبة الشفاء لله

يستبشر الراهب بكرامات الغلام واستجابة دعائه ويأمره بكتمان أمره خوفاً من الملك، فيشفي الغلام الأكمه والأبرص بالدعاء لا بالمسح. يرفض الغلام نسبة الشفاء لنفسه عندما يطلب جليس الملك الأعمى الشفاء مقابل هدايا، مؤكداً أن الشافي هو الله وحده مقتدياً بهدي شيخ الإسلام ابن تيمية.

ختام الدرس والإعلان عن استئناف القصة لاحقاً

أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد للدرس مشيراً إلى طول القصة التي تستدعي مواصلة الحديث في الدرس القادم إن شاء الله. واختتم بالدعاء بالرحمة مع ذكر اسم المترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، وفي باب الصبر، الحديث السادس: وعن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإن خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينا هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها، ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي». وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك. فآمن بالله تعالى، فشفاه الله تعالى. إلى آخر ما ورد في هذا الحديث، وهو حديث طويل نأخذه شيئا فشيئا حتى ننتهي منه إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث فيه قصة عجيبة، النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بها، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم لقصص الأمم السابقة من أجل أن نأخذ منه العبرة والعظة. ففي هذه القصة أن رجلا من الملوك ممن سبق كان عنده ساحر، اتخذه هذا الملك بطانة له من أجل أن يستخدمه في مصالحه، وكذلك أمور ملكه، لكنها قائمة على السحر وعلى التعامل مع الجن والعفاريت ونحو ذلك. فهذا الساحر لما كبر، طعن في السن، خشي أن يموت، ولم يأخذ هذه المهنة أحد من رعية الملك، فقال للملك: إني قد كبرت، فابعث غلاما وأعلمه السحر، ابعث لي ولدا صغيرا وأعلمه السحر. واختار هذا الساحر الغلام الصغير؛ لأن الغلام الصغير أقبل للتعليم، ولأن التعليم للغلام الشاب هو الذي يبقى ولا ينسى. ولهذا كان التعلم في الصغر خيرا بكثير من التعلم في الكبر، وذلك لأن الشاب في الغالب أفرغ حفظا من الكبير، فهو فارغ البال، ما عنده أسرة، ما عنده أعمال، ما عنده مشاغل، ما عنده متاعب، فهو متفرغ، ويكون أدعى لقبول العلم. وأيضا الشاب ما يحفظه يبقى، أما الكبير فما يحفظه ينساه. والحكمة المشهورة: أن الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، وأما الحفظ في الكبر فهو كالنقش في المدر. فالشاب يرسخ العلم في ذهنه، فلذلك اختار هذا الملك أن يكون المتعلم شابا غلاما حتى يكون أدعى للفهم والحفظ وسرعة أخذ هذا العلم منه. فجاء هذا الغلام إلى الساحر، لكن عندما جاء إلى الساحر مر هذا الغلام براهب، والراهب هو العابد الذي يجلس في صومعته يتعبد لله عز وجل، وقد يكون عنده علم، وقد يكون ليس عنده علم، وهذا هو الغالب، لكن العابد خير من غيره ولو لم يكن عنده علم، فإنه لا يتكلم إلا بالخير، ويكون على عبادة ربه. المهم، هذا الغلام أعجبه كلام هذا الراهب، فصار إذا خرج هذا الغلام من أهله جلس عند الراهب. طبعا، جلوس هذا الغلام عند الراهب سيؤدي إلى ماذا؟ إلى تأخره على الساحر. يجلس عند الراهب ويتأخر على الساحر، فالساحر إذا تأخر هذا الغلام ضربه، يقول له: لماذا تتأخر؟ فذهب هذا الغلام إلى الراهب وشكا إليه، قال: إني أتأخر على الساحر فيضربني، فيريد أن يوجهه هذا الراهب. فقال له الراهب: إذا ذهبت إلى الساحر وخشيت أن يعاقبك فقل: حبسني أهلي، يعني سبب التأخير هو أهلي، ما تركوني أخرج إليك مبكرا. نعم. وإذا أتيت أهلك وتأخرت عليهم فقل: حبسني الساحر. طيب، قد يقول قائل: إذا هذا كذب، كيف يعلّم الراهب هذا الغلام الكذب؟ حمل أهل العلم هذا على أن الراهب رأى المصلحة في هذا، وأن المصلحة غالبة على المفسدة، أو أنه لجهله؛ لأن الغالب كما تقدم في الرهبان الجهل، فلعلّه ذكر ذلك للغلام من غير علم ولا بيّنة، يحتمل هذا وهذا. المهم، ففعل الغلام ذلك، فصار إذا جاء تأخر على الساحر قال: حبسني أهلي، وإذا تأخر على أهلي قال: حبسني الساحر، وهو في الحقيقة يجلس عند الراهب ويسمع منه. نعم. فالغلام أصابه شيء من الشك: أهو الراهب أم الساحر؟ من هو الذي على الحق وعلى الصواب، وهو غلام صغير. فذات مرة كان يمر في الطريق، فإذا بدابة، والدابة: كل ما يدب على الأرض، ولم يذكر في هذا الحديث نوع هذه الدابة، قد تكون مثلا حية، قد يكون مثلا شيء مفترس، أسد مفترس، قد يكون... المهم: دابة عظيمة، أي كبيرة، منعت الناس من المرور، قطعت الخط كما يقال، قطعت الطريق، الناس يريدون يمرون وهي في طريقهم، ولم يستطع أحد أن يبعدها عن الطريق. فجاء هذا الغلام، فدعا الله، دعا الله هذا الغلام، فقال في دعائه كما مر في الحديث بعدما أخذ حجرا: اللهم إن كان أمر الراهب خيرا من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة. فرماها بالحجر فقتلها، ومضى الناس يمشون. فالله عز وجل استجاب دعوة هذا الغلام، وعلم هذا الغلام أن الراهب على الحق، وأن الساحر على الباطل، لأن الله عز وجل استجاب دعوته لما دعا بهذه الدعوة، فلا شك أن الساحر ظالم وأنه كافر، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾. فلما الساحر فعل ذلك، ذهب عند الراهب وأخبره بما وقع له، فاستبشر الراهب خيرا، وقال له: أنت خير مني. لماذا؟ لأنه علم أن هذا الغلام مستجاب الدعوة. نعم، وهذا فيه أن الإنسان إذا دعا الله عز وجل ووجد استجابة من الله سبحانه وتعالى يستبشر خيرا، ويزداد إيمانه ويقينه بالله سبحانه وتعالى. ولذلك شُرعت الاستخارة للإنسان، لماذا شُرعت الاستخارة للإنسان؟ من أجل أن يكل أمره إلى الله، فيختار الله عز وجل له ما هو خير لهذا المستخير، ما هو خير له. نعم، فشُرعت الاستخارة لذلك. المهم، الغلام كان له كرامات، فمن كراماته أيضا أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، يعني يدعو لهم فيبرؤون، إنسان أكمه وأبرص بهذين المرضين، فيدعو الله أن يشفيهم فيشفون بإذن الله سبحانه وتعالى. فذكر أهل العلم أن فعل الغلام هذا إنما يكون بالدعاء، بخلاف ما جاء في قصة عيسى بن مريم، فإنه يكون بأن يمسح صاحب العاهة فيبرأ بإذن الله عز وجل، فيستجيب الله دعاءه، أما هذا الغلام فإنما هو بالدعاء فحسب. نعم، وقد أخبر الراهب هذا الغلام أنه سيبتلى، يعني يكون له محنة واختبار، فطلب من الغلام أن لا يخبر به إن هو ابتلي بشيء، لأن الراهب مؤمن بالله، وهذا الغلام مؤمن بالله، وملك البلاد كان يدعو الناس لعبادته، فإذا علم الملك أن أحدا يعبد غيره فلربما قتله، كما سيأتي. نعم، قتله وأمره بالرجوع عن الإيمان بالله إلى الإيمان به. فطلب هذا الراهب من هذا الغلام أن لا يخبر بشأنه أحدا. كان للملك جليس، جليس أعمى لا يبصر، يجلس عند الملك ويتحدث معه، فهو من القريبين من الملك. فعلم هذا الجليس أن هذا الغلام استفاد منه الناس، وأن أناسا بإذن الله عز وجل شفوا من أمراضهم، فذهب هذا الرجل وأتى بهدايا، يعني أشياء ثمينة وكثيرة، إلى هذا الغلام، وقال له: إن شفيتني أعطيك هذه الهدايا. قال للغلام: إن شفيتني أعطيك هذه الهدايا، فهذا الغلام قال له: إنما يشفيك الله، لست أنا الذي أشفي، إنما يشفيك الله سبحانه وتعالى. انظر هذا الغلام غير مغتر بنفسه، وغير مغتر بإيمانه، وإنما وكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يشفي المرضى. نعم، فهو الذي يشفي المرضى، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، لا ينسب شيئا لنفسه. يذكرون قصة عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، أنه كان يقرأ على مصروع، يعني متلبس به جني، فيقرأ عليه شيخ الإسلام، لكنه لم يخرج، فجعل الشيخ يضربه على رقبته ضربا شديدا حتى أن يد الشيخ وجعته من الضرب، فتكلم الجني الذي في الرجل، وقال: أنا أخرج كرامة للشيخ، يعني كرامة لشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فماذا قال شيخ الإسلام؟ قال لهذا الجني: لا تخرج كرامة لي، ولكن أخرج طاعة لله ولرسوله، طاعة لله ولرسوله، لا يريد أن يكون له فضل، بل فضل لله أولا وآخرا. فخرج هذا الجني طاعة لله ولرسوله. وهذا الغلام كذلك لم ينسب هذا الشيء إلى نفسه. والوقت قد انتهى، والكلام يطول لطول القصة، فللحديث بقية نكمله إن شاء الله في الدرس القادم. رحمة الله. ترجمة نانسي قنقر