شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 16

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 16، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

عواقب المعاصي وثمار الطاعات على المنزلة والذكر

تؤدي المعاصي إلى هوان العبد عند الله والناس، بينما ترفع الطاعات منزلته وتنشر له ذكراً جميلاً وتجعله عزيزاً مكرماً، كما دلّت الآيات على تكريم المتقين ورفع ذكر الأنبياء وأتباعهم.

العز الحقيقي بطاعة الله ونصيحة الابن بتجنب ميدان الباطل

العز في الدنيا والآخرة مقرون بطاعة الله والكلم الطيب والعمل الصالح، وينصح الوالد ابنه في ريعان شبابه بالحذر من الدخول في ميدان الزور والباطل، فمن لا ينأَ عنه ينشب فيه ك الصيد في المصيدة.

خطر اتباع الشهوات وصعوبة التخلص منها بعد التمكن

الانجرار وراء الشهوات يشبه المصيدة أو السجن الذي يصعب الفكاك منه، والوقاية في البداية أسهل من العلاج بعد التمكن، وعلاج المعصية المستحكمة يكون بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح كما ذكر ابن تيمية وابن القيم.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في نصيحة العلامة الزاهد أبي إسحاق الإلبيري لابنه، ونحن في آخر القصيدة، ولله الحمد والمنة. قال رحمه الله تعالى: «فلا ترضَ المعائب فهو عار عظيم، يورث المحبوب مقتاً، ويهوي بالوجيه من الثريا، ويبدله مكان الفوق تحت، كما الطاعات تبدلك الدراري وتجعلك القريب وإن بعدت، وتنشر عنك في الدنيا جميلاً، وتلقى البر فيها حيث شئت، وتمشي في مناكبها عزيزاً، وتجني الحمد فيما قد غرست». وأنت الآن لم تعرف بعيب، ولا دنست ثوبك مذ نشأت، ولا سابقت في ميدان زور، ولا أوضعت فيه، ولا خببت. فإن لم تنأ عنه نشبت فيه، ومن لك بالخلاص إذا نشبت؟ تدنس ما تطهر منك حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت، وصرت أسير ذنبك في وثاق، وكيف لك الفكاك إذا أسرت؟ لا زال رحمه الله في توجيهاته النافعة ونصائحه العظيمة الماتعة. وقرأنا أمس: «فلا ترضَ المعايب فهو عار عظيم، يورث المحبوب مقتاً». وأن العاقل لا يرضى بالبقاء على الخطأ، أو بتبرير الخطأ بالخطأ، بل يبادر بإصلاح حاله وإصلاح أمره، وبالتوبة النصوح، لا سيما إذا نصح. قال رحمه الله تعالى: «ويهوي بالوجيه من الثريا». الوجيه هو ذو الجاه، أي المنزلة العالية. فالوجيه هو صاحب الجاه والمنزلة العالية. «ويهوي بالوجيه من الثريا»، والثريا نجم معروف، وقيل نجوم تكون مجتمعة تسمى الثريا، نجوم صغيرة مشهورة ومعروفة، وقيل هي نجم، فالأمر واسع. إن قيل إن الثريا نجم أو مجموعة نجمية كما يقول الفلكيون، وتكون تظهر في منزلة من منازل القمر. يقول رحمه الله: «ويهوي بالوجيه من الثريا، ويبدله مكان الفوق تحت». معنى هذا البيت: أن من عقوبات الذنوب سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله تعالى وعند خلقه. هذا معنى البيت: «ويهوي بالوجيه من الثريا، ويبدله مكان الفوق تحت». من عقوبات الذنوب سقوط الجاه والمنزلة والكرامة، كما ذكرنا، سقوطها عند الله سبحانه وتعالى لهذا الذي كان وجيهاً، وكذلك عند الخلق. ولزال يذكر أثر الطاعات: «كما الطاعات تبدلك الدراري». والدراري هي النجوم المضيئة العالية. «كما الطاعات تبدلك الدراري وتجعلك القريب وإن بعدت». هذا أيضاً من فضائل الطاعات، فالطاعة ترفع صاحبها وتعليه، وتدنيه إلى الله سبحانه وتعالى. الطاعة باب لرفعة الله عز وجل لعبد، فهي تجعله رفيعاً عزيزاً عالي الجناب. «كما الطاعات تبدلك الدراري وتجعلك القريب وإن بعدت»، أي وإن كان فيك ما يوجب نقصك، غير أن الطاعة ستر وعلو ومكانة. «وتنشر عنك في الدنيا جميلاً، وتلقى البر فيها حيث شئت». هذا أيضاً من فضائل الطاعات. فإن أكرم الخلق عند الله تعالى أتقاهم. أكرم الخلق عند الله تعالى أتقاهم، كما قال ربنا جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فأكرم الخلق عند الله أتقاهم. وعلى قدر طاعة العبد تكون منزلته، وعلى قدر طاعة العبد تكون منزلته عند ربه جل جلاله. ومن أعظم النعم أن يرفع الله ذكر عبده بين العالمين. من أعظم النعم أن يرفع الله جل جلاله ذكر عبده بين العالمين، وهذا من خصائص الله عز وجل، فهو الذي يرفع وهو الذي يخفض سبحانه وتعالى. هو الذي يرفع وهو الذي يخفض جل جلاله. ومن عظيم نعم الله على عبده أن يرفعه في هذه الدنيا بين العالمين جزاءً للطاعة، فتجد له بين الناس ذكراً جميلاً. وهذا الذي أشار إليه أبو إسحاق رحمه الله بقوله: «وَتَنْشُرُ عَنْكَ فِي الدُّنْيَا جَمِيلًا»، أي ذكراً جميلاً بين خلق الله سبحانه وتعالى. تنشر عنك ذكراً جميلاً بين خلق الله. ولهذا خصَّ الله أنبياءه ورسله بما ليس لغيرهم مثله من هذا الباب، من باب الذكر الجميل. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾، يقول الله جل جلاله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. ومعنى هذا: أي خصصناهم بخصيصة لهم، وهي الذكر الجميل في الدنيا. ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾، أي خصصناهم بخصيصة الذكر الجميل في الدنيا. وإبراهيم الخليل، كما تقدم، دعا ربه عز وجل فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. ولسان الصدق في الآخرين هو الذكر الجميل الذي يجعل الناس يقبلون ما معه من حق وهدى ورسالة. ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. وقال الله عز وجل عن إبراهيم وعن بني إبراهيم عليهم السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. فالله جعل لهم لسان صدق عالياً في الناس، الناس إلى يومنا هذا. وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم رفع الله ذكره، فقال عز قائلاً حكيماً: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. وكل أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لهم نصيب من هذه الآية، كما قال أبو بكر بن عياش: «إن أهل السنة لهم نصيب، يموتون فيعلو الله ذكرهم، لأن لهم نصيباً من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾». «كما الطاعات تبدلك الدراري وتجعلك القريب وإن بعدت، وتنشر عنك في الدنيا جميلاً»، أي ذكراً جميلاً. «وتَلْقَى الْبِرَّ فِيهَا حَيْثُ شِئْتَ». تلقى أنواعاً من البر والإكرام من الله عز وجل. فما ذل طائع قط، ولا ابتلي حتى يُهَان طائع قط، بل هو عزيز، كما سيأتي. ينال فيها من الخيرات في دينه وفي دنياه، بأعظم الكرامة التي يكرم الله بها أولياءه وأحبابه، ومن يرضى عنه سبحانه وتعالى. وإذا كان الله يرزق الدواب ويرزق الكفار، فكيف بأوليائه سبحانه وتعالى؟ «وَتَنْشُرُ عَنْكَ فِي الدُّنْيَا جَمِيلًا»، أي الطاعة. «وَتَلْقَى الْبِرَّ فِيهَا حَيْثُ شِئْتَ، وَتَمْشِي فِي مَنَاكِبِهَا عَزِيزًا». لأنه «وَتَمْشِي فِي مَنَاكِبِهَا عَزِيزًا». «وَتَجْنِي الْحَمْدَ فِيمَا قَدْ غَرَسْتَ». أيضاً من فضائل الطاعة، ينصح ابنه أنها باب العز في هذه الدنيا، وفي الآخرة باب العز هو طاعة الله جل جلاله، لأن العز قرين الطاعة، والذل قرين المعصية. يقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. معنى الآية: أن من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله عز وجل. وذكره من الكلم الطيب، والعمل الصالح. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وقال الله جل وعلا في رسوله وفي المؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ويقول الله في هذا المعنى أيضاً: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. هذا معنى العزة أيضاً: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. «وَتَمْشِي فِي مَنَاكِبِهَا عَزِيزًا»، أي في مناكب الأرض بطاعتك لربك وتقواك له، تمشي عزيزاً، لأن الطاعة والعزة قرينان، والمعصية والذل قرينان، كما تقدم. «وَتَجْنِي الْحَمْدَ فِيمَا قَدْ غَرَسْتَ»، أي في يوم القيامة إذا أكرم الطائعون عند رب العالمين سبحانه، تجد لك نباتاً عظيماً من الحسنات والطاعات، تجد لك طاعات قد صارت عالية، نبتت أحسن النبات، غرستها في الدنيا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا». «وَتَجْنِي الْحَمْدَ فِيمَا قَدْ غَرَسْتَ». تفرح غاية الفرح يوم القيامة بما قدمته من طاعة الله عز وجل ولزوم رضاه. يقول رحمه الله ناصحاً ولده بهذه النصائح العظيمة: «وَأَنْتَ الْآنَ لَمْ تُعْرَفْ بِعَيْبٍ». أي لازلت في أول فتوة شبابك. «وَأَنْتَ الْآنَ لَمْ تُعْرَفْ بِعَيْبٍ، وَلَا دَنَّسْتَ ثَوْبَكَ مُذْ نَشَأْتَ». الثوب يطلق ويراد به النفس في لغة العرب. الثوب يطلق ويراد به النفس، ليس هذا الثوب الحسي، المراد به النفس. يقول الله جل جلاله في سورة المدثر: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال المفسرون: أي نفسك طهرها من الذنوب والشرك والمعاصي. إذن الثوب يطلق ويراد به النفس. عنترة يقول في معلقته: «فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَاةِ بِمُحْرَمِ» شاهد: «فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ»، يعني نفسه. «لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَاةِ»، على الرماح ونحوها، «بِمُحْرَمِ»، إذا كنت أنا ضاربها. «وَأَنْتَ الْآنَ لَمْ تُعْرَفْ بِعَيْبٍ، وَلَا دَنَّسْتَ ثَوْبَكَ مُذْ نَشَأْتَ». دنست نفسك بالمعاصي، والدنس هو الوسخ والقذارة. أي ولم تتقدر بقذارات الذنوب والمعاصي، التي لولا ستر الله لكان لها رائعة كريهة وظلمة عظيمة يراها المبصرون في وجوه العُصَاة. «وَلَا دَنَّسْتَ ثَوْبَكَ مُذْ نَشَأْتَ»، أي لا زالت أمامك الفرصة. «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ». الميدان في لغة العرب هو الأرض الفسيحة تسمى ميداناً، تستعمل للسباق أو نحوه. إذن الميدان: الأرض الفسيحة التي تعد للسباق ونحوه. هذا الميدان عند العرب. «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ». ما هو الميدان عند العرب؟ الأرض الفسيحة تعد للسباق ونحوه. لهذا يقولون: ميدان كذا، وميدان كذا، إلى الآن استعمل هذا. والميدان: الأرض الواسعة التي تجعل للسباقات ونحوه. هذا فيه كناية. «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ». جعل للزور ساحة واسعة يجري فيها الكاذبون، الشاهدون بالباطل، والعاملون للباطل. «مَيْدَانِ زُورٍ»، والزور هو الباطل. الزور هو الباطل. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، في صفة عباد الرحمن. معنى «لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ»: أي لا يشهدون الباطل. في هذا الموضع على أحد التفسيرين. «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ»، أي باطل. «وَلَا أَوْضَعْتَ فِيهِ، وَلَا خَبَبْتَ». الإيضاع: شدة الإسراع. الإيضاع: شدة الإسراع. والخَبَب: نوع من العدو والسرعة، نوع من العدو. يقولون: أوضع، أي أسرع. وخب، خب: بمعنى جر. خب: بمعنى جر. كل هذا كناية، أي أنك لم تسارع في باطل ومعصية، ولا خببت فيها، يعني ولا مشيت فيها، بمعنى لم تفعل شيئاً مما يوجب ذمك إلى الآن. سبحان الله! «وَلَا سَابَقْتَ فِي مَيْدَانِ زُورٍ، وَلَا أَوْضَعْتَ فِيهِ، وَلَا خَبَبْتَ». «فَإِنْ لَمْ تَنْأَ عَنْهُ نَشِبْتَ فِيهِ، وَمَنْ لَكَ بِالْخَلَاصِ إِذَا نَشِبْتَ؟». تقول العرب: «نَشِبَ الصَّيْدُ فِي الْحَبَالَةِ»، أو في الحبالة، إذا وقع فيها. تقول: نشب، نشب، نشب الصيد في الحبالة، يعني في الحبل الذي يوضع لأجل أن يكون مصيدة له. قد يكون أيضاً في المصيدة، المصائد، المصيدة. «فَإِنْ لَمْ تَنْأَ عَنْهُ نَشِبْتَ فِيهِ». بكسر الشين هكذا ضبط، ولعل الفتح سائر، لعل الفتح أيضاً سائر، لكن الذي ضبط بالكسر: «نَشِبْتَ فِيهِ». قلنا: نشب الصيد في المصيدة، في المصيدة إذا وقع فيها موقعاً لا يستطيع التخلص فيه. نشب، أو نشب الصيد في المصيدة إذا وقع فيها ولم يستطع التخلص منها، بمعنى علق بها، علق بتلك المصيدة. أو نشب الصيد في الشباك، بمعنى لم يستطع أن يخرج منها. تقول العرب أيضاً: «نَشِبْتُ فِي الشَّوْكِ»، إذا سرت في مكان فيه أشجار شوكية، فإذا بها تلامس رجليك وثوبك، وإذا أردت أن تسحب رجلك خدشتك. هذا معنى «نَشِبْتُ فِي الشَّوْكِ». «نَشِبْتُ فِي الشَّوْكِ»: لا تتخلص إلا بخدوش، إلا بخدوش. هذا معنى نشب. يقول رحمه الله مقرراً هذا المعنى: «فَإِنْ لَمْ تَنْأَ عَنْهُ»، يعني عن الباطل، وعن المعاصي، وعن مساوئ الأعمال، «نَشِبْتَ فِيهِ»، أي تعلقت بك تلك المعصية، وكأنها مصيدة وقعت فيها، فكنت فريسة لتلك المعصية أو ذلك الذنب. ثم قال بعد ذلك: «وَمَنْ لَكَ بِالْخَلَاصِ إِذَا نَشِبْتَ؟». كيف تخلص وتتخلص من تلك المصيدة وهي الذنوب والمعاصي، إذا أدخلت رجلك فيها؟ الأمر عسر، نسأل الله العافية. الأمر شديد، وعسر، نسأل الله العافية والسلام. «وَتَدَنَّسْ مَا تَطَهَّرَ مِنْكَ حَتَّى كَأَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا طَهَرْتَ». «وَصِرْتَ أَسِيرَ ذَنْبِكَ فِي وَثَاقٍ، وَكَيْفَ لَكَ الْفَكَاكُ إِذَا أُسِرْتَ؟». يعني تصير أسيراً مأسوراً لتلك الشهوة. نعم، نعم، جزاك الله خيراً. «تَدَنَّسْ مَا تَطَهَّرَ مِنْكَ»، تدنس ما تطهر منك، حتى كأنك قبل ذلك ما طهرت. أي أنك في فعل المعصية وركوب الشهوة تدنس نفسك بأوضار وأوساخ وقذارة، هي تلك المعصية وتلك الشهوة وذلك الذنب، عياذاً بالله. «تَدَنَّسْ مَا تَطَهَّرَ مِنْكَ»، بعد أن كنت طاهراً نقياً، صرت متدنساً نجساً، نجاسة معنوية، عياذاً بالله. «تَدَنَّسْ مَا تَطَهَّرَ مِنْكَ حَتَّى»، أي بركوب الشهوة، «كَأَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا طَهَرْتَ». من رآك يقول: هذا فلان الذي كان يصلي، الذي كان في وجهه النور، الذي كان يعني في قمة الأخلاق. ما أظنه قد أظلم وجهه، وقد نحل جسده، وقد غارت عيناه، وقد انهدت قواه بسبب الشهوات والمعاصي. كأنه قد مضى من عمره عشرون سنة فوق عمره السابق. حتى إذا رآه الرأي قال: هو، أو ليس هو؟ والله أنا متردد في المعرفة، في التعرف عليه. سبحان الله! هذا معنى ما يريده رحمه الله: «تَدَنَّسْ مَا تَطَهَّرَ مِنْكَ حَتَّى كَأَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا طَهَرْتَ». «وَصِرْتَ أَسِيرَ ذَنْبِكَ فِي وَثَاقٍ، وَكَيْفَ لَكَ الْفَكَاكُ إِذَا أُسِرْتَ؟». تصير موثوقاً بتلك الشهوة. كلما عزمت على التوبة، عزمت على الاستغفار، عزمت على العودة، اشتعلت في قلبك نيران الشهوة، وجرَّت، وجرت رجلك بذلك الوثاق، وإذا بك تعود إلى نفس الشهوة وإلى نفس المعصية. متى تستيقظ إلا أن يشاء الله؟ متى تستيقظ؟ إما بموت، أو بإرادة ورحمة من الله سبحانه وتعالى. ويشبه الشهوات بالحبال التي تربط على رجليك، حبال تربط على رجليك، كلما مشيت أعاقتك عن المشي، كلما أردت أن تتركها جرتك إلى موقعها. سبحان الله! فكأنك أسير قد أسرك الآسر وربطك بسلسلة عظيمة، فإذا أراد أن يجرك جرك إليها. ﴿سَكَرَةً إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. سكرة، إنهم لفي سكرتهم يعمهون. سكرة، نسأل الله العافية والسلام. كل هذا تحذير من اتباع الشهوات. «وَصِرْتَ أَسِيرَ ذَنْبِكَ فِي وَثَاقٍ، وَكَيْفَ لَكَ الْفَكَاكُ وَقَدْ أُسِرْتَ؟». الفكاك إما بالموت، وإما برحمة تنالك من الله عز وجل، ودون ذلك تعب عظيم، تعب عظيم. يسأل ابن تيمية أحد الناس: «ابْتُلِيتُ بِمَعْصِيَةٍ، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَتُوبَ مِنْهَا عُدْتُ إِلَيْهَا، وَكُلَّمَا عَزَمْتُ عَلَى تَرْكِهَا وَبَذَلْتُ مَا أَسْتَطِيعُ فِي تَرْكِهَا، سُبْحَانَ اللهِ، عُدْتُ إِلَيْهَا، فَهَلْ مِنْ خَلَاصٍ؟». يسأل ابن تيمية فيجيب في نصف صفحة. ويسأل ابن القيم هذا السؤال فيجيب في مجلد اسمه «الداء والدواء»، ويعرف أيضاً بـ «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». نسأل الله العافية والسلامة. يقول له ابن تيمية: فيك معنى كلامه: «عَلَيْكَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَكَثْرَةِ التَّوْبَةِ وَدُعَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَسْحَارِ وَبِأَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، وَعَلَيْكَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَعَلَيْكَ بِالنَّدَمِ، وَاسْتِبْدَالِ الْخُلَطَاءِ وَالْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَكَثْرَةِ الضَّرَاعَةِ وَالصِّيَامِ وَالْبُكَاءِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَرُدُّ سَائِلًا خَائِبًا أَبَدًا». وجواب ابن القيم أطول من هذا. فالشهوة سجن، الشهوة إخواني في الله سجن للشاب، نار تضطرب في قلبه، إذا استسلم لها أسرته، أسرته، ولم يستطع الفكاك منها. ولهذا يقول الفقهاء: «الدَّفْعُ أَسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ». الدفع أسهل من الرفع. عندك مثلاً أنبوبة غاز، أيهما الأسهل: أن تحملها على ظهرك، أو تدحرجها بقدمك؟ أيهما أسهل؟ نحن الآن عندنا أزمة غاز، ولهذا نمثل بالغاز. أنبوبة الغاز: إذا حملتها تعبت، ولكن إذا دحرجتها... الدفع، يقول الفقهاء، أسهل من الرفع. الدفع أسهل من الرفع. ومبادرة الأمور في أوائلها أسهل من التخلص منها بعد أن تتمكن منك. هذا الذي يريد أن يبلغه ابنه في هذه الأبيات. هذا الذي يقصده ويريد أن ينصح به من يسمع قصيدته، ولو بعد ألف عام. «وَمَنْ لَكَ بِالْخَلَاصِ إِذَا نَشِبْتَ؟»، «إِذَا نَشِبْتَ وَصِرْتَ أَسِيرَ ذَنْبِكَ فِي وَثَاقٍ، فِي وَثَاقٍ، وَكَيْفَ لَكَ الْفَكَاكُ وَقَدْ أُسِرْتَ؟». المعنى: أن الدفع أسهل من الرفع، وتحمل الأمور في أوائلها أسهل من تحمل نتائجها. تحمل الأمور ودفعها في أوائلها أسهل من نتائجها. رجل أطلق بصره حتى فعل كبيرة من كبائر الذنوب، ورجل غض بصره فأبدله الله نوراً في قلبه وضياء. الدفع أسهل من الرفع. «وَمَنْ لَكَ بِالْفَكَاكِ إِذَا أُسِرْتَ؟» الأمور صعبة، صعبة، صعبة جداً. لهذا رب أكلة أكلها حرمت أكلات، ورب شهوة أوجبت لك موتاً عاجلاً، شهوة توجب لك موت القلب، عياذاً بالله. فالعاقل يدفع الأمور في بدايتها. هكذا ينصح هذا العالم الجليل والزاهد الناصح لابنه وولده وتلميذه بهذه الأبيات العظيمة. يقول له: «فَإِنْ لَمْ تَنْأَ عَنْهُ نَشِبْتَ فِيهِ، وَمَنْ لَكَ بِالْخَلَاصِ إِذَا نَشِبْتَ؟ تَدَنَّسْ مَا تَطَهَّرَ مِنْكَ حَتَّى كَأَنَّكَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا طَهَرْتَ، وَصِرْتَ أَسِيرَ ذَنْبِكَ فِي وَثَاقٍ، وَكَيْفَ لَكَ الْفَكَاكُ، وَكَيْفَ لَكَ الْفَكَاكُ وَقَدْ أُسِرْتَ؟». نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في مجلس قادم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر في حيث