شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 15

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 15، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

محاسبة النفس وتحذير ضياع العمر

يشرح المقطع أبياتاً من نظم الإلبيري يوبخ فيها النفس على اتباع الهوى في الكبر، ويصور ندم العبد يوم الحشر عند رؤية منازل الأبرار. يحذر من ضياع العمر في المباحات فضلاً عن المعاصي، مذكراً بحرارة الهجير الدنياوية تنبيهاً على شدة عذاب جهنم.

شدة عذاب النار وتواضع العلماء الربانيين

يصف المقطع شدة نار الآخرة مقارنة بنار الدنيا، وينقل حواراً شعرياً يعاتب فيه الشاعر نفسه على التقصير. يستحضر حال العلماء الزهاد الذين يعظمون ذنوبهم ويحتقرون أعمالهم رغم صلاحهم، خوفاً من الله ورجاء لرحمته.

التواضع وعدم الرضا بالمعايب وآثار المعاصي

يبرز المقطع تواضع العلماء كإقرار أبي بكر بعيوبه، ويحذر من الرضا بالمعايب لأنها تورث المقت في قلوب المؤمنين. يستشهد بأقوال عائشة وأبي ذر وسليمان التيمي على أن المعصية في السر تجلب الذلة والبغض من الخلق.

الخاتمة والدعاء

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، ويشكر المشاهدين على المتابعة. يختم الجلسة بدعاء ختامي يرجو القبول والتوفيق.

  • 22 جمادى الآخرة 1442هـ - 04/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا بهذه المنظومة الماتعة التي نظمها وقالها أحد كبار شعراء الأندلس، وهو العلامة الزاهد أبو إسحاق إبراهيم بن مسعود الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى في نحو الستين والأربعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. في نصيحته لولده أبي بكر الذي كناه أبا بكر، إلى أن قال رحمه الله: ذكرنا أبياتاً قال: «ويقبح بالفتا فعل التصابي، وأقبح منه شيخ قد تفتى، ونفسك ذم لا تذمم سواها لعيب فهي أجدر من ذممت». وقلنا: إن هذا البيت وهذه الأبيات التي ساقها هذا الإمام على لسان من ينصحه، وكأنه يلوم نفسه، موجود في كلام أهل العلم، وهو من النصح وتفقد العيب في ذات الإنسان، كما قال أبو الأسود الدؤلي: «يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ تَصِفُ الدَّوَاءَ لِلدَّاءِ الْعُضَالِ كَيْمَا يَصْحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ يُسْمَعُ مَا تَقُولُ وَيُشْتَفَى بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ» هذا المعنى موجود في هذه الأبيات. إلى أن قال رحمه الله: «ولو قد جئت يوم الحشر فردًا وأبصرت المنازل فيه شتى، لأعظمت الندامة فيه لهفًا على ما في حياتك قد أضعت». أي أن الإنسان إذا جاء يوم القيامة يندم المجتهد المحسن على تقصيره، فكيف بالمسيء المذنب؟ لا سيما إذا رأى منازل الأبرار، إذا رأى منازل الأبرار ورأى منزلته، علم أنهم مثلهم وعاش مثلهم، وقوتهم كقوتهم، وصحتهم كصحتهم، لكنهم بلغوا من المنازل المنازل العالية، وهو في منازل دون ذلك، يندم، يندم على أنه كان من الغافلين وكان من المضيعين. نسأل الله السلامة والعافية. «ولو قد جئت يوم الحشر فردًا وأبصرت المنازل فيه شتى مختلفة، بعضهم كالكوكب الدري، وبعضهم يسكن فيما دون ذلك، بعضهم منزلته كأنها كوكب في السماء، يندم على عدم حفظ القرآن، يندم على عدم العمل الصالح في دار العمل، دار العمل دار الاجتهاد، ولم يظلمك». «لا أعظمت الندامة فيه لهفًا على ما في حياتك قد أضعت». المصيبة: ضياع العمر وضياع الوقت، هذه مصيبة عظيمة. الضياع الأكبر أن يضيع قلبك فلا تجد لك قلبًا ينفعك ويردعك ويذكرك، والمصيبة الأخرى أن تضيع وقتك في المباحات، فكيف بمن يضيعه في الآثام؟ نسأل الله العافية والسلام. «لا أعظمت الندامة فيه لهفًا على ما في حياتك قد أضعت». «تفر من الهجير وتتقيه»، الهجير: شدة الحر، ويكون في فترة الظهيرة في أيام الصيف وشدة الحر، فتجد الناس يتضايقون من حرارته ويحرصون على أسباب تتلطف بها أجواؤهم، مع أن هذا الحر لو قارناه بجهنم لكان كلا شيء يذكر. «تفر من الهجير وتتقيه، فهلا من جهنم، فهلا من جهنم قد فررت؟». أي: ألا يذكرك هذا الحر الذي قد أنضج جلدك وأنبت فيه حبوبًا منوعة بسبب الحرارة، وصرت تتأذى به، ألا يذكرك بنار جهنم التي أمرها أعظم وعذابها أشد؟ وأنك يقول الله جل جلاله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، ويقول جل جلاله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. «ولست تطيق أهونها عذابًا، ولو كنت الحديد بها لذبت». نار جهنم وقودها الناس والحجارة، وهي سبعون جزءًا كنار الدنيا، نار الدنيا جزء من تسعة وستين جزءًا من نار جهنم. ونار الدنيا إذا وصلت إلى درجات معينة أذابت الحديد حتى يصير سائلًا كأنه الماء، فكيف بنار جهنم؟ «ولست تطيق أهونها عذابًا»: أي النار، لو كان العذاب بأهون النار، عذاب الدنيا فقط، لو أنك تعذب بنار الدنيا لكان الأمر أعظم، لا تحتمل. كان بعض الناس ربما أخذ شيئًا من النار فيتحسسها بأصبعه فيتألم، فيقول: هذه جزء من تسعة وستين جزءًا، فكيف بنار جهنم؟ «لأعظمت الندامة فيه لهفًا على ما في حياتك قد أضعت، تفر من الهجير وتتقيه، فهلا من جهنم قد فررت، ولست تطيق أهونها عذابًا، ولو كنت الحديد بها لذبت». «ولا تنكر فإن الأمر جد، وليس كما حسبت ولا ظننت». أي: لا تستهم بهذا الأمر، بهذه النصائح التي وجهتها لك. هكذا يقول الشاعر مخاطبًا نفسه: «ولا تنكر فإن الأمر جد»، أي: ليس بالهزل ولا باللعب، بل هو أمر عظيم مهول شديد واقع لا محالة، «وليس كما حسبت ولا ظننت»، ليس بالحسبان ولا بالظنون. انتهى الجزء الثاني من المحاورة على لسان المنصوح. يقول رحمه الله: «أبا بكر، كشفت أقل عيبي وأكثره، ومعظمه سترت، فقل ما شئت فيّ من المخازي، وضاعفها، فإنك قد صدقت، ومهما عبتني فلفرط علمي بباطنه كأنك قد مدحت». «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتًا، ويهوى ويهوي بالوجيه من الثريا، ويبدله مكان الفوق تحت، كما الطاعات تبدلك الدراري وتجعلك القريب وإن بعدت، وتنشر عنك في الدنيا جميلًا، وتلقى البر فيها حيث شئت، وتمشي في مناكبها عزيزًا، وتجني الحمد فيما قد غرست». هذا الجزء الرابع من المحاورة التي يعقدها هذا الشاعر في هذه الملحمة الأدبية، وهذه القصيدة العصماء، والنصيحة النافعة الجليلة، قالها قبل أكثر، قبل نحو ألف سنة. يقول رحمه الله: «أبا بكر»، وهو ابنه في الآخر: «كشفت أقل عيبي وأكثره، ومعظمه سترت، فقل ما شئت فيّ من المخازي، وضاعفها، فإنك قد صدقت». هكذا هم أهل العلم والعلماء الزهاد الربانيون، هكذا هم العلماء الربانيون في مثل هذه الأبيات التي تقطع القلب ويتأثر لها السامع لشدة ما فيها من عظيم التواضع وازدراء النفس. وهكذا العلماء يعظمون ذنوبهم، ويعترفون، ويعترفون بتقصيرهم، وينظرون لأنفسهم، إلى أنفسهم وإلى أعمالهم، نظرة ازدراء لا نظرة غرور وخيلاء. «أبا بكر، كشفت أقل عيبي وأكثره، ومعظمه سترت». فهم لشدة أعمالهم الصالحة خائفون وجلون، يخافون أن ترد عليهم أعمالهم، وأن يحاسبوا بتقصيرهم وعدم قيامهم بما يجب عليهم أو بما ينبغي أن يفعلوه، فتراهم يتهمون أنفسهم أعظم اتهام، يتهمون أنفسهم ويتهمون أعمالهم ويتهمون قلوبهم، فهم خائفون وجلون تائبون مستغفرون. هكذا أهل الزهد في مثل هذا الحال. فهو يقول له: إني أعرف نفسي وتقصيري وذنوبي وأخطائي، مع أننا لو نظرنا إلى حقيقة الأمر فإن هذا الرجل من خيرة أهل ذلك البلد، من خيرة الناس صلاحًا وتقوى وعبادة وزهدًا، ومع هذا ينظر إلى نفسه أنه شر الناس. هكذا هم الزهاد. قال أيوب أو غيره من السلف: «إذا نظرت إلى من هو أكبر منك فقل: سبقني بطاعة الله». هكذا يقول الأئمة العلماء الصالحون: «إذا نظرت إلى من هو أكبر منك فقل: سبقني بطاعة الله، وإذا نظرت إلى من هو دونك في السن فقل: سبقته بمعصية الله». ماذا بقي؟ إذا كان ينظر إلى الناس بهذه النظرة فهو يرى نفسه أسوأ الناس، لا يحتقر أحدًا ولا يزدريه، ولا يتهم أحدًا بمثل ما يتهم نفسه. ولهذا يقول: لشدة زهده وعبادته، هؤلاء الأخيار المتواضعون الأبرار، يقول: «أبا بكر، كشفت أقل عيبي وأكثره، ومعظمه سترت». يعتذر له بأنه ستر عليه، وأنه ذكر الشيء اليسير وستّر الأشياء الكبيرة، هذا من تواضعهم وزهدهم. ثم يقول معترفًا بتقصيره، لا بأنه مذنب، لا بأنه مذنب، ولكن هكذا العلماء، هكذا العلماء. «فقل، فقل ما شئت فيّ من المخازي، وضاعفها، فإنك قد صدقت». أي: في ظني، في ظني هذا، معنى هذا من المبالغة في احتقار النفس، وإن كان في نفس الأمر ليس كذلك، لكن هذا من نظرته هو إلى نفسه وتقصيره. «ومهما عبتني فلفرط علمي بباطنه كأنك قد مدحت». يعني: لمعرفتي بحقيقة نفسي، فكل ما ذكرته بالنسبة إلى ما في صدري عن نفسي كالمدح والثناء. الله أكبر، الله أكبر. هكذا هذه القلوب التي عظمها عظمتها أعمالها فأحبتها القلوب وعظمتها. «ومهما عبتني فلفرط علمي بباطنه كأنك قد مدحت». ثم قال له ناصحًا بعدة نصائح عظيمة: «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم، ويعظم، يورث، يورث المحبوب مقتًا». هذه النصيحة الأولى في خاتمة هذه القصيدة، نصيحة عظيمة، يقول له: لا ترضَ المعايب، أي الذنوب والأخطاء، إذا علمت أنها ذنوب وأخطاء، لا ترضَ بها. «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتًا». لا ينبغي أن تصر على خطأ تعلمه من نفسك، أو تصر على معصية قد نصحت فيها، فإن القلوب تبغض مثل هذا الخلق، والنفوس تمقت هذا الفعل، كما تراه مثلاً في بعض من يبتلى بالكبر، عياذًا بالله، فلا ترضَ المعايب، فإنه يبغضه كل من يعاشره، أو من يبتلى بمعاقرة المسكرات، ولو كان في نفسه غنيًا أو عظيمًا أو ذا شأن ما. «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتًا». كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه: «أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذامًا». «أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذامًا». هذا هو الموجود. «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتًا». وأبو ذر يقول في بعض نصائحه: «ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». «ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». ثم قال: ثم قال: «أتدري مما هذا؟». قال الراوي: قلت: لا. قال: «إن العبد يخلو بمعصية الله، إن العبد يخلو بمعصية الله فيلقى الله، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». «إن العبد ليخلو بمعصية الله بينه وبين الله، فيلقي ربنا جل جلاله في قلوب الخلق بغضه». لا إله إلا الله. «فلا ترضَ المعايب، فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتًا». يقول سليمان التيمي رحمه الله: «إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته». «إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته». العاقل لا يربط خطأه بخطأ الناس، كم من العوام والناس من إذا ليم على خطأ قال: وفلان عنده خطأ، وذاك أخطأ، فيك ذا لا تعالج الخطأ بالخطأ، ولا تبرر الخطأ بالخطأ. «فلا ترضَ المعايب»، الخطأ خطأ، والمعايب معايب، والمساوئ مساوئ، والذنوب ذنوب. فهو عار عظيم يورث المحبوب مقتًا. إذا نصحت بأمر فاقبل النصيحة، هذا معنى كلامه رحمه الله. ولازلنا في أفياء هذه القصيدة، ونحن في خاتمتها، فنسأل الله جل جلاله أن يرحم المصنف ويجزيه خير الجزاء، وأن يعيننا على رضاه وتقواه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدة.