الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 14، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح الشيخ معنى التفتا في بيت الإلبيري مبيناً قبح تكلف الكبير أفعال الصغار، ويستدل بحديث الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ومنهم الشيخ الزاني. ثم يوصي بمحاسبة النفس وترك ذم الغير مستشهداً بآية البقرة وقول ابن رسلان في العالم الذي لا يعمل بعلمه.
يقرر النص أن فاعل المنكر مطالب بالتوبة وإنكار المنكر على غيره، مستدلاً بقصة الحسن البصري مع شرب الخمر. يذكر شروط التوبة الثلاثة الإقلاع والندم والعزم على عدم العودة مع رد الحقوق، ويحذر من الغفلة عن محاسبة النفس.
يروي دخول النبي على حمزة وهو ثمل قبل تحريم الخمر، فأساء حمزة القول فتراجع النبي القهقرى حكمةً لا جبناً، مع شرح لغوي للفظ القهقرى وخبطت عشواء. ثم ينتقل إلى تفسير «لعمروك» للتوكيد ويستعرض أحاديث وآيات في شدة الحساب يوم القيامة.
يحذر المتحدث من الندم الشديد يوم القيامة عند رؤية التقصير في الذنوب ويؤكد استمرار شرح القصيدة. ثم يدعو الله أن يرحم مصنفها ويجزيه خيراً ويصلي على النبي محمد مختتماً بالشكر للحضور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد الصادق الناصح الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذه القصيدة العظيمة والنصيحة السديدة التي قالها أحد كبار شعراء الأندلس، وهو العلامة الزاهد أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له، إبراهيم بن مسعود رحمه الله، المتوفى بعد الستين في حدود الستين والأربعمائة للهجرة. كنا وقفنا عند قوله رحمه الله: «ويقبح بالفتاة فعل التصابي، وأقبح منه شيخ قد تفتا». وذكرنا معنى التصابي، وأنه مأخوذ من الصبوة، وهي ما يكون في زمن قوة الفتوة من طيش وجهالة، ومن لهو ولعب، ومن غزل وتعشق، ونحو هذه المعاني. ويقبح بالفتاة؛ أي: هذا قبيح إن صدر من فتاة في أول مقتبل شبابه. هذا الفعل منه وهو التغزل والتشبب والتصابي، ونحو هذه الأفعال مذمومة منه وهو فتا. وأقبح من هذا وأشد في الإنكار: شيخ قد تفتا. كنا وقفنا على كلمة «تفتا»، وذكرنا أن هذا الوزن في علم التصريف «تفعل» تفتا له معانٍ تبلغ الخمسة، منها: معنى التكلف في فعل الشيء، معنى التكلف في فعل الشيء مع شدته على الفاعل وصعوبته عليه. وذكرنا مثالاً لذلك: كلمة «تصبّر»، أي تكلف الصبر، وتكلف خلق الصبر، وقد لا يكون ذلك له بخلق، وقد يكون هذا عليه شديداً وصعباً، لكنه في ذلك الموقف تصبّر؛ أي تكلف الصبر. وكذلك ذكرنا أيضاً مثالاً آخر في قولهم: «تحلّم»، أي صار حليماً وتكلف خلق الحلم، وهو نوع من العفو فوق الصبر. قال النبي صلى الله عليه وسلم للأحنف بن قيس: «إن فيك خُلُقين يحبُّهما الله ورسوله: الحلم والأناة». فهذا خلق لا يعطاه كل أحد. قيل: إن الأحنف بن قيس كان محتبياً في مجلسه، فقيل له: إن ابن أخيك قتل ابنك، فما فكّ حبوته. الحبوة: المعروفة، الخرقة التي تُربط، تُجمع الركب ثم تُربط الخرقة إلى الظهر فتشد الظهر مع الركب، معروفة. فما حل حبوته، وقال كلمة مشهورة: «قطعت رحمك، وفجعت أم هذا الفتى، فاذهب وادفع لهديتك، وادفن ابن عمك، وادفن ابن عمك»، أو كما قال. هذا من أمثال الحلم التي لا يستطيعها إلا القليل من الرجال. التفتي كما تقدم: تفتّى، أي تفعل من الاسم الذي هو الفتى، أي فعل أفعال الفتيان. وليست كل أفعال الفتيان، إنما فعل أفعال الفتيان المذمومة التي تدل على قلة العقل وعدم الحلم. وأقبح منه شيخ قد تفتا. فهذا الشيخ الفاني في أقبح حال إذ يتفتّى من الشاب، إذ يتصبّى. فإذا فعل هذا الشيخ الفاني أفعال الفتيان الأقوياء، فهذا يناقض طبعه وحاله. شيخ فاني يفعل أفعال الفتيان الأقوياء، هذا ينافي طبعه وينافي حاله، ولكنه ينقاد إلى تكلف هذا الشيء العسف، ينقاد إلى تكلف هذا الشيء العسف، وهو أن يفعل أفعال الفتيان الطائشين في الشر وفي البلاء وفي الطيش وفي اتباع الشهوات، مع عدم توفر دواعي هذا التشبه. وهذا التفتي لا توجد دواعي ولا توجد أسبابه. وأقبح منه شيخ قد تفتا. ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم، وهو في مسند الإمام أحمد، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر». شيخ زان: كل هؤلاء اجتمعت فيهم عدم وجود أسباب ما يفعلونه. شيخ زان: الشيخ إذا ضعفت قواه، الشاب إذا وقع في الفاحشة فيدفعه إلى الوقوع فيها قلة العلم، وقلة الحلم، وقلة العقل، وقوة الشهوة وغلبتها عليه، فيقع -عياذاً بالله- فيما حرم الله عز وجل. لكن هذا الشيخ ضعيف الشهوة، ضعيف القوة، قد اكتمل له عقله، وبلغه من العلم والتجارب وأخبار الناس ما يجعله حاجزاً عن أن يفعل هذا الفعل. ومع ضعف الشهوة وقلة الداعي إلى الفعل يرتكب هذه الفاحشة -عياذاً بالله-، هذا يدل على الاستخفاف، ويدل على قسوة القلب، ويدل على سوء الطبع كما يقول العلماء. فهذا ضعيف العقل، رقيق الدين، قليل الحلم، نسأل الله العافية والسلامة. وفيه نوع استخفاف بالمعاصي مع عدم وجود أسبابها، ولهذا كانت العقوبة: لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمون. بخلاف الشاب، ليست له هذه العقوبة. والجزاء من جنس العمل، الجزاء من جنس العمل. فهذا رجل لم يراع حق الله، فكان الجزاء من جنس العمل: لا ينظر الله إليه ولا يكلمه يوم القيامة، لأنه فعل في الدنيا نظير هذه العقوبة. يقول رحمه الله: «وأقبح بالفتاة، ويقبح بالفتاة فعل التصابي، وأقبح منه شيخ قد تفتا». «ونفسك ذم لا تذمم سواها لعيب، فهي أجدر من ذممت». الله جل جلاله يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. فالواجب على العاقل أن ينظر في نفسه، فيأمرها وينهاها، ويحاسبها أشد الحساب. «ونفسك ذم لا تذمم سواها»؛ أي: لا تشتغل بعيب غيرك، وتشتغل بنقص غيرك، وتنشغل بتقصير غيرك، بل الأجدر بك أن تنظر إلى عيبك فتصلحه، وتنظر إلى تقصيرك فتعالجه، وتنظر إلى نفسك فتأمرها وتنهاها. ولهذا هذا من الأمور المذمومة -عياذاً بالله-: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾. والعاقل يخاف في هذا الموضع غاية الخوف، لا سيما أن يكون ممن يُحشر يوم القيامة فيقال له، ويُذكر بنعمة الله عليه في الحفظ والفهم والعلم، فإذا تذكرها قيل له: وما عملت فيها؟ فيقول: تعلمت فيك العلم وعلمته. فيقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم أو قارئ. وقد قيل: فيكون أول من تسعر به النار، كما قال ابن رسلان: «وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن» في الصفوة. فالواجب على المسلم أن ينظر في نفسه. وها هنا مسألة: هل يجوز لفاعل المنكر أن ينكر على غيره ذلك المنكر؟ الجواب: نعم، يجوز لفاعل المنكر، وقد يتعين عليه أن ينكر المنكر وإن كان واقعاً فيه. فإن عليه واجبين: الواجب الأول: التوبة من هذا المنكر والاستغفار وترك المنكر. والواجب الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا سئل الحسن البصري: لو أن شخصاً أو أن جماعة يشربون الخمر ويتعاقرونه، لكان عليهم وهم يتحاسون الكؤوس في أيديهم، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا حرام لا يجوز، لا يجوز، وإن فعلنا غلط، وكبيرة من كبائر الذنوب، وإنه لا يحل لنا أن نفعل هذا، وهو معهم في فعله. ففعل المنكر لا يعني ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا عند من لم يفقه هذه المسألة. نعم، يجب عليه الانتهاء وأن يعمل بما علمه الله، ويجب عليه أيضاً أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. «ونفسك ذم لا تذمم سواها لعيب، فهي أجدر من ذممت». هذا المعنى صحيح، وأن الإنسان أجدر من يستحق النصيحة: النفس. النفس ينبغي للمسلم أن يحرص على نجاته، ولا يكون شمعة تضيء للناس ثم تحترق، ثم تحترق. ذكر في هذا أبيات كثيرة، أبيات كثيرة في هذا المعنى، في من يكون كالشمعة يضيء لغيره. أبيات في هذا الباب كثيرة، في هذا الباب وهو باب خطير. «وأنت أحق بالتفنيد مني، ولو كنت اللبيب لما نطقت». التفنيد: هو شدة اللوم. التفنيد هو اللوم لأنه ثقيل على سامعه. التفنيد هو شدة اللوم، سُمّي تفنيداً لأنه ثقيل، يثقل على سامعه ويشتد عليه استماعه. قيل: الفند معناه الجبل، فهو ثقيل. «وأنت أحق بالتفنيد مني»؛ أي: باللوم مني، لأنك أكبر مني وأعلم مني، فينبغي أن تكون في حال تكون فيه أفضل مني. «ولو كنت اللبيب لما نطقت». «ولو بكت الدماء عيناك خوفاً لذنبك لم أقل لك قد أمنت». الإنسان يعفو الله عنه بالتوبة، والتوبة لها شروط، وهي ثلاثة شروط لا بد من الإتيان بها: الإقلاع عن الذنب، والندم على مواقعته، والعزم على أن لا يعود إليه، بعد أن يستغفر الله سبحانه. فإن كان في حق مخلوق أعاد إليه حقه ما استطاع، ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى. «ولو بكت الدماء عيناك خوفاً لذنبك لم أقل لك قد أمنت». «ومن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فما أتمرت ولا أطعت»؛ أي: أنك ممن قامت عليه حجة الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يشتد خوفك لأنك أمرت فعلمت بالأمر فأعرضت بعد العلم وبعد المعرفة. ولست الجاهل الذي لم يعلم بالأمر. وأمرت بالطاعة وعرفت ذلك، وعرفت خطر ترك الطاعة، ثم أعرضت عن عمد عن الطاعة، فأمرك عظيم وأمرك خطير، عياذاً بالله. والواجب المبادرة على مثلك بالتوبة. يقول الله جل جلاله في معنى قوله رحمه الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 96-99]. «ومن لك بالأمان وأنت عبد أمرت فما أتمرت ولا أطعت». «ثقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت». هذا كله تقريع من هذا الزاهد لنفسه على لسان من ينصحه. كل هذا تقريع من هذا الزاهد لنفسه على لسان من ينصحه. «ثقلت من الذنوب»؛ أي: قد تحملت ذنوباً كثيراً حتى ثقل ظهرك وانحنى من ثقل ما حملت من المعاصي والذنوب، ومع هذا تنسى أمر آخرتك، ولازلت في غيك وفي لهوك وفي بطالتك، نسيت الله والدار الآخرة. «ثقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت». يؤتى بالكافر السمين البطين فلا يزن عند الله جناح بعوضة. يقول الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47]. الموازين العظيمة يضعها الله سبحانه وتعالى، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. «ثقلت من الذنوب ولست تخشى لجهلك أن تخف إذا وزنت». بين قوله «ثقلت» و«تخف» مقابلة، وهذا نوع من أنواع البديع كما تقدم. «وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه، ونفسك ما رحمت». هذا كالأول، يقول الشاعر في مثل هذا: «بصرت غيرك بالعماء فأفدته بصراً، وأنت محسن لعماك. وفتيلة المصباح تحرق نفسها وتضيء للأعشاء، وأنت كذاك». «وتشفق للمصر على المعاصي وترحمه، ونفسك ما رحمته». الواجب محاسبة النفس، كلنا أهل تقصير، ويجب على العاقل أن يحاسب نفسه وينظر في أعماله. «رجعت القهقرى وخبطت عشوى، لعمرك لو وصلت لما رجعت». «رجعت القهقرى»، والقهقرى: هو نوع من الرجوع والمشي إلى خلف. هذا معنى القهقرى، وهو أن يتراجع إلى قفاه من غير أن يعيد وجهه إلى الجهة التي يرجع إليها، يعني يرجع إلى الوراء هكذا، يعود إلى الوراء هكذا من غير أن يلتفت وينظر إلى الجهة هل هناك شيء فيتحرى يتجنبه، لكنه يعود إلى الوراء، خطواته عائدة إلى الوراء ووجهه إلى الأمام. هذا معنى القهقرى. الرجوع إلى القفى: في الصحيح، في صحيح البخاري، لما دخل، لما أراد علي رضي الله عنه أن يمهر فاطمة رضي الله عنها ناقة، دخل وإذا حمزة ثمل، أي قد بلغ به السكر قبل تحريم الخمر إلى الدرجة أنه لا يشعر بما يقول ويفعل، وإذا به قد أخذ سيفه فجب أسنمة الناقتين أو الناقة، أي قطع أسنمتها. ففجع علي، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: أدرك حمزة يا رسول الله، فإنه فعل كذا وكذا. فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل على حمزة، وكانت القيان، أي المغنيات، تغني حمزة رضي الله عنه وأرضاه، كانت تغنيه، وبلغت إلى قولها: «ألا يا حمز للشرف النواء»، أي: من يقوم لهذه النواء التي هي مشرفة. فقام وجب أسنمتها. فدخل، قال: فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وعيناه حمروان من شدة السكر، رضي الله عنه قبل تحريم الخمر. قال: فصعد حمزة النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟» فرجع النبي صلى الله عليه وسلم القهقرى. هذا الشاهد: كيف رجع القهقرى؟ عندك يا أخ سعيد، يعني وجهه إلى حمزة، الوجه إلى حمزة، ثم يعود بخطواته إلى الوراء. لماذا لم يدور النبي صلى الله عليه وسلم دورة كاملة ثم يذهب؟ لماذا رجع القهقرى؟ ليش ما سمعتك؟ ولماذا ينظر إلى حمزة ويعود إلى الوراء وهو ينظر إلى حمزة؟ نعم، لأنه خشي لربما أخذ السيف ورما به، أو ربما جرى نحوهم فضرب. رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ثمل يقول لهم، وقد صعد النظر إليهم من أسفل إلى أعلى، فيقول: «هل أنتم إلا عبيد لآبائي؟» فرجع النبي صلى الله عليه وسلم القهقرى. هذا من الحكمة في هذا الموضع: إذا وجد الإنسان شيئاً فيه خطورة لا يوليه الدبر، ولكن يرجع القهقرى. يقول الشاعر رحمه الله: «رجعت القهقرى وخبطت عشواء». تقول العرب: «عشية كعمية» وزناً ومعنى. تقول العرب علماء اللغة: «عشية كعمية» من العمى المعروف، «عشية كعمية» وزناً ومعنى. «وخبطت عشواء»: معناه صرت في حيرة من أمرك وقلة هداية، مثل الذي يبحث عن شيء يخبط يمنة ويسرة وهو أعمى لا يرى، فهو يضرب يده في جهة اليمين، ثم يضرب يده في جهة اليسار، ثم يبحث هاهنا، لربما سقط في هذا الموضع، وربما جرى له ما يكره في موضع آخر. «خبطت عشواء». «رجعت القهقرى وخبطت عشواء، لعمرك». «لعمرك»: هذه الكلمة تتكرر في الكتاب وفي السنة، وهي ظاهرها القسم، ظاهرها القسم، ولكنها لكثرة استعمالها في لغة العرب صارت كلمة لا تفيد القسم، وإنما المعنى تأكيد الأمر. «لعمرك لو وصلت لما رجعت». هذا ليس حالفاً بغير الله، وليس نوع قَسَف، وإن كان ظاهره شيء من ذلك، لكنه لكثرة استعمال العرب في لغتها له صار لفظاً يراد به التوكيد. فتقول: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. ألف العلامة المحدث حماد بن محمد الأنصاري رحمه الله رسالة وجزءاً لطيفاً في كلمة «لعمري» في ضمن رسائله، رسالة لطيفة في كلمة «لعمري»، هذا خلاصة كلامه فيها. «رجعت القهقرى وخبطت عشوى، لعمرك لو وصلت لما رجعت». «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا انهلكت». لو سلمنا أنك ليس لك أي ذنب، وأنك على استقامة في أمرك، خرجت من بطن أمك إلى هذه الساعة، ونوقشت الحساب، فجئت بين يدي الله ونوقشت حسابك، إذا هلكت. هذا فيه حديث في الصحيحين، حديث عائشة رضي الله عنها: من نوقش الحساب هلك. من نوقش الحساب هلك. وفي لفظ: من نوقش الحساب عذب. قال ابن عيينة: والنقش هو الاستقصاء حتى لا يترك منه شيء. النقش: الاستقصاء حتى لا يترك منه شيء، شدة المحاسبة. ومنهم: «نَقش الشوكة»، لو أن رجلاً دخل في رجله شوك أو شوكة، تجده يأتي بتلك الإبرة بالمنقاش، فلا زال يتبع تلك الشوكة، هل يترك منها شيئاً أم يحاول أن يخرجها كاملة؟ يحاول أن يخرجها كاملة، لو انكسرت يتتبعها لأنها تؤلمه وتزعجه، هذا معروف. وهكذا النقش: شدة التتبع في استخراج الشيء. «ولو في الصحيح»: «وإذا تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». إيش معنى: «وإذا شيك فلن تقش»؟ إيش معنى عندك يا حمزة؟ طيب، جزاك الله خير، نصف الجواب عندك يا أخي، تفضل. «وإذا شيك فلن تقش»: طيب، عند من؟ عندك يا أخي، طيب. نسأل من... طيب، خليه تطوع، نافلة ليست فريضة. إذا أحد أراد أن يجيب يجيب. «وإذا شيك فلن تقش»: إيش معنى هذه الجملة؟ «وإذا شيك فلن تقش» عندك يا أخي تفضل. أي: إذا دخلت شوكة في رجله، فنسأل الله أن لا تخرج، وأن لا تنقش وتسحب، تبقى حتى يتوجع ويتألم. «تعيس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا انهلكت». المصنف عالم مطلع على الأحاديث وألفاظها، يحفظها ويفهمها، وهذا المعنى صحيح. ولهذا لا يناقش إلا لأجل أن يعذب. هكذا سمعت بعض المشايخ يقول: عند حديث «من نوقش الحساب عذب»: لا يناقش إلا لأجل أن يعذب. نسأل الله السلامة والعافية. «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا انهلكت، ولم يظلمك في عمل، ولكن عسير أن تقوم بما حملت». الله لا يظلم الناس شيئاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: 44]، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. لو نظر الإنسان إلى نعمة الله عليه، ثم نظر إلى شكر هذه النعم، لوجد نفسه مقصراً تقصيراً عظيماً. لو جيء بعبادته لما كانت جزاء لأصغر نعمة من نعمة الله عليه. ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]. ويقول سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 18]. «ولو وافيت ربك دون ذنب ونوقشت الحساب إذا انهلكت، ولم يظلمك في عمل، ولكن عسير أن تقوم بما حملت». «ولو قد جئت يوم الحشر فرداً، وأبصرت المنازل فيه شتى، لأعظمت الندامة فيه لهفاً، على ما في حياتك قد أضعت». لو جئت يوم القيامة، وإذا بالصحف تتطاير، وبمنازل العباد تفاوتت، لندمت وتمنيت أن تكون في أعلى المنازل. تندم عند الله عز وجل إذا جئت يوم القيامة فرأيت تقصيرك على هذه الذنوب. لازلنا في هذه القصيدة، ونسأل الله جل جلاله أن يرحم المصنف رحمة واسعة، وأن يجزيه عنا وعن المسلمين خير الجزاء. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً، شكراً.